شبكة ذي قار
عـاجـل










منذ قرن من الزمن لم تعش الأمة العربية، حال انكشاف كالذي تعيشه الآن علماً أن ما تتعرض له الآن من مخاطر ليس شيئاً جديداً على واقعها. فالاطماع الاستعمارية بالسيطرة على مقدراتها وثرواتها ومداها الجغرافي، هو مخطط قديم جديد في استراتيجية الدول الاستعمارية، والمشروع الصهيوني الذي يسعى لانتزاع اعتراف عربي شامل وفلسطيني به يعود التبشير به إلى أكثر من قرن، والتجزئة الكيانية قائمة منذ بدأت ترتسم ملامح إنشاء الدولة الوطنية في إطار المكون القومي الشامل، والقوى التي تنهل من فكر ديني التي لا تقيم اعتباراً للهوية القومية موجودة منذ مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي.

باختصار العبارة أن كل العوامل التي تقف حائلاً دون تمكن الأمة العربية الانتقال من حالة الوحدة بالقوة إلى حالة الوحدة بالفعل، إنما كانت موجودة، وكانت القوى المستفيدة من واقع التجزئة والارتهان في اشتباك سياسي وعقائدي مع قوى المشروع التي ترى في الأمة العربية، أمة مكتملة الأوصاف والعناصر والمقومات لتكون أمة موحدة بالسياسة والاقتصاد والبنى التحتية في إطار الدولة العربية الواحدة ولا هم كيف يكون نظامها الدستوري، اتحادي أو شبه اتحادي.

إذاً، ما بال الوضع العربي على هذا المستوى من الانكشاف وكل ما كان يعيق تقدم الأمة ونهوضها كان موجوداً؟ ان الجواب على هذا التساؤل هو أن ما استجد من تطورات وتغيرات على المستوى الدولي وعلى مستوى الإقليم لم يكن موجوداً قبل ما يزيد عن ثلاثة عقود، وأبرز هذه المتغيرات، سقوط مرتكزات النظام الدولي الذي كان يقوم على ثنائية استقطابية، وتقدم الولايات المتحدة الأميركية لتلعب دور المقرر في رسم معالم النظام الدولي الجديد القائم على أساس القطبية الواحدة، وهذا ما انعكس مباشرة على الوطن العربي الذي كان وما زال وسيبقى ميداناً لتصارع الاستراتيجيات الدولية المتقابلة، نظراً لما ينطوي عليه من ميزات في موقعه الاستراتيجي وإمكاناته وتاريخه الحاضن للحضارات التاريخية وموطن انطلاق الدعوات الدينية التوحيدية.

كما أنه من المتغيرات الإقليمية، حصول التغيير في إيران، وبروز نظام سياسي لا يقيم اعتباراً للحدود الوطنية ويعتبر أن شرعيته مستمدة من فكر ديني شمولي في عناوينه ومذهبي في مضامينه، ويستحضر في رسم استراتيجيته السياسية القريبة والبعيدة معطى المرحلة التاريخية التي كانت تعيشها بلاد فارس قبل الدعوة الإسلامية.

إن المتغيرين البارزين اللذين حصلا على الصعيد الدولي والإقليمي وجدا أن عائقاً كبيراً يحول دون نفاذ استراتيجية القطب الدولي الواحد، ونفاذ استراتيجية المتغير السياسي في الإقليم وتحديداً في إيران، وهذا العائق مثله العراق بموقعه ودوره وإمكاناته ومشروعه السياسي الذي حمل لواءه، ولهذا وقع العراق تحت مجهر استراتيجية القوى الطامعة بالأمة وبمقدراتها. وأن يتعرض العراق خلال ثلاثة عقود لثلاثة أشكال من العدوان، عدوان النظام الإيراني بعد وصول الملالي إلى سدة الحكم في طهران وتمكنه من صد هذا العدوان ومنعه من تحقيق أهدافه، والعدوان الثلاثيني الذي اتخذ من دخول الكويت ذريعه في وقت كانت فيه الإمكانية قائمة لحل تداعيات أزمة هذا الدخول بالسياسة والدبلوماسية، إلا أن دولة القطب الدولي الواحد أقفلت منافذ الحلول السياسية وفتحت أبواب الحرب على مصراعيها، وبعد الحرب التي كانت عالمية بأطرافها وأهدافها وضع العراق تحت حصار ظالم لمدة ثلاثة عشر عاماً، ولما لم تفلح العقوبات التي لم يشهد التاريخ مثيلا لها، شنت حرب عليه تحت ذرائع باطلة واستناداً إلى تقارير كاذبة وكان أن وقع تحت الاحتلال الذي بدأ أميركياً ومتعدد الجنسية وانتهى إيرانياً.

بعد احتلال العراق وإسقاط نظامه الوطني، انكشفت ساحة العراق الوطنية، وانكشفت ساحة الأمة من محيطها إلى خليجها. وفي ظل هذا الانكشاف، عاشت القوى المذهبية والتكفيرية عبثاً بأمن العراق الوطني والمجتمعي وأمن العديد من المكونات العربية، ودخل النظام الإيراني إلى العمق القومي العربي في تغول غير مسبوق مباشرة وعبر أذرعه الأمنية والميليشياوية، واستفرس العدو الصهيوني على جماهير فلسطين الصامدة الصابرة، وبذلك تكاملت نتائج أفعال مثلت القوى المهددة للأمن القومي العربي.

لقد تكاملت نتائج الاحتلال الصهيوني لفلسطين واراضي عربية أخرى مع نتائج الاحتلال الإيراني للعراق وتدخله المباشر الذي اتخذ بعداً خطيراً في تدميره للبنى المجتمعية العربية والذي أحدث تفكيكاً في بنى المكونات الوطنية العربية وخاصة في العراق وسوريا واليمن فضلاً عن تدخله في لبنان والبحرين وكل أقطار الخليج العربي وصولاً إلى دول المغرب العربي، وبتكامل نتائج هذين المشروعين اللذين شكلا فكي كماشة على الوطن العربي من داخله ومداخله، جاءت أميركا كراعية لتلعب دور القيادة الاستراتيجية لمشروع إعادة رسم خارطة المنطقة عل مقياس مصالحها، ولتوظف كل النتائج التي أفرزتها أدوار "إسرائيل" والنظام الإيراني وقوى التكفير الديني، وخنوع وارتهان النظام الرجعي العربي في سياق مشروع اطلقت عليه اسم "صفقة القرن" مع وعود أميركية تستحضر من خلالها كل المقدمات والأهداف التي انطوى عليها وعد بلفور، والحاق الأحواز العربية ببلاد فارس وتصفية القضية الفلسطينية، تصفية سياسية موصوفة، عبر إسقاط كل الحقوق الوطنية والقومية للأمة في فلسطين والتعامل مع هذه القضية باعتبارها قضية إنماء ومشاريع اقتصادية كما تبين من مقررات مؤتمر المنامة.

إذاً، أن التطور الجديد الذي جعل الأمة تعيش تحت وطأة الانكشاف الوطني والقومي، هو احتلال العراق وإسقاط نظامه. فلو كان العراق ما يزال قائماً كما في عهد نظامه الوطني، هل كانت جماهير فلسطين تشعر أنها يتيمة بأبويها وشهيد الحج الأكبر القائد صدام حسين، قال أن فلسطين تحتاج إلى الحضن القومي الدافىء أكثر من أية حاجة أخرى .

ولو كان العراق ما يزال قائماً كما في عهد نظامه الوطني، هل استطاع النظام الإيراني المجبول بكل الحقد الشعوبي الدفين ضد العروبة أن يتبجح ويقول بتنا نسيطر على أربعة عواصم عربية، وأن بغداد ستعود عاصمة لامبراطورية فارس التاريخية وهي التي جرعت الخميني كأس السم في القادسية الثانية لو كان العراق قائماً كما في سابق عهده الوطني، هل كان قيض لمؤتمر المنامة أن يعقد؟ وهل كان النظام الرسمي العربي على هشاشته وضعفه وصل إلى هذا المستوى من الاذلال والاستجداء لطلب المساعدة الأمنية من الدول الغربية وخاصة أميركا التي تمارس سياسية الابتزاز الموصوف بحجة الأمن مقابل المال.

لو كان العراق قائماً كما كان في ظل نظامه الوطني لما كان حصل كل هذا، وهذا ما يفسر لماذا ضرب العراق ولماذا احتل ولماذا تدمر بنيته الوطنية وقد بات واضحاً أن ضرب العراق واحتلاله لم يكن لكونه يشغل مساحة في خارطة الوطن العربي وحسب، بل لأنه كان يحمل مشروعاً سياسياً قومياً وجد فيه المواطن العراقي وطنيته وعروبته، ووجد فيه الإنسان العربي ملاذه الآمن لما يتهدده من أخطار.

وإذا تحل هذه الأيام الذكرى الواحدة والخمسين لثورة السابع عشر- الثلاثين من تموز، فإن هذه الثورة التي استفزت الأقربين والأبعدين بإنجازاتها على كافة الصعد وبأبعادها الوطنية والقومية و بما كان تجسده وما كان تطمح لتحقيقه، كانت تحت مجهر القوى المعادية منذ اللحظة التي انبلج فجرها وجاءت سياقات الأحداث لثبت، بأن الثورة التي حملت لواء البناء الوطني ووفرت مظلة للأمن القومي كانت مستهدفة منذ انطلاقتها لأنه بدون ذلك، ما كان معسكر الأعداء، المتعارضون ظاهرياً والمتحالفون موضوعياً حقق هذا الاختراق للأمن القومي العربي.

من احتلال العراق بدأت عملية تدمير البنية القومية العربية كما المجتمعية ومن العراق تبدأ عملية هزم المشروع المعادي الذي ينفذه تحالف الصهيونية والاستعماروقوى الشعوبية الجديدة ومن هنا نبدأ.



السبت ١١ ذو القعــدة ١٤٤٠ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١٣ / تمــوز / ٢٠١٩ م


أكثر المواضيع مشاهدة
للإطلاع على مواضيع الكاتب نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة