ترامبونيا : هل القرار الامريكي بيد الرئيس ؟

شبكة ذي قار
صلاح المختار


نلاحظ وجود فهم شكلي لمسألة من يصنع القرار الامريكي ، فهناك من يروج لفكرة ان القرار في السياسة الخارجية الامريكية بيد الرئيس،وانه قادر على اتخاذ كافة القرارت التي يقتنع بها ،فهل هذا صحيح ؟ كيف نفهم امريكا ومن يتخذ القرار النهائي ؟

1- نعم هناك دستور يقسم السلطات بين ثلاثة اجهزة وهي السلطة التنفيذية ويمارسها الرئيس والسلطة التشريعية ويمارسها الكونغرس والسلطة القضائية التي تحكم في خلافات السلطتين السابقتين اضافة لصلاحيات اخرى ،وهدف توزيع السلطات ،وكما اكد الدستور الامريكي هو منع الاستبداد الفردي وضمان التوزان بين السلطات بجعل اتخاذ القرارات لا تنفرد بها جهة واحدة .

2- ولكن هذه السلطات ليست هي وحدها من يصنع القرارات وهذا مالا يذكره الدستور الامريكي لكنه عرف واضح وهو وجود جهة تضع الخطوط العامة لصناع القرارات كي تعمل الاجهزة الدستورية وغيرها ضمنها ،وتعتمد الجهة على تكليف مراكز البحوث والخبراء (Think tank ) باعداد الخطط الكفيلة بتنفذ تلك الخطوط العامة بعد اقرارها،وهذه الجهة المتحكمة فعليا في امريكا ، تتشكل اساسا من الاغنى والذين يمولون الحملات الانتخابية للرؤوساء واعضاء الكونغرس وحكام الولايات ...الخ بعد اختيارهم وتوقيع اتفاقية الجنتلمان* معهم مسبقا . هذه هي السلطة الاعلى من الجميع التي تضبط حركة ومواقف الهيئات الدستورية والسلطات الثلاثة المذكورة هي بعض ادواتها لخلق التوزان ،ولكنها تستخدم ايضا ادوات اخرى لضمان اقناع الجميع بما تريده مثل اجهزة الامن ، والاعلام ومعاهد البحوث .

وهذه الاجهزة تبدو مستقلة او شبه مستقلة رغم ان بعضها اجهزة حكومية مثل المخابرات لانها تخضع لنظمها الداخلية ولقوانين تأسيسها وليس للرئيس وحده ،وهذ ما نلاحظه الان مثلا حيث ان مكتب التحقيقات الفدرالية يحقق في التهم الموجهة للرئيس ترامب دون ان يستطيع الرئيس فرض توجه عليها وعندما حاول التدخل باقالة مدير مكتب التحقيقات جيمس كومي عين محقق خاص هو روبرت مولر للتحقيق في التهم الموجهة له واخطرها العمالة للروس! تخيلوا مثلا لدينا الامن العامة تحقق مع رئيس الدولة وتتهمه بالعمالة لدولة اخرى ، هل هذا ممكن ؟! السلطة التنفيذية يمارسها الرئيس لكن الكونغرس يملك صلاحيات تقيد الرئيس وتمنعه احيانا من تنفيذ افكاره ،وهو ما حصل لترامب حيث تخلى عن الكثير من افكاره وقناعاته التي جاهر بها قبل وبعد انتخابه ،لدرجة ان ترامب وصف بانه متقلب جدا واكثر رؤوساء امريكا تراجعا عن مواقفه ، واخرها ما حصل في قرارات الانسحاب من سوريا والذي حدد له شهرا ثم تراجع وتولت وزارة الدفاع ظاهريا وضع جدول زمني له بطريقة تبقيه فعلا .

وكانت اهم وسائل الضغط عليه استقالة وزراءه او مستشاريه لعدم تقيده بما اعلنه وهذه الاستقالات تحمل ضمنا تهديدا للرئيس بالاقالة لان تراكم الاستقالات مع وجود اراء سلبية جدا بالرئيس يمهد لعزله دستوريا وهو ما عرفه ترامب كما ان الاعلام يمارس دورا فعالا في الضغط عليه لاجباره على التراجع عن مواقف معينة ، ولذلك كان سريع التراجع حرصا على بقاءه رئيسا .

3- عندما يريد الرئيس اجبار الكونغرس يستطيع اذا كانت لامريكا مصالح مادية او ستراتيجية في ذلك مثلا عندما عقد رونالد ريجن في الثمانينيات صفقة الايواكس مع السعودية اعترض الكونغرس بغالبيته الساحقة ووقف اللوبي الصهيوني ضدها ، وهكذا وجد ريجن انه في مواجهة الكونغرس واللوبي الصهيوني والاعلام الفعال جدا ولكنه ادرك ان الجهة المتحكمة في القرار النهائي تريد للصفقة ان تمر لانها تفيد امريكا وهي تحتاج لذلك المال بشدة فقرر تحدي الكونغرس واعطاه مهلة يومين للتراجع والا سيستخدم صلاحيته لامرار الصفقة،وقبل انتهاء المدة وافق الكونغرس والاعلام واللوبي الصهيوني وكل اللوبيات الاخرى! والسبب هو ان لامريكا مصلحة في المال وقتها .

4- وعلى العكس من مثال ريجن فاننا الان نشهد كيفية سيطرة الكونغرس على الرئيس ومنعه من مواصلة سياسات معينة مع روسيا فبالرغم من صلة ترامب القوية بروسيا وببوتين ورغبته الواضحة جدا في تعزيز العلاقات الا ان الكونغرس يعارض ذلك بشدة وهو ما دفع ترامب لعدم تجديد اتفاقية الحد من انتشار الصواريخ النووية المتوسطة المدى رغما عنه وعن رغباته المعلنة ، وسبب عجز الرئيس عن فعل ما فعله ريجن هو ان العلاقات مع روسيا في وضعها الحالي لاتخدم امريكا فتفوق روسيا ستراتيجيا على امريكا في التسلح وفي كسب المواقع مثلا في سوريا اذا استمر سوف يقلص الدور الامريكي بصورة خطيرة وهذا تهديد مباشر لما يسمى المصالح الستراتيجية الامريكية ،ولهذا كان يجب منع ذلك او عرقلته ومن اتخذ القرار ليس الكونغرس بل نفس الجهة التي دعمت ريجن ضد الكونغرس ومكنته من امرار صفقة الايواكس وهي الجهة المالكة للمال والممولة للاعلام وللحملات الانتخابية والتي تضمن فوز الرئيس واعضاء الكونغرس وحكام الولايات ... الخ .

5- هنا نصل الى جوهر الموضوع وهو هل يستطيع ترامب تغيير السياسة الامريكية تجاة الامة العربية عموما والعراق خصوصا ؟ الجواب الواضح كل الوضوح هو التالي : اذا كانت الجهة التي اقرت ستراتيجة تمكين اسرائيل الغربية من التفوق التام على العرب لاجبارهم على الاعتراف بها واقرت استخدام اسرائيل الشرقية كوكيل تنفيذي لتلك الستراتيجية في الاقليم كله تريد تغيير السياسة الحالية فيمكن لترامب القيام بذلك،ولكن ماذا اذا كانت نفس الجهة التي تبنت خطة تقسيم الاقطار العربية وتسييد االاسرائيليتين وتركيا عليها مازالت تريد مواصلة تنفيذ تلك الخطة ؟ هل يستطيع ترامب تغيرها ؟

الجواب هو انه حتى هذه اللحظة لم يصدر قرار امريكي رسمي بتغيير سياستها تجاه العراق مثلما لم يصدر عنها الا ما يؤكد تعاظم دعمها لاسرائيل الغربية وخطوة نقل السفارة الامريكية للقدس الان والاعداد للموافقة الامريكية على ضم الجولان لاسرائيل الغربية واجبار حكام عرب على التطبيع مع الكيان الصهيوني علنا بعض الشواهد التي تؤكد ذلك . وتنفذ ادارة ترامب خطوات خطيرة تمكن الصهاينة من اكمال اهدافهم ليس في غزو كل فلسطين فقط وانما وهذا هو الاهم السيطرة على ما بين الفرات والنيل .( ارضك يا اسرائيل بين الفرات والنيل ).اما اسرائيل الشرقية فان الموقف الامريكي منها واضح وهو ما اجبر ترامب على لحس مواقفه النارية واعلاناته المتكررة بان نظام الملالي سوف يزول قريبا وتأكيده يوم الاحد 3-2-2019 بان وجوده في العراق مستمر ولن تنسحب امريكا منه وستجعل قواعدها فيه لتراقب اسرائيل الشرقية واكد انه لن يضربها مستبعدا كل ما روج للتضليل والخداع منذ سنوات .

6- سياسة ( الاحتواء المزدوج ) مازالت معتمدة بدليل ان الموقف من اسرائيل الشرقية لم يتغير : لا اسقاط للنظام الايراني بل احتواءه بتغيير سلوكه عن طريق الضغط عليه بوسائل اقتصادية وسياسية وبالترهيب العسكري دون شن الحرب وهذا تأكيد لثبات الموقف الامريكي تجاه اسرائيل الشرقية .

ما يجري الان هدفه المعلن رسميا من قبل امريكا هو احكام سيطرتها على العراق وعلى دول المنطقة التي تريدها وهو ما يؤكده ترامب وغيره وما اعادة نشر القوات الا خطوة على هذا الطريق.والسبب المعلن هو ضرورة تحويله الى مركز متقدم لخوض الصراع الستراتيجي الاخطر مع روسيا والصين خلال السنوات القادمة فنحن العرب مازلنا وسط نفس الطريق الذي اختاره الاستعمار البريطاني لنهب توابل الهند والان نحن وسط طريق الحرير الصيني الجديد ووسط خطوط نقل الطاقة الروسية وغيرها. والدقة تقتضي تأكيد انه يريد تقليم اظافر اسرائيل الشرقية في العراق والمنطقة لتسريع الهيمنة الامريكية بلا منازع ، وهذا الهدف مرحب به من العراقيين لانه يخفف من كوارثهم الخطيرة رغم انه لايحقق اهداف الشعب الرئيسة .

اذا : هل يستطيع الرئيس الامريكي فرض مايريد وفقا لصلاحياته الدستورية ؟ نظريا نعم ولكن عمليا كلا فمخابرات امريكا هي التي اغتالت كندي عندما اراد التغيير خلافا للخطط المعدة له مسبقا كي ينفذها ، وهي التي احرقت نيكسون واجبرته على الاستقالة عندما انهى حرب فيتنام رغم انها كانت تريداستمرارها ،وهي التي ضبطت كلنتون بفضيجة مونيكا لوينسكي عندما اراد الخروج على النص، وهي الان تضع ترامب بين مطرقة المحقق الخاص مولر وسندان الاعلام والكونغرس لمنع ميوله من الاستمرار.

واخيرا وليس اخرا الضرورة تقتضي التذكير بان من اهم اهداف امريكا اقامة نظام اقليمي يضم الاسرائيليتين وتركيا وتوابع عربية بقيادة امريكا وهذا يفرض تغييرات داخل اسرائيل الشرقية بدون حرب عسكرية وتقييد توسعها الاقليمي او انهاءه وحسب الاقطار ،ولهذا تراجع ترامب عن تهديداته النارية ووعيده باسقاط النظام الايراني بالقوة وقام باكبر مناورات عسكرية منذ غزو العراق من اجل الايهام بانه مقدم على شن حرب على اسرائيل الشرقية!واعاد فرض نظام العقوبات والذي وصفه بانه الاقسى في التاريخ مع انه مخرم ويسمح لاسرائيل الشرقية بالتجارة مع عدة دول واستثنى اربعة دول تكفي لتحييد الاثار التدميرية للعقوبات بعكس العقوبات التي فرضت على العراق وكانت بلا حتى خرم واحد !

ترامب مدير تنفيذي وليس قائد تغيير وهذا هو مفتاح فهم امريكا ومواقفها بصورة صحيحة وهو ما يجنب كل مخلص من الوقوع في فخ التضليل المتعمد بالقول بان ترامب سوف يغير .

Almukhtar44@gmail.com
١٤ / شبــاط / ٢٠١٩

* اتفاقية الجنتلمان هي اتفاقية شفهية تتم بين من يرشح للرئاسة او الكونعرس او حاكما لولاية او غيرها وبموجبها يتقيد المرشح بتنفيذ ما يطلبه من رشحه وهو اصحاب المال بعد توليه المسؤولية .



الجمعة ١٠ جمادي الثانية ١٤٤٠ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١٥ / شبــاط / ٢٠١٩ م


اكثر المواضع مشاهدة

البيان الختامي - لمؤتمر ( متحدون لانقــــــاذ العــــــــراق ) واشنطن ١٣ / ٣ / ٢٠١٩
الرفيق مدير عام مكتب أمانة سر القطر - برقية تعزية الى عائلة الرفيق المناضل سمير عبد العزيز النجم
المحامي سليمان الجبوري - ملاحظات حول التداعيات والآثار الخطيرة لمشروع قانون الجنسية العراقي
أحمد مناضل التميمي - مؤتمر واشنطن مسمار بعثي في نعش حكومة الاحتلال
شبكة العز الاعلامية - بيان بمناسبة ذكرى يوم الشهيد
أنيس الهمامي - مشروع قانون الجنسية الجديد : آخر أسلحة تمزيق العراق
صلاح المختار - استشهاد الرفيق الاسير الدكتور سبعاوي ابراهيم الحسن في الاسر
قناة الفارس العربي الفضائية - عاجل .. تردد قناة الفارس العربي الفضائية على مدار النايل سات
- تشييع الدكتور اياد ابراهيم محمد الجبوري اختصاصي جراحة الجملة العصبية صباح يوم الثلاثاء الموافق ٨ اذار ٢٠١١
عاجل / - كلمة المهيب الركن عزة إبراهيم القائد العام للقوات المسلحة الامين العام للحزب القائد الأعلى للجهاد والتحرير امين سر القطر حفظه الله ورعاه في العيد الثامن والتسعين لتاسيس الجيش العراقي الباسل
منظمة الرصد والمعلومات الوطنيه - ليطلع الشعب العراقي على فضائح اتباع المالكي المخزيه فضيحه بعد فضيحه ... نجل اسكندر وتوت ( مثالا )
سلام الشماع - من يوميات ثورة العراق - سجلوا في دفاتركم رجاءً
صلاح المختار - نداء عاجل : الاسير عبد الغني عبد الغفور يواجه خطر الموت
الناطق الرسمي للقيادة العليا والجهاد والتحرير - تهنئة للقائد المؤمن المعتز بالله عزة ابراهيم بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك
تنظيم القطر الليبي لحزب البعث العربي الاشتراكي - بيــان حـــول قــانــون حظـر البعــث
أحدث المواضيع المنشورة