شبكة ذي قار
عـاجـل










المقدمة : أثبتت الأحداث ألنّوايا والممارسات العدوانيّة قولاً وفعلاً من قبل كلٍّ من الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران اتجاه الوطن العربي. ورغم أنّ العلاقات بين الدولتين قد تخلّلها حالاتٍ متباينةٍ من المواجهة والتعاون المباشر وغير المباشر فإنّ العرب كانوا ولا يزالون يدفعون الثمن من استقلالهم وسيادتهم واستقرارهم وتقدّمهم الطبيعي، والسيّطرة على مواردهم البشريّة والماديّة ليس بسبب قوّة الطرفين أو غيرهما وتدخلهم السلبي فقط وإنّما كذلك بسبب الضعف والهشاشة في الوضع العربي سواء في بنية الأنظمة السياسيّة في كل دولة عربيّة أو مديات التعاون الثنائي والجَمَاعي في ظلّ ميثاق الجامعة العربيّة وبرامج مجالسها المتخصّصة الدّفاعيّة والإقتصاديّة وغيرها، وعدم تنفيذ القرارات الصادرة عن مؤتمرات القِمّة العاديّة، والإقتصاديّة الإجتماعيّة، والإجتماعات الوزاريّة واللّجان المتخصّصة. تهدف هذه الدراسة إلى التوقّف عند العلاقات الأميركيّة الإيرانيّة في العقود الماضية واحتمالات مساراتها المستقبليّة، وتأثيرها على التطورات التي يشهدها العالم العربي على الصعيدين الوطني والقومي.

محطّات العلاقات الإيرانيّة الأميركيّة
مرّت العلاقات الأميركيّة الإيرانيّة منذ إسقاط نظام الشاه عام 1979 بمحطّات مواجهة مثل اقتحام السفارة الأميركيّة في طهران واحتجاز الرهائن لمدة 444 يوماً، حيث عمل الحزب الجمهوري الأميركي على استغلال الأزمة من خلال طلب تأخير إطلاق سراحهم في لقاء بين نجل شقيق الخميني رضا بسنديدة ومهدي كروبي عن الجانب الإيراني ووممثلين لرونالد ريغان وجورج بوش من بينهم وليام كيسي من الجانب الأميركي في إسبانيا في مقابل تقديم حوافز لإيران وذلك لضمان خسارة جيمي كارتر الإنتخابات حسبما أفاد الرئيس الإيراني الأسبق آنذاك أبو الحسن بني صدر، ونَعت الولايات المتحدة الأميركيّة ب "الشيطان الأكبر" من قبل إيران، والعقوبات الأميركيّة على إيران واعتبارها أحد أركان ما سُميّ "محور الشرّ" من جهة، وتعاون ظهرت على الأرض امتداداً من أفغانستان شرقاً وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، حيث تمكّنت الولايات المتحدة الأميركيّة من احتلال أفغانستان والعراق، وكان لإيران دور بارز في تسهيل وتحقيق الإحتلال إذ تمّ تأكيد ذلك على ألسِنة قادة إيرنييّن ( لولا إيران لما تمكّنت أميركا من احتلال كابول وبغداد ) ، وزيادة نشر قواعدها العسكريّة في المنطقة، وسيطرتها على موارد الطاقة وإلى حدٍّ ما ألإيداعات الماليّة لدول المنطقة. وتمكّنت إيران من توسيع نفوذها، ودرجات تدخلّها المباشر وغير المباشر في الإقليم، وتطوير قدراتها الإنتاجيّة خاصّةً ما له علاقة بقطاعي الطاقة النوويّة والكهربائيّة، والصواريخ بما في ذلك الباليستيّة.

تمّ تتويج العلاقات في عهد الرئيس الأميركي الأسبق أوباما من خلال مشاركة الولايات المتحدة الأميركيّة مع الدول الأخرى دائمة العضويّة في مجلس الأمن وألمانيا ( 5+1 ) في التوقيع على الإتفاق النووي مع إيران في 14 تموز 2015 والذي صَدَّقَ عليه مجلس الأمن الدولي بالإجماع بموجب القرار 2231 بعد ستَة أيّام فقط ( 20 تموز 2015 ) . بموجب القرار المذكور رُفِعَت العقوبات عن إيران، تلك العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركيّة عام 2012، حيث قُدِّرت خسائر إيران ب 500 مليار دولاراً أميركيّاً نتيجةً لخفض الصادرات النفطيّة وتراجع الأسعار من 109.5 دولاراً للبرميل عام 2012 إلى 49.5 دولاراً عام 2015. وقد تضمّن الإتفاق النووي إضافةً لما له علاقة بالنشاطات النوويّة بنداً متعلّقاً بالصواريخ والأسلحة الأخرى :" يُحَظَّر على إيران استيراد أجزاءَ يمكن استخدامها في برنامجها للصواريخ الباليستيّة لمدّة ثمان سنوات ( أي لعام 2023 ) ، كما يُحَظَّر استيراد الأسلحة لمدّة خمس سنوات ( أي لعام 2020 ) حتّى يمكن لمجلس الأمن ان يمنح بعض الإستثناءات على أن يرفع الحظر في عام 2030.

تطبيقاً لما ورد في حملة الرئيس الأميركي ترامب الإنتخابيّة تمّ خروج الولايات المتحدة الأميركيّة من الإتفاق النووي وأُعيد فرض العقوبات على إيران في 8 أيار 2018، وقد تخطّت العقوبات قطاعي مصادر الطاقة والصواريخ لتطال قطاعاتٍ إقتصاديّةً أخرى مثل السجّاد والسيّارات والذّهب والمعادن الثقيلة، والريال. ووضعت شروط جديدة لرفع العقوبات: "ألإفصاح عن كامل الأبعاد العسكريّة لبرنامج إيران النووي والسماح لوكالة الطاقة الذريّة بتفتيشه بشكل مستمرّ، والتوقّف عن تخصيب اليورانيوم، وإغلاق مفاعل الماء الثقيل، والتخلي عن محاولة معالجة البلوتونيوم، والسماح بالوصول الكامل إلى جميع المحطّات النوويّة العسكريّة وغير العسكريّة، ووضع حدّ لانتشار الصواريخ الباليستيّة وإطلاق الصواريخ التي يمكن أن تحمل رؤوساً نوويّة، وإطلاق سراح المواطنين الأميركييّن وكلّ مواطني الدول الحليفة، وإيقاف دعم المجاميع التي تُصَنّف أميركيّاً إرهابيّةً مثل حزب الله وحركتي حماس والحهاد الإسلامي، والسماح بنزع سلاح ميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وإيقاف دعم الحوثييّن في اليمن والعمل على التوصّل إلى حلّ سياسيّ، وسحب كلّ القوّات التابعة لإيران من سوريا، وإيقاف دعم حركة طالبان التي أبرمت معها الولايات المتحدة الأميركيّة اتفاقاً في الدوحة ( قطر ) في 17 كانون الثاني 2019 والذي تضمّن انسحاب القوّات الأميركيّة خلال 18 شهراً، وإجراء مباحثات بين حركة طالبان والحكومة الأفغانيّة الحاليّة، وعدم إيواء عناصر القاعدة، وإيقاف دعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ووقف التهديد لحلفاء أميركا من دول الجوار". وفي تشرين الثاني 2018 أُضيفت إلى لائحة العقوبات صادرات النفط والغاز مع إعفاءات لثمان دول ( ألصين، الهند، تايوان، اليابان، كوريا الجنوبيّة، تركيا، أليونان وإيطاليا ) من أجل اكمال تنفيذ العقود المبرمة بينها وبين إيران والتي تنتهي مفاعيلها في أيار القادم ( 2019 ) ممّا قلّص مبيعات إيران إلى مليون برميل يوميّاً، وكذلك تعاملات المؤسسات الماليّة الدوليّة مع البنك المركزي الإيراني.

عوامل القوّة والضعف في العلاقات الإميركية الإيرانية
تراهن الولايات المتحدة الأميركيّة على سلاح فرض العقوبات تصاعديّاً حيث سوف يتفاقم تأثيرها على إيران اعتباراً من شهر أيار القادم حيث يبدأ تطبيق الحظر الكامل لمنتجات الطاقة الإيرانيّة والتحويلات الماليّة، وسريان مفاعيل العقوبات على الدول الأخرى بما في ذلك شركات الإتحاد الأوروبي التي لا تستطيع التفريط بالسوق الأميركي الأوسع من السوق الإيراني وكذلك خسارة إستثماراتها في دولٍ أخرى بينها وبين إيران درجات متباينة من النزاع. كما أنّه رغم أنّ الإتحاد الأوروبي قد أكد االتزامه بالإتفاق النووي ووضع آليّة دفع لتسهيل التجارة مع إيران فقد أرفق ذلك بإدانة برنامجها للصواريخ الباليستيّة وسلوكها المزعزع للإستقرار في الشرق الأوسط والأعمال غير القانونيّة التي يقوم بها عناصر المخابرات الإيرانيّة ضدّ معارضي النظام ممّا ينعكس سلباً على الإقتصاد الإيراني من خلال تراجع قيمة العملة الإيرانيّة ( ألريال ) ، وتردّي الأوضاع المعيشيّة، وتفاقم الإعتراض الشعبي، وتدنّي شعبيّة النظام. كلّ ذلك يدفع إيران إلى الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركيّة التي يوكّد عليها الرئيس الأميركي ترامب الذي أعلن في تموز 2018 عن استعداده لقاء قادة إيران دون شروط مسبقة يهدف ترامب من تلك المفاوضات أن تكون شبيهة إلى حدّ كبير إلى ما آلت إليه العلاقات مع كوريا الشماليّة بعد لقاء مع الرئيس الكوري الشمالي أون في سنغافورة في 12 حزيران 2018 والذي تعهّد فيه بتفكيك البرنامج النووي والصاروخي وانفتاح دولته على كوريا الجنوبيّة والإقتصاد العالمي. وسوف تستكمل المفاوضات بين الطرفين في فيتنام في 27-28 من الشهر الحالي ( شباط 2019 ) ، ويبدو أنّ احتمالات نجاحها ترتفع طرديّاً منذ بدئها حتّى الآن.

تنشر الولايات المتحدة الأميركيّة قواعدَها في المنطقة كما في المناطق الأخرى من العالم، وتدفع باتّجاه تكوين قوة مواجهة مع إيران، حيث تُوِّجَ هذا التوجّه بانعقاد مؤتمر وارسو" للسلام والأمن في الشرق الأوسط" في 13-14 من الشهر الجاري والذي حضره 60 دولة بينها دول عربيّة، ومن أبرز أهدافه تأسيس تحالف إقليمي عسكري بإسم "تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي" ويطلق عليه رمزيّاً "ألناتو العربي" حيث يتألف إضافة إلى الولايات المتحدة من دول الخليج والأردن ومصر. إن هكذا حلف غير قابل للوصول إلى مدياته الفعّالة لسببين اثنين: ألأول هو أنّ الثمن الذي تريده الولايات المتحدة الأميركيّة من العرب هو تمرير مشروعها المسمّى "صفقة القرن" الذي يعني عمليّاً تصفية القضيّّة الفلسطينيّة وتبادل الإعتراف والتطبيع مع الكيان الصهيوني وهذا دونه بغض المعوقات خاصّةً وأنّ هناك قراراً واضحاً من القيادة الفلسطينيّة برفض هذا المشروع رغم ضعف الوضع الفلسطيني، والضغوط الأميركية الهائلة على الفلسطينييّن أبرزها وقف المساهمة الأميركيّة في تمويل الأونروا والسلطة الفلسطينيّة، ومواجهة سعي القيادة الفلسطينيّة للإنضمام إلى المؤسّسات الأمميّة، ومقاضاة قادة العدوّ على الإنتهاكات التي تمارس في ظلّ الإحتلال. إذا ما انخرطت الأنظمة العربيّة في خطّة "صفقة القرن" لن يؤدّي ذلك إلى تصفية القضيّة الفلسطينيّة فقط وإنّما إلى زعزعة عروشهم وتساقطها الدراماتيكي الواحد بعد الأخر، وامتداد نيران الصراعات المتفجّرة من بؤرها الحاليّة في الصومال وليبيا والعراق وسوريا واليمن إلى كلّ الأقطار العربيّة. والسبب الثاني الإختلاف بين الدول العربيّة في نمط علاقاتها فيما بينها ومع إيران، وفي أولوياّتها، إذ أنّ مصر تحدّد أولويّتها في مكافحة ألإرهاب وتقدّم ذلك على مواجهة إطماع ومخاطر القوى الإقليميّة ( العدو الصهيوني وتركيا وإيران ) ،وتعتبر البحرين والمملكة العربيّة السعوديّة أنّ مواجهة إيران هي التي تشكّل الأولويّة خاصّةً ما له علاقة بدعم إيران لقوى داخل البحرين، وللحوثيّين في اليمن الذين لم يكتفوا بتقويض الحلّ السياسي اليمني الداخلي في أيلول 2014 بل يستخدمون الصواريخ الباليستيّة ضدّ المدن السعوديّة، وينشرون الألغام البحريّة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ممّا يهدّد الملاحة خاصّةً ناقلات النفط، إضافةً إلى وجود قواعد عسكريّة إيرانيّة جنباً إلى جنب مع قواعد للكيان الصهيوني في الجزر والبرّ الأرتيري. والعلاقات بين كلّ من قطر وعُمان وإلى حدّ ما الإمارات العربيّة المتحدة مع إيران هي جيدة. ولا تزال الأزمة بين قطر من جهة والمملكة العربيّة السعوديّة والبحرين قائمة ولم تظهر حتّى الأن بوادر حلّ والعودة بالعلاقات إلى ما كانت عليه سابقاً.

في المقابل تعمل إيران على الإلتفاف على العقوبات والتحضير للمرحلة المقبلة بعد أيار القادم من خلال إبرام عقود إقتصاديّة مع دول العالم مثل تلك التي أنجزت أنجزت مع العراق وسوريّا، مستفيدةً من عوامل عدّة أبرزها :

- ألحدود البريّة الطويلة مع سبع دول ( باكستان، أفغانستان، أذربيجان، تركمانستان، أرمينيا، تركيا والعراق ) والتي تبلغ 5440 كم ممّا يعطيها هامشاً واسعاً للإستيراد والتصدير بما في ذلك مشتقات الطاقة بعيداً عن المراقبة والسيطرة. وتقع إيران ضمن 65 دولة واقعة في مجال "طريق الحرير" الذي طرحه الرئيس الصيني بينغ عام 2013 يربط الصين بإفريقيا وأوروبا عبر طريق يمر بآسيا الوسطى والهند وشرق آسيا وصولاً إلى دول الخليج العربي وبالتالي نحو إفريقيا، وتدشين فرعاً يمرّ من إيران إلى العراق فسوريا ولبنان وفلسطين المحتلّة، وفرعاً آخر إلى تركيا فقبرص واليونان والدول الأوروبيّة الأخرى. تسعى إيران أن تصبح قلب طريق الحرير، حيث وقّعت مع الصين 17 إتفاقيّة تسمح لها أن تصبح مركز ترانزيت للبضائع الصينيّة.

- تشابك العلاقات الإيرانية مع الخارج خاصّةً ما له علاقة بالطاقة، إذ تحتلّ إيران المركز الرابع عالميّاً من احتياطات النفط الخام والمركز الثاني من احتياطات الغاز الطبيعي.وتصدّر طاقة كهربائيّة إلى عدّة دول. تستحوذ الصين على نصف الصادرات النفطيّة الإيرانيّة تقريباً، وتملك شركة النفط الوطنيّة الصينيّة 30% من مشروع تطوير حقل جنوب "بارس" وتعمل على الإستحواذ على حصّة شركة توتال الفرنسيّة بعد خروجها من المشروع. وقد وصلت قيمة التبادل التجاري بين إيران والصين حوالي 40 مليار دولاراً عام 2017. وتعتبر إيران ثاني أكبر مصدّر للنفط إلى كوريا الجنوبيّة. وخصّصت الهند مبلغ 20 مليار دولاراً أميركيّاً للإستثمار في قطاع الطاقة الإيراني ومن المتوقّع أن يصل استيرادها 450-500 ألف برميل نفط يوميّاً بأسعار مُخَفّضة، ويتم الدفع عبر حسابات باليورو في بنك تركي لتجنّب العقوبات الماليّة الأميركيّة. كما أنّ إيران هي ثاني مصدّر للغاز الطبيعي إلى تركيا بعد روسيا وقد وصلت قيمة التبادل التجاري بين البلدين 10.7 مليار دولاراً أميركيّاً هذا إضافةً إلى التماهي بين ايران وتركيا حول المسألة الكرديّة في البلدين والإقليم ومشاركتهما في المؤتمرات التي تعقد برعاية روسيا حول سوريا. ورغم أنّ الإمارات العربيّة المتحدة هي جزء من التحالف العربي المشارك في مواجهة الحوثيّين فإنّ قيمة التبادل التجاري بينها وبين إيران الداعمة للحوثيّين بلغت حوالي 12 مليار دولاراً أميركيّاً.

- تهدّد إيران الولايات المتحدّة الأميركيّة وحلفائها باستخدام أذرعها العسكريّة خارج حدودها مثل الحوثيّين في اليمن، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وميليشيات متعدّدة المشارب في سوريا بما في تلك المستقدمة من أفغانستان والباكستان، وحزب الله في لبنان. كلّ هذه الأذرع ترتبط بالحرس الثوري الإيراني وهذا ما أكّد عليه قائده العامّ محمد علي جعفري الذي صرّح بأنه :"يوجد 200 ألفاً يرتبطون بالحرس الثوري في سوريا والعراق واليمن والباكستان وأفغانستان". كما تهدّد إيران إذا مُنعت من تصدير نفطها بإغلاق مضبق هرمز الذي يمرّ خلاله 20% من إنتاج النفط العالمي ما يوازي 18 مليون برميل يومبّاً.

- يراهن النظام الإيراني على عدم التجديد للرئس ترامب في إنتخابات 2020، وارتفاع سعر برميل النفط إلى 70 دولاراً للبرميل في حين أنّ الميزانيّة وضعت على أساس 55 دولاراً. وفي حال ارتفاع وتيرة العقوبات تستخدم أيران إحتياطاتها النقديّة المقَدّرة ب 130 مليار دولاراً مقابل 10 مليار دولار ديون. تساعد تلك الإحتياطات لفترة زمنيّة محدودة نظراً إلى حجم إيران الجغرافي والسكاني، والتزاماتها الخارجيّة الموَظّفة في خدمة مشروعها التوسعي وأحلامها الإمبراطوريّة والتي أعاد التأكيد عليها الرئيس الإيراني روحاني في خطابه في الحادي عشر من الشهر الجاري حيث ورد فيه:"ألكثير من دول الجوار كانت أراضي إيرانيّة تمّ اقتطاعها من الوطن الأمّ بما في ذلك جميع دول الخليج وأجزاء من العراق وتركيا وكردستان وأفغانستان وأذربيجان والقوقاز وجيورجيا ودول آسيا الوسطى". هل سمع العرب الذين يصنّفون أنفسَهم "حلفاءَ إيران" الخطاب وإذا سمعوه هل سيستطيعون فهم المقاصد منه؟.

- تعمل إيران على الحفاظ على علاقات تعاون إيجابيّة مع روسيا والصين ليس فقط لأهداف عسكريّة وأمنيّة واقتصاديّة وإنّما كذلك لحاجتها إلى الدولتين دائمتي العضويّة في مجلس الأمن وقدرتهما على استخدام حق ّ النقض "الفيتو" الذي يمكن أن تستخدمانه بشكل فرديّ أو ثنائيّ ضدّ أيّ قرار تقدّمه أميركا لإعطائه صفةً دوليّة.

مواجهة إعلاميّة واقتصاديّة-إجتماعيّة مباشرة وعسكريّة بالواسطة وتعاون ضمني في ظلّ ترقّب العالم لما سوف تؤول إليه العلاقات الأميركيّة الإيرانيّة بين احتمالات التصعيد وصولا" إلى المواجهة، أو احتمالات التفاوض وصولاً إلى اتفاقاتٍ جديدة ثنائيّة أو دوليّة لا بدّ من الإشارة إلى المعطيات التالية :

- خرجت الدولتان نهائيّاً من طريق الحرب المباشرة بينهما أو بين كلّ منهما مع دول أخرى في المدى القصير والمتوسّط على الأقل وذلك بعد هزيمة إيران امام العراق عام 1988، والخسائر الكبيرة التي منيت بها الولايات المتحدة الأميركيّة على يد المقاومة الوطنيّة العراقية ( أكثر من 5000 قتيلاً و30 ألف جريح وتريليوني دولاراً حسب الإحصائيّات الأميركيّة ) والتي أجبرتها على الإنسحاب من العراق نهاية العام 2011، والأبقاء على بعض القواعد العسكريّة وإبرام إتفاقيّة عسكريّة-أمنيّة مع النظام الذي ركبته مع إيران بعد الإحتلال. ونتيجةً للضغوط الإيرانيّة بدأت الميليشيات والقوى التابعة لإيران المطالبة بآليّة لخروج القواّت الأميركيّة ردّاً على إعلان أميركا أنّ إحدى مهامّ قوّاتها في العراق مراقبة إيران. ويلاحظ الإشارة إلى المراقبة وليس المواجهة.

- حيث أنّ النظامين الأميركي والإيراني يشتركان في صفة البراغماتيّة في إدارة النزاعات واعتمادهما على المراوغة والتضليل، واعتماد تكتيك شراء الوقت والرهان على متغيّرات داخليّة لدى كلّ منهما فإنّهما سوف يبرمجان العلاقات إلى درجة غير صفريّة، أي أن لا يخسر الواحد الآخر، وتفادي الوصول إلى المواجهة العسكريّة المباشرة، وحاجتهما لبعضهما البعض قائمة كون أنّ إيران بحاجة إلى أميركا لتبرير استرتيجيّتها التوسعيّة في الوطن العربي، وضبط الإيقاع الداخلي المهتزّ، وتبرير وجود ميليشيات تابعة لها في الوطن العربي بحجّة مواجهة أميركا والكيان الصهيوني، وأميركا بحاجة إلى إيران لابتزاز العرب والسيطرة على مواردهم، والضغط عليهم لتقديم تنازلات ذات علاقة بالقضيّة الفلسطينيّة وأبرزها تمرير مؤامرة "صفقة القرن".

ألخلاصة : تستمرّ الولايات المتحدة الأميركيّة في استرتيجيّة تفعيل العقوبات وصولاً إلى مفاوضات جديدة يتمّ فيها الوصول إلى تفاهمات جديدة ممّا يدفع إيران إلى تموضع جديد بهدف الحفاظ على النظام وامتصاص مفاعيل الأزمات الداخليّة المتصاعدة. ومهما يكن من أمر فإنّ العرب سيبقون أكبر الخاسرين إذا لم يتمكّنوا من إحداث تغيير جوهري في بنية أنظمتهم خاصّةً مأسَسَة وتداول السلطة ليس فقط في قمّة الهرم وإنّما كذلك في كلّ درجاتها، وتحديث الإدارة القادرة على استثمار القدرات البشريّة والماديّة للخروج من درجة الهشاشة وضعف المناعة والتخلّف، وفي علاقاتهم البينيّة التي يجب أن ترتقي إلى درجة التكامل بين الأمكانيّات على أسس منهجيّة وبنّاءة وذلك لمواجهة التحديّات الداخليّة والمخاطر والإستهدافات الخارجيّة متعدّدة الأطراف.



الجمعة ١٧ جمادي الثانية ١٤٤٠ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٢ / شبــاط / ٢٠١٩ م


أكثر المواضيع مشاهدة
للإطلاع على مواضيع الكاتب د. علي بيان نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة