شبكة ذي قار
عـاجـل










لوحظ من قبل العديد من المراقبين المحايدين ان الرفيق عزة ابراهيم الامين العام للحزب ركز باستفاضة في خطابة في الذكرى 72 لتأسيس البعث على كل ما يتعلق بالبعث فكرا وتنظيما وستراتيجية وممارسات وتحديات بطريقة يعيد بها المستمع اليه الى الجذور والاصول ويذكر بها بقوة من اجل التمسك بها، ولهذا كان الخطاب طويلا كما يجب ان تطول كل عملية تربوية جذرية ابتداء من نشر رسالة تغيير حضاري نوعي وجذري وشامل الى بناء عمارة معقدة تحتاج الى تفاصيل دقيقة لضمان متانة البناء.

تناول الرفيق القائد عزة ابراهيم في خطابة الاسس والمبادئ التي شيد البعث عليها فعدد قواعد العمل الحزبي الداخلية كالديمقراطية والنقد والنقد الذاتي وحقوق الرفاق والقيادة الجماعية والمبادئ التربوية والاخلاقية التي تربي الرفاق ،ثم تطرق لمبادي الحزب وجوهر عقيدته مجسدة في اهدافه القومية :الوحدة والحرية والاشتراكية، وانه حزب رسالي وليس حزبا تقليديا بدأ نضاله منذ عقود وسيستمر لقرون مادام يحمل رسالة ليس فقط لتغيير الاوضاع الفاسدة وبناء مجتمع ديمقراطي تقدمي وتحقيق الوحدة العربية الشاملة بل ولادامة الحياة فيه بجعله متطورا يواكب روح كل عصر دون التفريط بهويته الاساسية ،ولذلك ركز على الانقلابية لانها ضمانة محافظة البعث على اصالته وطليعيته ...الخ .

لماذا هذه التفاصيل الدقيقة بعد عقود من النضال وفقا لها ؟

1- كما ان الجسد البشري يحتاج للفحص لدى الطبيب كل فترة – وهذا هو سياق المحافظة على كل شيء – فان الحزب يحتاج كل فترة الى فحوصات شاملة لوضعه بكافة مكوناته من اجل التأكد من سلامة الحزب وعدم تعرضه لاي نوع من انواع الضعف او الخلل ، وبعد 16 عاما على الغزو وقبلها بعد 35 عاما من حكم البعث في العراق يكون الحزب قد مر بمرحلتين خطيرتين جدا وتعدان من اخطر ما مر به البعث، فالحكم كما انه اداة تغييرات ايجابية فهو بنفس الوقت اداة افساد للبعض، وما بعد الغزو كما انه مرحلة فحص درجة نضالية وثبات كل مناضل فانه مرحلة اظهار مناطق الخلل والضعف في التربية الحزبية، لهذا كان تشخيص كل تلك الظواهر ضرورة (طبية)لابد منها وهو ما قام به الرفيق عزة ابراهيم في خطابه التاريخي ، فالخطاب في جوهره هو تشخيص ( طبيب مختص ) لحالتنا في جانبيها الايجابي والسلبي .

واول خطوات الفحص هي التذكير بمداميك البعث وضوابطه العقائدية والتنظيمية والاخلاقية والستراتيجية وتسليط الاضواء على البيئة الجديدة لنضاله كي يرى ليس البعثي فقط بل كل انسان ما يحيط بنا وما نواجهه من تحديات وخروقات واوضاع جديدة لم تكن موجود، والاهم ما تركته فترة الحكم فينا من سلبيات وما احدثه الاحتلال من ضغوطات هائلة وغير مسبوقة على الانسان بما في ذلك البعثي، وكل تلك البيئات توجب اجراء فحص شامل للحزب للتخلص من الشوائب .

2- ولعل اخطر السلبيات المتراكمة منذ حكم البعث ثم جاء الاحتلال ليبرزها بقوة والتي يجب معالجتها ظاهرة ضعف الرادع العقائدي والتنظيمي لدى البعض من الحزبيين فمن سلبيات السلطة انها سمحت بحكم حاجتها للكم في ادامة امن الدولة بالخلط بين حاجة الحكم وبين حاجة الحزب فلئن كان الحكم بحاجة لحراس فان الحزب بحاجة الى عقائديين مستوعبين لعقيدة البعث وستراتيجيته واخلاقياته .

وحينما يخلط بين الحارس وبين العقائدي ولايمكن التمييز بينهما تبدأ مسيرة المشاكل المعقدة لان الاول يتقن فنون القوة او التنفيذ الاداري لكنه ضعيف عقائديا وستراتيجيا ،بينما الثاني يبدع في توضيح وشرح العقيدة والهوية والستراتيجية والعلاقات الرفاقية للتنظيم اضافة لتمتعه بقدرات نضالية عالية جدا بفضل وعيه العام والخاص، والنتيجة هي وجود عناصر لم تستوعب عقيدة البعث ولا اخلاقياته ناهيك عن جهلها لضوابطه التنظيمية حتى لو قرأت النظام الداخلي والمرجع الاول لعقيدة البعث كتاب ( في سبيل البعث ) عشرات المرات لان النظام الداخلي والعقيدة روح قبل ان يكونا كلمات والروح نتاج معاناة وتفاعل طويلين ،ولهذا فان بعض من كسبناهم اثناء حكم البعث وتمكنوا بفضل نشاطهم البدني من تسلق السلم الحزبي فواجهوا تحديات معقدة اجبرتهم على الاعتماد على تربيتهم الاجتماعية وثقافتهم العائلية والقبلية وليس على ثقافة الحزب وعقيداته التي تحتاج لمعايشة طويلة ومتعبة.فماذا كانت النتيجة العملية؟ البعض تصرف ومازال يتصرف ونوازع عشائرية تتحكم فيه في اطار مسؤولياته الحزبية كانه رب العائلة وشيخ العشيرة فيغضب عندما يناقشه احد ويحرجه ويتحول الى عدواني شرس لايقبل النقد !

ومن نتائج هذه الظاهرة استشراء التملق فهذا النوع قبل ان يتسلق يبدو لطيفا وناعما كالحرير لدرجة انه يبدي كافة انواع التبعية لمن ينظر اليه سرا باحتقار فيخاطبه بعبارات مثل (تؤمر) او (سانفذ توجيهاتكم) ..الخ لكنه ما ان يصل حتى يتنمر ويبدأ بالتصرف بخشونة ويستخدم اساليب كان ينتقدها بشدة ! بل ان حجم المرض الاجتماعي لهؤلاء يصل حد انه لايصدق انه فقد وظيفته بعد الاحتلال فيتصرف بنفس البيروقراطية السابقة ويخاطب الناس بخشونة وعدوانية! وهذا سلوك غير بعثي بالتأكيد.

2- ومن بين اسوأ النتائج ضعف الرادع الاخلاقي فحيثما تسلل شخص الى صفوف الحزب دون اكمال تربيته الحزبية والعقائدية وفحص مؤهلاته نجد لديه الاستعداد للردة الاخلاقية حتى وان تظاهر في فترة ما بالتقيد بالقيم الاخلاقية وبضوابط البعث ، فحينما كنا في الحكم كان يخشى العقوبات فتقيد خوفا وليس قناعة ، وبعد الغزو ونتيجة لغياب سلطة الدولة لاحظنا بروز ظاهرة انفلات البعض تنظيميا وعدم التزامه بقواعد التنظيم والضبط ،بل الاسوأ من ذلك هو لجوء هذا البعض لوسائل تهديمية مثل الطعن برفاقه في وسائل التواصل الاعلامي وتلفيق اكاذيب عنهم لانه اما اختلف معهم او يخشى كفاءاتهم وهو لايملك الكفاءة البعثية وان امتلك الكفاءة النضالية.لقد تصور بان التباعد المكاني بين الرفاق والقيادة يسمح له باللعب خارج النظام والاخلاق وانه لن يحاسب.

3-والاشد تهديما للعقيدة هو الكذب وتبديل المعلومات عمدا فحينما يعتقد ( الحارس ) بان اللصوص سرقوا ما كان يجب ان يحافظ عليه يبدأ بتلفيق الاكاذيب لتبرئة نفسه ، بل انه يتبع اسلوب (الهجوم خير وسيلة للدفاع) فيمارس شتى انواع التلفيقات لرمي المسؤولية على منافسيه كما يعتقد هو ! وهذ الحالة تضع الرفاق العقائديين الاصلاء امام وضع صعب فهم تعودوا على الامانة في القول والدقة في النقل وتجنب كل ما من شأنه ان يسيء للاخرين او يشغل الحزب لان اخلاصهم المبدأي هو الذي يحركهم وليس خلفياتهم الفردية العشائرية او الغريزية .

4- عدم الانضباط يؤدي ايضا الى ضعف التنفيذ وبما ان التنفيذ في حزب يتعرض لاقسى انواع الاجتثاث هو الواجب الاساس للبعثي الحقيقي فان ضعف التنفيذ يعرض المؤسسة الحزبية برمتها لمخاطر الفشل في صراعها المصيري مع اعداء الامة المنفذين لاجتثاث البعث بلا رحمة .

5- ولكن من اشد نتائج الكسب تحت الحاجة ل ( لحراس ) والذين يستلمون تحت ضغط ظرف قاس مواقع ليست للحراس وانما للواعين والعقائديين ظهور الخلل من فوق وليس من تحت،اي من مواقع قيادية، وهذا احد اهم اسباب اضطراب بعض الحراس الذين تولوا مواقع العقائديين بالغلط اثناء دخول القوات الامريكية لبغداد وفقدانهم للقدرة على تقدير الموقف بصورة سليمة رغم شجاعتهم التي تبخرت مع سيطرة الاضطراب عليهم،بينما تمكن العقائدي من التصرف بصورة سليمة رغم كل مخاطر المواجهات وقتها.كما ان ذلك احد اسباب ظاهرة تلفيق الاكاذيب ورفعها لمن هو اعلى تجميلا لصورته هو وذلك ادى الى تقدير قوة الحزب بصورة غير واقعية مثلما حصل قبل صفحة الغدر والخيانة او صفحة الغزو،واخيرا وليس اخرا فهذا النوع مرشح للتجنيد من قبل الاعداء لوجود اكثر من ( صاحب ) له .

هذه بعض السلبيات التي تتناقض مع ما قدمه الرفيق القائد في خطابه التاريخي وهو يستعرض مفردات العقيدة والستراتيجية والنظام الداخلي والقيم الاخلاقية للبعث وسمات البعثي الرسالي ، الامر الذي يجعل تناولها في الخطاب عبارة عن دروس للتعلم منها وتصحيح الاخطاء بواسطتها، ففي غمرة النضال تغيب عن المناضل حتى العقائدي الكثير من المفردات الاساسية، من هنا فان الضرورة تقتضي التذكير بها وتسليط الاضواء عليها من اجل اعادة الوضوح الكامل والتمكن من حل الاشكالات باقل الخسائر. وهذه الحقيقة تلزمنا بان نجعل من مفردات الخطاب محاور ومادة للتثقيف والتعلم مجددا في الحزب وخارجه لسد الثغرات التي حصلت واعادة تأهيل من كسب كحارس لكنه تولى مسؤولية عقائدية لايصلح لها،واخيرا فرز من لايمكن اصلاحه بالطرق الرفاقية والتخلص من سلبياته.

Almukhtar44@gmail.com
١٨ / نيســان / ٢٠١٩



الجمعة ١٤ شعبــان ١٤٤٠ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١٩ / نيســان / ٢٠١٩ م


أكثر المواضيع مشاهدة
للإطلاع على مواضيع الكاتب صلاح المختار نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة