شبكة ذي قار
عـاجـل










الميكافيلية النووية والتقية الفارسية

مكر التاريخ الفارسي قديما وحديثا :
استفادت الدولة الفارسية في إيران من الدروس والتجارب الصهيونية في فلسطين، سواء بتجارب الاستيطان والقضم التدريجي للأراضي العربية وتوسيع مسارات وخطط التدخل في الشؤون العربية فهي تكاد أن تكون متماثلة في الحالتين وكذلك في إدارة التخفي والتستر على واقع المشروع النووي الإيراني.

المدرستان الصهيو- فارسية تنهلان من مصدر واحد وتستفيدان من مكر التاريخ، فالنفوذ والاحتلال الفارسي للأراضي العربية سبق الظهور والإعلان الرسمي للكيان الاستيطاني الصهيوني على ارض فلسطين بربع قرن، حيث سلمت سلطات الاحتلال البريطاني الاحواز العربية لإيران، وتم ضمها إلى مقاطعات الدولة الفارسية؛ مما فتح شهية الأنظمة والحكومات الإيرانية المتعاقبة إلى التطلع نحو ضم المزيد من الأراضي العربية الأخرى، وخاصة تلك الواقعة على طرق الإمداد والنقل البحري في الخليج العربي، فتكرس ذلك الأمر مع صعود قوة النظام الشاهنشاهي في سبعينيات القرن الماضي ودفعه إلى احتلال النظام الشاهنشاهي للجزر العربية الثلاث طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى وبدأت محاولات جس النبض لإحكام السيطرة الفارسية على مضيق هرمز والتوجه نحو مضيق باب المندب والبحر الأحمر وبعدها تكملة التدخل الإيراني المباشر، وعلى نطاق واسع في لبنان والعراق وسوريا واليمن وغيرها من البلدان العربية وحتى الى دول الإقليم الجغرافي العربي في شمال إفريقيا والسودان وباقي العمق الإفريقي .

وقد توغل التدخل الفارسي بعيدا في القارة الإفريقية، وفي جبهات وبلدان عربية وافريقية أخرى. كان وضع الصومال المقسم والغارق في أتون الحرب الأهلية وسيادة الفوضى قد سهل وصول الإسرائيليين وبعدهم الإيرانيين إلى بلدان اريتريا ودول الساحل والقرن الإفريقي وجنوب وغرب السودان، وخاصة بعد إتمام السيطرة الحوثية على اليمن والتحكم بمضيق باب المندب وقبلها مضيق هرمز، كلها أقطار ومحطات تقع ضمن صفقات الصراع على مصادر الطاقة والوصول إلى الموارد النووية كخامات اليورانيوم وحتى المغامرة في صفقات مشبوهة أخرى كالمتاجرة بنقل ودفن للنفايات النووية وتسهيل وصولها إلى مواقع وأراضي بعيدة تستغل غفلة عن عيون الرصد الدولي في عمليات وصفقات لدفن النفايات النووية الإسرائيلية والإيرانية وغيرها ودفنها سرا في بلدان عربية عديدة يسودها الاضطراب وعدم الاستقرار والمتاجرة بها عن طريق وسطاء وسماسرة غالبيتهم من الإيرانيين ووكلاء لهم من لبنان.

والحوادث والشواهد على ذلك كثيرة، ومنها ورطة حزب الكتائب اللبناني في تسهيل مرور الحاويات المشبوهة نحو البر اللبناني والسوري عبر ميناء جونيه اللبناني خلال سنوات الحرب الأهلية في لبنان، ومغامرات رفعت الأسد في ميناء طرطوس حيث جرى دفن النفايات الكيماوية والنووية الضارة في أراضي سوريا وشمال لبنان وحتى تسهيل وصولها إلى موريتانيا البعيدة التي أضحت محطة لعبور ودفن النفايات النووية القادمة من مفاعلات إسرائيل النووية وخاصة مفاعل ديمونه في صحراء النقب جنوب فلسطين المحتلة.

مرت مراحل تحقيق المشروع النووي الإيراني عبر محطات عديدة، وبمراحل متعددة منذ قرابة ستة عقود؛ بدءا من مرحلة التخفي والإعداد السري والبناء الفعلي بالتعاون مع الولايات المتحدة منذ بداية الخمسينيات، وصولا إلى فرض حالة الأمر الواقع اليوم من خلال إصرار الحكومة الإيرانية باعتماد سياسة الابتزاز والتلويح بامتلاك السلاح النووي، رغم أن إيران قد قطعت شوطا بعيدا في استكمال مشروعها النووي العسكري، حتى من دون الإعلان الرسمي عن امتلاكها للقنبلة النووية، أو الإعلان عن حقيقة تجاربها ونجاحاتها ومدى مستويات تطور المشروع النووي الفارسي، وحقيقة قدراته الحقيقية والتسليحية واللوجستية في المجال النووي العسكري.

وفي المجال النووي تعلمت إيران أيضا كيفية بناء مشروعها النووي تدريجيا وفي الخفاء. واعتمدت طرق شتى في تنفيذه معتمدة سياسة التخفي الكامل والتكتم على تفاصيله ومواقعه وقدراته، حتى تسنى لها إجراء بعض التجارب والتفجيرات النووية على أراضي الغير للخروج عن حصار " الدول المنبوذة" التي تسعى للحصول على التقنيات والخبرات النووية خارج إرادة المجتمع الدولي، رغم المنع الدولي المتكرر لها، فقد سعت إيران، بداية إلى بناء المفاعلات النووية منذ عهد الشاه، مستفيدة من مشروع إيزنهاور المعروف " الذرة في خدمة السلام"، حيث قدمت الحكومة الأمريكية في بداية سنوات الخمسينيات من القرن الماضي فرصا عديدة لدول من حليفاتها، للتدريب والمساعدة وتقديم الخبرات النووية؛ حيث وافقت الولايات المتحدة على منح عدد من الدول القريبة منها وتقع ضمن دائرة حلفائها من الأعضاء في حلف المعاهدة المركزية "السنتو" وما يسمى دول " حلف بغداد".

وكذلك دعمت إمكانية بناء المفاعلات والمراكز النووية التدريبية والتجريبية في عدد من البلدان وأولها الكيان الصهيوني منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي، فاستفادت حينها حكومة الشاه محمد رضا بهلوي من تلك الفرصة للشروع في الانطلاق بمشروع نووي إيراني كان طموحا منذ بداياته لكنه تعطل مؤقتا خلال فترات الاضطرابات الإيرانية التي تعرض لها النظام الملكي الإيراني في منتصف الخمسينيات خلال فترة حكم مصدق وبعدها في السبعينيات خلال أحداث وصول خميني إلى السلطة بطهران وبعدها سقوط حكومة الشاه وهربه إلى خارج البلاد.
ظل هدف بناء المفاعلات النووية الإيرانية هدفا ثابتا بقصد الحصول على البلوتونيوم المستخلص من نفايات المفاعلات النووية كناتج عرضي يمكن فصله في المراحل الأولى من تفكيرها الاستراتيجي البعيد ، ثم عملت إيران في عهد خامنئي وسلطة نظام الملالي بطهران على اختراق دول عدة من الشرق والغرب بصيغ التعاون الثنائي العلني والسري والتجسس عبر الوكلاء والأعوان، وقد وصلت الى تعاون مع الأرجنتين والبرازيل التي سبق لهما تزويد بلدان أخرى بحلقات معينة من التقنيات النووية، واستفادت إيران من توظيف شبكات حزب الله اللبناني في تجنيد أبناء الجاليات اللبنانية في دول أمريكا اللاتينية وإفريقيا في إتمام الصفقات السرية وعمليات التهريب، وبتجنيد أعضاء من حركة أمل وحزب الله التابعين كليا لسلطات وتوجيه الحرس الثوري الإيراني ودوائر مخابرات النظام الإيراني " اطلاعات" فسعت الى التوغل بسرية تامة في عمق دول إفريقيا والمهاجر البعيدة، خاصة في دول أمريكا اللاتينية كالبرازيل والأرجنتين، ومتعاونة من جهة أخرى أيضا مع فرنسا وشبكات من اللوبي الصهيوني الأمريكي نفسه.

وفي ذات الوقت استفادت إيران من تعاون دول الشرق كروسيا والصين وكوريا الشمالية، مستفيدة من استغلال الضجيج الإسرائيلي الفارغ حول محاولات مزعومة لإسرائيل لمنع إيران من امتلاك الأسلحة النووية والتهديد الإسرائيلي المتكرر بقصف المنشئات الإيرانية، وكلها كانت فرص لإيران لكسب الوقت لقاء تقديم خدماتها اللوجستية لمن يتعاون معها سرا أو علانية، خاصة في دعم وتسهيل غزو واحتلال العراق وحماية ظهر انسحاب القوات الأمريكية من العراق خلال فترة الرئيس الأمريكي باراك اوباما، واستفادت إيران من وجود محمد ألبرادعي على رأس منظمة الطاقة الذرية الدولية ودوره في محاولات التستر والتخفي على حقيقة مستويات المشروع النووي الإيراني وما حققه من تقدم في المجالين المدني والعسكري .

التهديد بمنع امتلاك إيران للسلاح النووي جرى استغلاله بشكل براغماتي بارع من قبل حكومات الولايات المتحدة في توظيف الترهيب الإيراني لدول الخليج وتقديم أمريكا نفسها حامية لأمن دول الخليج من الإخطار التسلحية الإيرانية، لكي يتم دفع دول الخليج العربي أن تكون عمليا عبارة عن محميات أمريكية وبريطانية خليجية ومكانا مفتوحا لقواعدها البحرية والجوية داخل الخليج العربي والجزيرة العربية ولكي تسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى الاحتماء الدائم تحت المظلة الأمريكية، وهكذا توفرت للأمريكيين قواعد عسكرية وتسهيلات مفتوحة وموانئ بحرية وتواجد عسكري فعلي في الخليج العربي وكذلك تم تمكين الولايات الأمريكية من استنزاف الموارد المالية الخليجية وفائض عائدات النفط لدفعها في استيراد الأسلحة لتلك الدول بحجة وجود وتصاعد الخطر الإيراني المحتمل.

وهكذا تمت طريقة الاختفاء الإيراني بطريقة ممارسة التقية النووية الفارسية لكي تغطي وضعها النووي الحقيقي، بعيدا عن ذلك الظهور النووي العلني لها كدولة نووية ثامنة أو تاسعة في النادي الدولي النووي؛ ولكنها في الواقع إن إيران باتت مدركة ومقتنعة في أخذها الموقع التاسع نوويا بعد إسرائيل في حين تراجعت الإبصار والرصد عن متابعة إسرائيل المستمرة في تطوير برامجها النووية وقدراتها التسليحية الأخرى فتوجه الانشغال الدولي والإقليمي نحو مراقبة ومتابعة إيران.

محطات وإشارات أخرى لا بد من الإشارة إليها :
استغلت إيران كثيرا من مؤسساتها المخابراتية وواجهاتها الطائفية في المنطقة العربية، وقد نجحت بتحويل لبنان كرأس رمح ومحطة انطلاق وتنسيق وتمرير العديد من الصفقات، حيث تم تجنيد حركة أمل وبعدها حزب الله في عملية التسلل إلى محيط وعمق الكثير من البلدان العربية والإفريقية ضمن واجهات وشركات وبنوك وتجارة بينية فوصلت لمرات عديدة الى بطانة النظام الليبي السابق، حيث وصل المتطوعون اللبنانيون وغيرهم وشاركوا في مختلف مغامرات النظام الليبي لكسب ثقته والاستفادة منه ماديا، وخاصة خلال تورطه في التدخل والحرب في تشاد التي وصلت الى حالة غزو ليبي للأراضي التشادية تطورت بعدها إلى حرب إقليمية متداخلة الأطراف الدولية في تخوم الصحراء الإفريقية، حيث تدخلت بها دول كبرى كفرنسا عسكريا لكبح طموحات الزعيم الليبي ومنعه من التدخل في شؤون أنظمة ودول إفريقيا الوسطى ودول جنوب الصحراء والساحل، التي لا زالت تحتمي بفرنسا وتتحالف معها، ولكن الاهتمام الرئيسي لفرنسا هو ضمان عدم الهيمنة على مناجم اليورانيوم والذهب المنتشرة في جنوب الصحراء الكبرى الشاسعة ودولها المتاخمة.

وهكذا تمكنت مجموعات من حزب الله وحركة أمل من إمكانيات التدريب والتسلح وتمكنت تحت حجة الدعم المباشر للنظام الليبي إلى جر ليبيا ألقذافي وتورطه الأهوج في دعم إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية من خلال الحصول على عدد من الصواريخ الباليستية وإيصالها الى حكومة إيران خلال فترة حكم الخميني وقد تم استعمالها فعلا في قصف المدن العراقية، ومنها العاصمة بغداد خلال فترة الحرب الإيرانية على العراق.

كان التدخل الإيراني في ليبيا إحدى محطات إيران اللوجستية وإتباعها؛ وبحجة التدخل في حرب تشاد ضمت القوات الليبية عددا من المتطوعين اللبنانيين، وتسربت أخبار عن إبادة قوات من وحدات إيرانية ومعها مليشيات ومرتزقة إيرانيين وعرب أرسلهم حزب الله وحركة أمل للحرب جنوب الصحراء حيث هوجمت بشراسة من قبل القوات الجوية الفرنسية التي دعمت النظام التشادي وطردت القوات الليبية من هناك .

ولا احد يعرف الأسباب الحقيقية للتورط الليبي في حرب تشاد . وربما كان التطلع الليبي للوصول الى مكامن ومناجم اليورانيوم في تشاد والنيجر هو الجزء الخفي من قضية تلك الحرب .

ولا يستبعد إن تصفيات القتيل الإمام موسى الصدر مؤسس حركة أمل وتدبير عملية اختفائه في ليبيا وبعدها بسنوات جرت عملية اغتيال فتحي ألشقاقي زعيم حركة الجهاد الإسلامي في مالطا ليست بعيدة عن حالة حرب خفية كانت تدور رحاها بين المخابرات الفرنسية الإسرائيلية والإيرانية في تلك المنطقة الغنية بمصادر البترول ومناجم خامات اليورانيوم والخامات المعدنية النادرة الأخرى.

وهكذا جرى العمل على خلق الاضطرابات في الشمال الإفريقي العربي واستزراع منظمات الإرهاب والتهريب للأسلحة في أوساط الطوارق وتخليق منظمات الازواد واختراق حدود دول المنطقة في تخوم الصحراء مما خلق حالات من التمرد والعصيان وفقدان الأمن والاستقرار باستغلال بدو وساكنة الصحراء العربية الإفريقية في عمليات التهريب وحتى التحريض على التمرد على أنظمتها بغية توسع نشاط القاعدة انطلاقا من الشمال الإفريقي، وصولا إلى دول جنوب الصحراء المالي والنيجر وتشاد ووصولا الى دارفور والى السودان وجنوبه.

تلكم حلقات متكاملة من حرب خفية حول الموارد والخامات النووية وخاصة اليورانيوم ربما نالت القليل من المتابعة والدراسة والرصد.

وفي الشرق الأوسط العربي، وعبر مسارات تشكيل ما سمي بالهلال الشيعي كانت هناك حرب داعش في دير الزور والرقة في سوريا وامتداداتها في محافظات الانبار وصلاح الدين والموصل ومن خلالها جرت محاولات السيطرة التامة على مناطق ومناجم الكبريت في حمام العليل بما يتوفر عليه من اليورانيوم" كما يشاع" ، وكذلك مناجم عكاشات وخيرات أخرى كامنة في منطقة الجزيرة الغنية بمصادرها النفطية وبما تتوفر فيها من مناجم الكبريت والفوسفات في غرب العراق والشرق السوري ، كلها كانت حلقات ضمن صراع دولي كبير على الموارد، جرى فيه توظيف الدور الإيراني وتورطه فيها على نحو عسكري ولوجيستي كبير كما نشهده اليوم.

وعلى المستوى الدولي كان هناك دور كبير لحرب خفية أخرى، تم فيها توظيف الجواسيس والتقنيين وأصحاب الخبرات التقنية والنووية، سواء تم ذلك مباشرة أو بالوكالة منها دور عملاء لإيران عملوا بالوكالة لخدمة المشروع النووي الإيراني وحمايته والتستر عليه مثل دور محمد ألبرادعي وحسين الشهرستاني وعدد من العلماء العراقيين الذين كانوا من المحسوبين على حلقات من المشروع النووي العراقي خاصة بعد احتلال العراق حيث تم تهريب البعض منهم أو تمت تصفيتهم بشكل مريب.

وما كلفت به منظومات وشبكات التجسس الصهيوني على الأراضي الفرنسية وخارجها بما عرف بفضيحة ليفني الجاسوسة الإسرائيلية ( راجع مقالنا كيف تم تجنيد حسين الشهرستاني عميلا للموساد الإسرائيلي ) إلا أمثلة واضحة لمساهمة إيران وأياديها الخفية في المساهمة في تدمير المشروع النووي العراقي ونهب مؤسساته بعد الغزو والاحتلال الأمريكي 2003 وبذلك فتح الطريق أمام المشروع النووي الإيراني للتقدم وفرض حالة من فرض أمر الواقع النووي في المنطقة لصالح إيران ونظام الملالي من خلال المساهمة في تنفيذ مخططات الفوضى الخلاقة في المنطقة والاستفادة من تداعياتها .

يتبع الحلقات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة



الاربعاء ١٢ ذو القعــدة ١٤٣٩ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٥ / تمــوز / ٢٠١٨ م


أكثر المواضيع مشاهدة
للإطلاع على مواضيع الكاتب ا.د. عبد الكاظم العبودي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة