شبكة ذي قار
عـاجـل










بسم الله الرحمن الرحيم
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ( 1 ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( 2 ) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ( 3 )

بسم الله الرحمن الرحيم
{ إن هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون} ( الانبياء 92 )
صدق الله العظيم



انها الوحدة العربية- امل الشعب العربي في حياة حرة كريمة ولكن كيف يرجى للعرب تقدم ومصير ممتلكيه غير مصيره .

لقد سرني في المقالة الاهتمام المخلص والمتابعة المستمرة لشؤون الوحدة العربية التي لا نتوقع تحقيقها عن طريق الانظمة العربية، لأن طريق تحقيقها هو النضال- نضال الجماهير العربية بقيادة طليعتها الواعية، وهو طريق شاق وليس باليسير. ولكن لا بد من صنعاء وان طال السفر.

كما اعجبني في المقالة ضرب الامثال ( وبالأمثال نتعلم ) والكاتب كطبيب مَثّل العرب في تناول وحدتهم كالطبيب الذي يعالج اعراض وظواهر مرض مركب سرطاني بالغ الخطورة وينسى المرض وسيكولوجية المريض من حيث معنوياته و مدى ثقته بالطبيب المعالج.

وهكذا عندما نتكلم عن الامة العربية ( المريض ) يجب ان نتناول سيكولوجية هذه الامة -تاريخا وواقعا- فتاريخ البشرية يشهد ومؤرخوه ان حضارة وادي الرافدين تعد من اقدم الحضارات البشرية واعرقها. وقد تجددت مساهمة العرب في تقدم الحضارة البشرية بظهور الدين الجديد ( الإسلام ) وتكوين دولة الخلفاء الراشدين والخلافة الاموية والخلافة العباسية حيث بلغ التقدم الحضاري أوجه، علوما وثقافة وادبا وقيما أخلاقية عالية، وصارت بغداد العاصمة حاضرة العالم، ملتقى التفاعل الحضاري حتى اجتاحها المغول سنة 1258 بقيادة هولاكو. فكانت النكبة- دمارا للبلاد وخرابا للعباد- شعبا و تراثا.

ومنذ ذلك الحدث التاريخي المأسوي والامة العربية من ضعف وتخلف الى المزيد فتكالبت عليها القوى الدولية الاجنبية من كل فج وإتجاه، وبانتهاء الحرب العالمية الأولى تمت سيطرة الغرب الاستعماري على الأقطار العربية – شرقا وغربا- وقد كانت مواقف دول الغرب نحو العروبة والإسلام تحددها فلسفة الحروب الصليبية في شعارها "دمروا الإسلام، ابيدوا اهله العرب".

وقد انكشفت سياسية الغرب وافتضحت غاياتها في مؤتمر ( كامبل ) المنعقد في لندن عام 1905 والذي استمرت جلساته حتى 1907، بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين بهدف إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن. وقدم فكرة المشروع لحزب الأحرار البريطاني الحاكم في ذلك الوقت. وضم الدول الاستعمارية في ذاك الوقت وهي: بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا. وفي نهاية المؤتمر خرجوا بوثيقة سرية سموها "وثيقة كامبل" نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بانرمان. وهو أخطر مؤتمر حصل لتدمير الأمة العربية وكان هدفه إسقاط النهضة وعدم استقرار المنطقة.

فقد توصل المؤتمرون إلى نتيجة مفادها "إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار! لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضا هو مهد الأديان والحضارات". والإشكالية في هذا الشريان أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان".

وأبرز ما جاء في توصيات المؤتمِرين :
1 - إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة، ومحاربة أي توجه وحدوي فيها، وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة إليهم إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى: دول الحضارة الغربية ( دول أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا ) والواجب تجاه هذه الدول هو دعم هذه الدول ماديا وتقنيا لتصل إلى مستوى تلك الدول

الفئة الثانية: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية ولكن لا يوجد تصادم حضاري معها ولا تشكل تهديدا عليها ( كدول أميركا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها ) والواجب تجاه هذه الدول هو احتواؤها وإمكانية دعمها بالقدر الذي لا يشكل تهديدا عليها وعلى تفوقها

الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية ويوجد تصادم حضاري معها وتشكل تهديدا لتفوقها ( وهي بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام ) والواجب تجاه تلك الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها في هذا المجال ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية.

2 - الدعوة إلى إقامة دولة في فلسطين تكون بمثابة حاجز بشري قوي وغريب ومعادي يفصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن القسم الآسيوي والذي يحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب الا وهو ( إسرائيل ) .

3 - اعتبار قناة السويس قوة صديقة للتدخل الأجنبي وأداة معادية لسكان المنطقة.

4 - الدعوة إلى فصل عرب آسيا عن عرب أفريقيا، ليس فقط فصلاً مادياً عبر ( الدولة الإسرائيلية ) ، وإنما اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، مما يبقي العرب في حالة من الضعف.
وكانت من النتائج الكارثية :

1 - سلخ لواء الإسكندريون من الوطن العربي لتركيا وضم إيران إمارة الأحواز الى أراضيها، وجاء وعد بلفور المشؤوم الذي دعا الى انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين-قلب الوطن العربي- وهكذا جاءت معاهدة سايكس بيكو لتقسيم الوطن العربي الى دويلات قطرية يترأسها ملوك وامراء تحت انتداب الغرب الاستعماري.

2 - قيام ( دولة إسرائيل ) استنادا الى وعد بلفور المشؤوم.
3 - وقوع الانفصال وتفكيك الوحدة بين سوريا ومصر العربية التي كانت تمثل امل العرب ولاحقا تم اسقاط الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق واجهضت كل المحاولات الوحدوية بين العراق و سوريا.

وهكذا تكللت مظالم زعماء الغرب بقيادة أميركا وتعاون بعض ذوي القربى بغزو العراق- حامي الجبهة الشرقية من العدوان الإيراني- ليسقط بأيدي الاحزاب والمليشيات الذين عاثوا في بلاد الرافدين ظلما وعدوانا واكثروا فيها الفساد والخراب، وأعطوا الفرصة لإيران و ( إسرائيل ) للمزيد من التخريب لتصفية أصحاب الكفاءات والمواهب وضباط الجيش ونهب للأثار وسلب ما فيه من ممتلكات اثرية من المتاحف وكتب ثمينة نادرة من المكتبات.

وجاء الربيع العربي كاحتجاجات سلمية لتغيير الواقع العربي وأنظمة الحكم في البلاد العربية تحت شعارات: الديمقراطية والتعدية وحقوق الانسان، ولكنه تحول الى خريف من الدمار و الدماء ..

اما انعكاسات وتداعيات هذه الاحداث الجمة على الوطن العربي فكان اخطرها ظهور داعش للترهيب والتدمير فعمت الفوضى والفساد والاقتتال الديني والطائفي والعنصري في كثير من الأقطار العربية وفوق كل هذا مناصبة العداء للعروبة واجتثاث دعاتها ممن ينادي بالإصلاح والتحرر والوحدة.

وان ننسى فلا ننسى الحشد الشعبي كقوة توازي قوة الجيش. فعمالته لإيران والاخذ بأوامر دولة الفقيه فيها يزيد من الخطورة وصعوبة التغيير لصالح العروبة والتقارب بين الأقطار العربية.

وكذلك كان من تداعيات الأحداث المؤسفة توسع شقة الخلاف والتباين بين أنظمة الحكم في الأقطار العربية

وهكذا أصبحت الأمة العربية من الضعف والهوان ولسان حالها كما يقول الشاعر احمد شوقي: ( ولي بين الضلوع دم ولحم هما الواهي الذي ثكل الشبابا ) . اما حالة الأمة النفسية فكانت بانهيار مستمر وانكسار ومعنوياتها منخفضة تكاد تصل الى حالة اليأس وفقدان الأمل ولسان حالها يقول: ويسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الاستعمار له صوابا ... ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام

وهكذا كانت سياسة اميركا في تعاملها مع الشعوب؛ سياسة الردع السيكولوجي والصدمة النفسية بتدمير إنسانية الإنسان وتجريده من حاجياته البيولوجية والاجتماعية والنفسية والروحية وحصرها في الحصول على لقمة العيش لابنائه وممارسة بعض الطقوس الدينية الروتينية وإشغاله بوسائل التواصل الاجتماعي ( فيسبوك ووتسآب ) فبالترويض والتجويع والتهجين والتنويم سلبوا من الإنسان ارادته وأذلوه فأصبح جسدا مخدرا ونفسا حائرة وهذا ما حصل حقا في العراق بعد الاحتلال.

ان هذه الكوارث والنكبات وتداعياتها لم تأت من فراغ بل لها اسبابها و مسبباتها.

وهنا يأتي دور الاستعمار الغربي وبالذات اميركا الى وصول الأمة العربية الى هذه الحالة من التردي والضعف. ان تأكيدنا على دور الاستعمار الغربي في وصول الامة العربية الى هذه الحالة من التخلف والتدهور والتجزئة ومناهضة محاولات الوحدة العربية والتقارب بين الأقطار العربية يجب ان لا يقلل من دور بعض الأنظمة العربية في ترسيخ التجزئة والابتعاد عن الوحدة.

ولكون اكثر سكان الوطن العربي مسلمين الا ان الكثير منهم ابتعدوا عن الدين الحقيقي فاقتصرت ديانتهم على جانب العبادات في ممارسة مناسك الطقوس الروتينية من صلاة وصيام ومظاهر وتركوا الجانب الأهم في الدين- المعاملات والسلوكيات وحسن الخلق- ونسوا و تناسوا ان نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم قد بعث ليتمم مكارم الاخلاق، ولو كان المسلمون متبعين رسالة الإسلام السامية لما عذبهم الله- { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ( الانفال 33 ) .

وإنِّما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُمْ؛ ذَهَبُوا
ان خطورة الموقف والحالة المتردية للامة العربية يتطلب من المخلصين الوطنيين- مفكرين ومثقفين وأصحاب مهن ورجال سياسة- التفكير الجدي في الخلاص من هذا الوضع المأسوي وتداعياته.

وهذا الخلاص لا يكون الا بتبني المشروع الوحدوي النهضوي- مشروع الوحدة العربية- كهدف سام بعيد التحقق لما يتطلبه من تهيئة قيادات طليعية وطنية مخلصة ونضال شعبي مستمر منظم وتضحيات جسام.

ان هذا الهدف البعيد المدى يجب ان لا يجعلنا ننسـى ونتغافل الواقع العربي المعاش- واقع التجزئة والولاءات القطرية والطائفية والعشائرية والعنصرية، بل يجب ان ننطلق من هذا الواقع المر والعمل في اطاره وضمن الإمكانات المتاحة لتجنب المزيد من التردي والانهيار وخيبة الامل.

ولما كانت وحدة الثقافة أرضية صالحة وأساس كل وحدة لأي امة لذلك يجب التوجه الى احياء ميثاق الوحدة الثقافية العربية والخطة الشاملة للثقافة واستراتيجية التربية بالتعاون مع جامعة الدولة العربية ومنظماتها النوعية ولاسيما المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم للتمسك بالقيم العربية الإسلامية الاصلية والحفاظ على سلامة اللغة العربية بإقامة المؤتمرات القومية والندوات والملتقيات الفكرية والحلقات الدراسية. كما يمكن الدعوة لعقد مثل هذه الفعاليات والنشاطات الثقافية في كل قطر وخارج الوطن العربي يتولاها المهجرون من أصحاب الكفاءات والخبرة، وهم كثر.

ان مثل هذه الفعاليات في داخل الوطن العربي وخارجه يمكن ان تكون أرضية صالحة لإفراز القيادة الوطنية المخلصة والمتمكنة لتبني المشروع النهضوي الوحدوي كما حدث في كثير من اقطار العالم التي كانت مثل وضع الامة العربية وربما أسوأ كإبراهيم لنكولن محرر العبيد وموحد أميركا ومارتن لوثر في أوروبا الذي قضى على الكهنوتية وصكوك الغفران و مانديلا موحد جنوب افريقيا وماو تسي تونغ موحد الصين، وغيرهم.
وليست تجربة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ونجاحه في توحيد العرب تحت مظلة الإسلام ببعيدة عنا، وهكذا يجب العمل في اطار الممكن والإمكانات.

كما ان الدعوة للعودة الى الإسلام الحقيقي- عبادات ومعاملات وحسن خلق طريق سليم للمساهمة في الخلاص من وضع الامة المأسوي.

الإسلام الحقيقي- يدعو إلى التمسك بالقران والسنة النبوية قولا وعملا، واتباع منهج الوسطية العقلانية بلا افراط ولا تفريط، كما ان إبعاد رجال الدين والمعممين عن السياسة -الفاسدة- وتحديد عملهم على التثقيف الديني وتحفيظ القران والدعوة لتهذيب الاخلاق وتثبيت القيم العربية- الإسلامية الاصيلة طريق سليم لخلق مجتمع الوحدة والتحرر.

ولتستجيب الأمة لدعوة الله سبحانه وتعالى في قوله { إنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون} ( الانبياء 92 ) وقوله تعالى { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" وقوله عزَّ وجل " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} ( آل عمران 103 ) .

واخر دعوانا اللهم اهدِ العرب لتحقيق امل الامة في الوحدة والتحرر.
وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكابا
وانما الاعمال بالنيات..
 



الاحد ٥ ذو القعــدة ١٤٤٠ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٠٧ / تمــوز / ٢٠١٩ م


أكثر المواضيع مشاهدة
للإطلاع على مواضيع الكاتب مكتب الثقافة والاعلام القومي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة