خطاب الرئيس ''الشهيد'' صدام حسين المجيد بمناسبة الذكرى الحادية عشرة ليوم الأيام يوم النصر العظيم في ٨/٨/١٩٨٨ في عام ١٩٩٩

 
 
 
شبكة المنصور
 

عندما يشرق النور من عيون بغداد

خطاب الرئيس "الشهيد" صدام حسين المجيد بمناسبة الذكرى الحادية عشرة ليوم الأيام يوم النصر العظيم في ٨/٨/١٩٨٨ في عام ١٩٩٩

 

بسم الله الرحمن الرحيم




أيها الشعب العظيم ..
أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة ..
يا أبناء امتنا العربية المجيدة ..
أيها الأصدقاء ..



مثلما الإنسان جزء من عائلته، ووسطه الإجتماعي في تفكيره، وطباعه وعاداته، فان اي مرحلة من مراحل تطور الشعوب تشكل جزءاً من تاريخها وطباعها وعاداتها ايضاً، ومع ان للأمم والشعوب نوعاً من خصائص عامة مشتركة يمكن اجمالها والاهتداء اليها، فان لكل منها خصائص اخرى خاصة تختلف وتأخذ الوانها وعناوينها ومستوى وعمق تاثيرها في النفس او الآخرين في ضوء تباين ونوع خصائص كل شعب وامة، واختلاف ادوارهما، ونوع ومستوى التطور بالقياس الى خط البداية الإنسانية أو وصفه ضمن مرحلته، وكلما كان الوصف والمسافة بين أمة واخرى على هذا واسعاً كانت خطوط الإفتراق بينهما متباينة بقوة كبيرة ومتباعدة ايضاً ..


ويلعب القادة، ونوع الدور والمهمة، أو المهمات، دوراً حاسماً في بلورة الخصائص الخاصة، ومستوى واتجاه ونوع فعلها وتأثيرها، وعلى أساس هذا الوصف فأن مستوى إنسانية، أو عدائية الشعوب والأمم، ومستوى قبولها لهذا او ذاك من المحامد أو النقائص، يتأثران بخلفية تلك الخصائص، ونوع ومستوى نماذجها التاريخية في ضوء وصف خصيصتها الخاصة في ميدانها ومناسبتها ... ومن هذا يمكن ان نستعين بتفسيرات ظواهر وحقب تاريخية كثيرة، أو حتى الاتجاهات الأساسية من تاريخ الشعوب والأمم، ومنها شعبنا وأمتنا، وعليه لو عدنا الى شيء من الماضي مما يتصل بصورة أو بأخرى بمناسبة هذا الخطاب، وتساءلنا مثلا :


لماذا دمرت بغداد عام 1258 للميلاد ؟ ولماذا دمرت بابل عام 539 قبل الميلاد ؟ ولم تدمر بصورة نهائية روح الإنسان فيهما و ينقطع فيه الأمل والرجاء لينهض من جديد..؟ ولماذا كانت غفوة بغداد طويلة بحدود ثمانية قرون ؟ ولماذا صحت بغداد مرة اخرى ولم تنثن أو تلتو، أو تتوقف، أو تساوم ؟


لو اجبنا على هذا تفصيليا، مستندين الى الخصائص الخاصة لشعبنا، ولمن آذى شعبنا من وسط الشعوب الاخرى، لوجدنا الإجابة مقنعة، بالإضافة الى عواملها الظرفية، ولوجدناها تفسر لنا جوهر ما يسجله المنصفون من معان ايجابية لشعبنا، وما يسجلونه على الذين آذوه في الماضي، ويؤذيه آخرون، كلما حضرت في انفسهم الخصائص المشتركة مع رعيل الماضي المتصل بتأريخه في شعبهم، و بمناسبة يوم النصرالعظيم، الذي نلقي فيه خطابنا هذا، رغم اختلاف الزمن بين ما مضى وما هو حاضر .


ان بابل وسومر وبغداد واشور ونينوى والحضر وأور لم تعش على الحياد بين حضيض وقمة، لذلك عندما ترى القمة وتتيقن من صحة وامانة الحداة، مع شروط اخرى معروفة، تغذ السير اليها، وتتربع هناك فوقها، فتصبح الفنار الاعلى بين محيطها، ويصبح اشعاعه مرئياً من مسافات بعيدة، تتوضأ منه شعوب كثيرة، وتهتدي اذا ما ظلت طريقاً ، واناس اخرون تدفعهم الغيرة، والحسد، والشعور بالعجز، ونقائصهم الى الهياج المسعور الذي يستحضر غريزة العدوان والتدمير ليقعدوا على الاطلال ويتصوروها القمة الأعلى، أو حيثما تصورت الانانية القائلة أن إمكانية السير باتجاه عام واحد ومشترك، للمصالح لا تجد طريقها الى توافق بين قمة ومستوى آخر من الوصف، فيحصل عند ذلك التصادم ، ولأن الوصول الى القمة بسلوك طريق العمل والمعاني العالية، هو حالة متكررة في تاريخ العراق وتاريخ الأمة، بل هي الحالة اللائقة بالأمة وبالعراق، وعندما يصلان الى القمة غالباً ما يمكثان عليها حتى يراهما أو يسمع عنهما القاصي والداني، وإنهما بسبب خصائصهما لا يتدحرجان على عجل الى سفحها بخلاف حالات شعوب أو أمم اخرى، نظراً لعمق ومستوى الإقتدار والحكمة في عقول وضمائر حداتها، وصدق محبتهم لمعاني ومسلك البناء .. فان ازاحتهم عن القمة لا تكون الا بتصادم يداهمهم ويأخذهم على حين غرة، في أي مرحلة مراحل المكوث فيها عندما تغفل العين، أو تنشغل النفس بما لا ينبغي، أو تخطئ الحسابات، ومن هذا ايضاً يمكن ان نفسر... لماذا عندما تغمض بغداد عينها تغمض عيون كل العرب ؟ ولماذا عندما تفتح عينها مرة اخرى، يقترن السيف بالقلم وتكون الحكمة اساسهما ويكون كل منها جناحا ًً على قاعدة المعاني الحضارية العظيمة وتراث امتنا الخالد، تحلق به عمالقة الصقور لتحمي سماء العراق وأرضه، ولتمضي بغداد في طريقها الى القمة مسلحة بمعاني البناء و القلم، وحاملة سيف المعاني العالية ليذود، ولتعبر في كل هذا عن عبقرية الأمة والشعب في ظل رسالة القومية المؤمنة، والإنسانية الخالدة، لذلك قدحت بغداد إشعاع ضوء يعبر عن معانيها، لتنير الطريق، ويبلغ ضياء نورها أرجاء المعمورة في كنف ورعاية الرحمن، فكان السيف سارية القلم، وكان القلم هادياًًً الى معاني البناء واليقين حتى صار قاعدته الراسخة، ورايته الخفاقة، حيث انارت مفاهيمه العظيمة زوايا ظلام كثيرة في الانسانية، فتكالب من تكالب على بغداد حقداً وحسداً وسخرت قوى، بعضها متخلف استخدم كقوة تدميرية، وبعضها استخدم مخزون خبثه وجشع مصالحة الضيقة، ليصور للمتخلفين صواب منهجهم التدميري، ومثلما حرق المغول والتتر كتب العلم والمعرفة، وقتلوا العلماء في بغداد، وضيعوا على الأمة فرصتها الى وقت طويل، ظن متخلفون، دفعتهم قوتهم التدميرية، ومع ما ترادف معها من اغراض خبيثة، انهم قادرون على قتل علماء و عناوين القلم، والحكمة، والسيف، والراية في بغداد الناهضة الى الأعلى والأفضل، فخاب ظنهم، وساء ما يفعلون .


أيها الأخوة ...


لا نريد في ما قلناه، وما سنوضحه في هذه المناسبة، أو غيرها، وفي هذه الموضوعات أو سواها، أن نستذكر مجرد العوامل المفرقة، ولا نريد نكأ الجراح التي ما زالت فاغرة،وإنما اجتهدنا ونجتهد بأن نضع الحقائق بمضمونها الإيماني والاجتماعي والتاريخي الصحيح ضمن سياقها العلمي، لنعاون على الاهتداء الى ما هو خير كجزء من مسؤوليتنا الوطنية والقومية على قاعدة إيمانه، بل ومسؤوليتنا وعلاقتنا الإنسانية، سواء مع إيران، أو الأمم الاخرى، منطلقين من رغبة و تصميم دائمين على المساعدة والمبادرة في مد جسور المحبة والسلام، كلما تمكنا من ذلك، أو انفتحت أمامنا فرصها بصورة متوازنة وصحيحة، ولذلك نقول ايضاً : ان الحاكم، أي حاكم، إذا وجد داخله وداخل شعبة طاقة كامنة يمكنه ان يطلقها، ولا يمتلك، وليس لديه قدرة تصور الأفضل، ومنها مؤهلات البناء وفعل الخير ومعانيه، غالباً ما يطلقها بمعان مناقضة للخير والمحبة والإنصاف أو البناء، فتجيء طاقة تدميرية في علاقاته بالأمم والشعوب، وبخاصة الشعوب والأمم المجاورة، لذلك فان الانشغال بالبناء والقيم والمعاني العالية، وفي النظرة الى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها نظرة متوازنة، مؤشر قوي على استخدام الحاكم والقائد الطاقة الكامنة في فكره ونفسه، وفكر ونفس شعبه وأمته، بالاتجاه الإنساني الحضاري، وعلى محبته للخير بدلاًًً من الشر، والبناء بدلاً من التدمير والعدوان، ومع الأسف، فان حكام ايران، وبخاصة من سلف، ومن هم على مسلكهم حتى الان، لم ينشغلوا في بناء، ولم يزرعوا محبة أو خيراً، لذلك جاءت شعاراتهم بعد انتهاء عهد الشاه متعالية،عدوانية، توسعية، وان أخذت برقع الدعوى الإسلامية، فوقع العدوان ونشبت الحرب .


ومن ذلك ومن سجلات التاريخ المؤكدة، قد يفسر هو الآخر كيف ولماذا سرق الملك الفارسي العيلامي شوترك- ناخونتي المسلة الشهيرة المدون عليها شرائع الملك العراقي (حمورابي ) وكيف حاول محو اسم حمورابي الذي ذيل به تلك الشرائع، حسداً وحقداً على هذا الملك العظيم وسعياً لعلاج مرض العقل والنفس الذي ورثه هذا العيلامي عن آبائه ... وهكذا بعد عملية التدمير التي قام بها ذلك الملك الفارسي داخل العراق، سرق جانباً من تاريخ وحضارة العراق الثقافية والقانونية، بدلاً من ان يصنع حضارة صاعدة، ذلك لأنه عاجز عن الصعود وفق خواصه فانحدر الى الدرك، لأن ذلك يلائم خواصه و نزعته ... ولماذا وكيف دمر الملك كورش ملك الفرس مدينة بابل بعد حوالي ستة قرون، تلك المدينة التي تعد مركز الحضارة الانسانية الأول والأكثر اشعاعا وتأثيراً في الحضارات الانسانية آنذاك، وبالتعاون مع جذام أصاب جسم بابل حينذاك (اليهود ) الذين جاء بهم الملك نبوخذ نصر مكبلين في الأسر الى بابل ؟


لقد هدم الملك كورش بابل بغريزته التدميرية وبحسده وحقده ليس تعبيراً عن اقتدار مبصر، وانما عن عجز اعمى واحمق، ظاناً أنه يعالج بذلك عقدته المتمثلة في ضعف أو انعدام الوعي، وانعدام أو ضعف قدرة الصعود عن طريقها الإنساني الصحيح، فأورثها غيره، الى ان يأذن الله بما ينير القلوب والضمائر وما في الصدور لمن داهمهم الظلام، لو اراد ذلك، سبحانه، وستبقى بغداد، مثلما كانت عصية على الأعداء، محروسة بالعز، والاقتدار الواعي الأمين على المعاني الإنسانية، ولن تفتح أبوابها الا للشعوب التي تطلب العلاقة الطيبة والصداقة، وللمؤمنين الخيرين، ان شاء الله .


وعلى هذا فان الشعوب ذات الجذر العميق في دورها الحضاري هي غير الشعوب في دور حضاري متواضع، وان الشعوب التي يلعب في حياتها و تاريخها ومهماتها الجانب الانساني دوراً كبيراً أو حاسماً في تبني دعوة خير أو دعوات، وفي حمل رسالة أو رسالات، وفي مستوى ونوع النماذج المتصة بهذا على طريق الصيرورة الإنسانية الأفضل والمعاني العالية، هي غير الشعوب التي يقتصر تاريخها الأساس على دور متصل بدور محلي اناني محدد وضيق في أغلب الأحيان، والفرق ايضا ذو معنى تأثيري عميق في هذا او ذاك من الشعوب، بين ما اذا كانت الأرجحية الغالبة في هذا الدور للعوامل والإعتبارات المادية أو مفرداتها الحياتية ضمن مرحلتها فحسب، أو بصفات وعوامل اخرى، وما اذا كانت نماذجها المحفزة أو المذكرة بهذا الدور ليس غير النماذج للتدمير وإيذاء الشعوب والأمم وتجاوز الحق للغرق في الباطل، أمام نماذج اخرى تذكر بالخير والمحبة، والإيثار، والدور الإنساني الكبير .. والعمل من أجل ما هو حق وعدل .


ومن العوامل المؤثرة في نوع واتجاهات الحكام والشعوب بوجه عام ايضا، هو هل يكفيهم ما في داخل بلدانهم ويكفهم عن غيرهم، ويشغلهم عن العداوة و العدوان، ام هل ينقصهم ذلك، وبخاصة عندما لا يهتدون الى طريق زيادة الإمكانات ومفردات الحياة عن طريق آخر والعوامل والأسباب الإنسانية الصحيحة لمعنى خلق الله للإنسان، وهكذا وجدنا ان الهضبات الجرداء الأجنبية المجاورة غالباً ما يتدحرج من يقع في السهل الرسوبي الخصيب، بعضه يأتيه مسلحاً شريراً عدوانياً، وبعضهم يأتيه طلباً للعيش بعد ضائقة، فيما يصعد اشعاع سهل الرافدين، كعمود ضوء عظيم وبهي، لينير الطريق لمن هم حوله، ومن هم في العمق البعيد كلما صعدت فيه القدرة الى مستواها...


وكما أن لكل إنسان طاقة و مشاعر وتفكيراً فان للأمم طاقة ومشاعر وتفكيراً، وتعتمد النتائج ونوعها ومستواها على الإتجاه الذي توجه فيه الطاقة والمشاعر والتفكير، وهنا يلعب القادة دورهم و مسؤوليتهم الحاسمة في تقرير النتائج في ضوء اختيار الأهداف و الطريق، فان أطلقوا الامكانات وخصائصها باتجاه التدمير والشر يحصدون ما يتصل بهما، ذلك لأن هذا هو طريق الهبوط الى الحضيض، وقد يبدو هو الأسهل أو الأوحد لتستخدم غريزة التدمير والشر عندما يقصر العقل عن ميدانه الفسيح ومسوغات المبادئ العظيمة، ونواهي ناموس المعاني العالية، بل أن العجز عن التصور الأعلى يجعل الطاقة تنحدر الى حيث ترتطم بحضيضها، ومن بين اخطر الأمور التي يتوهم اصحاب هذا التصور ومسلكه انهم ينتصرون حتى عندما يتحطمون عن طريق تسارع انحدار طاقتهم الى حضيضها، ذلك لأنهم عاجزون عن تصور مسالك الصعود فيتجهون الى الانحدار، كما اسلفنا، وان وجهوها باتجاه الخير و سبله يحصدون ما يتصل بهما ايضا .. وعلى اساس هذه المعاني ومستوى حضور النماذج ذات الصلة في الصفين، او الصفوف المتقابلة، يمكن للجموع المختلفة ان تسير في اتجاه واحد، أو ان تتناقض فتصطدم، وعلى أساس المعاني التي تحدثنا عنها في خطاب السابع عشر من تموز الماضي ايضا يمكن ان يفسر جانب من الصراع الذي احتدم في القادسية المجيدة بعد سلسلة العدوان التي اطلق فيها المسؤولون الإيرانيون المعنيون شره و نهم الطاقة الكامنة من المشاعر التي اطلقتها وحررتها من قمقمها الثورة على شاه ايران، في الشعوب الايرانية التي لم تخض حربا منذ زمن طويل انذاك، وواجهت هذة الشعوب كل انواع المذلة والعنت و الجوع في ظل ذلك النظام ، فصارت تبحث عن طريق اضافي لتؤكد ذاتها، فدفعها المسؤولون الايرانيون المعنيون الجدد، أو اطلقوها في الاتجاه المدمر وغير الصحيح، مجرده من المعاني الانسانية والروحية في ابسط وصفها، وان اتخذت غطاء مهلهلا وشكليا ولفظيا"فحسب، من الجانب الروحي،كما اسلفنا، بعد ان جعلت معانيه وروحه اهدافا" تصوب عليها طاقتها واسلحتها التدميريتين .. فصدها العراق العظيم بصدره العامر بالايمان ، والنظرة الى الحياة والعمل والمسؤولية بصورة متوازنة، فكان الذي كان، وصار الانتصار اكيدا داخل النفس وخارجها عند العراقيين، عند خط البداية مثلما هو في نتيجتها النهائية، وكمحصلة طبيعية لهذا النوع من الصراع .


ومن اجل ان نزيد بعوامل اضافية تأكيد وصف كل على اساس ما يستحقه على طرفي الصراع، نأخذ أمثلة محددة من بين كم هائل وركام كبير، ومن ذلك ان العراق اطلق سراح كل اسرى ايران بعد زمن من توقف القتال، عدا واحداً منهم اطلق سراحه أخيرا وفق ما ورد في خطابنا في العام الماضي بنفس المناسبة، وقد اطلقنا سراحهم مهتدين بالمبادئ التي نؤمن بها، مستندة الى عمقها العظيم , معلني الدين الاسلامي الحنيف ومبادئ ثورة تموز المجيدة .. وكان اسرى ايران طيلة وجودهم في اقفاص الأسر على اتصال بالصليب الاحمر الدولي ويتمتعون بحقوق الأسير وفق سياقها الصحيح، فيما تحتفظ ايران حتى الآن بآلاف الأسرى العراقيين وبعضهم ترفض حتى ان تسجله لدى الصليب الأحمر ونال وينال اسرانا الأبطال شتى صنوف التعذيب و الضغط بل والقتل داخل اقفاص الأسرى في احيان كثيرة لا لشيء الا لأنهم يحترمون ادميتهم وانسانيتهم ووطنيتهم ومبادئ امتهم، فلا يخونون، ولا يسيئون لوطنهم و شعبهم، ولا يذكرون رموزهم ومبادئهم بسوء، وان تصرف ايران هذا ليس له مثيل، ولأنه ليس له مثيل، ليس امامنا الا ان نبحث في جانب من التاريخ لنهتدي الى اسبابه ووصفه لنقول ان وصف هذا التصرف لا يصدر الا عمن ينطبق عليه الوصف المقابل بالضد لوصف شعب العراق و نظامه و معانيه وقيادته ومعانيها، ولأن كِلا العنوانين العراق من جهه وايران من جهه اخرى قد بان وصفه وفعله ومنهجه ومسلكه بعد هذا الزمن من الحكم والصراع .. فان بامكان القريب والبعيد ومنهم شعوب ايران ان يرتب لكل من الحالين وصفه وما هو لصالحه او عليه.


والمثل الثاني، هو ان العراق قد اودع طائرات مدنية وحربية لدى ايران، بعضها قبل ان تبدأ المنازلة الثلاثينية في ام المعارك، وبعضها اثناء المنازلة، عل اساس تصور خاطئ من جانبنا بأن المعنيين في ايران يمكن ان يشتركوا في ميزة ما هو مشترك في الإنسانية، وينحوا منحى الخير، وعلى اساس ان ايران لم تعد عدوا للعراق بعد ان غلبنا الله على صف الشر في 8/8/1988، وتوقف القتال باتفاق الطرفين وعلى اساس ما اوحى به استذكارنا لشعارات المسؤولين في ايران على عهد من مضى، وبعضه مستمر، ومن بين ذلك استذكرنا شعاراتهم عن اميركا يومذاك التي كانوا يسمونها بالشيطان الاكبر، متصورين نحن، خطأ، امكانية تشبث المسؤولين فيها بالحد الادنى من تلك الشعارات، لأننا لم نكن نتصور آنذاك أن كائنا من كان، وبخاصة اولئك الذين يقولون بالاسلام دينا لهم، يمكن ان يقولوا بخلاف ما يضمرون وان يتخلوا عن شعاراتهم بين ليلة وضحاها، ويعملوا ما هو عكسها ونقيضها تماما، خاصة وان المنازلة كانت بين العراق، مودعاً في كنف الرحمن من جهة وبين ما كانوا الشيطان الأكبر أمريكا وحليفها، والصهيونية وحلفائها الآخرين، أو المصطفين مع هذا الصف من جهة اخرى.


وان هذين المثلين، ايها الأخوة، هما من بين امثلة كثيرة اخرى تملأ مجلدات على الطرف المقابل للعراق، وتكشف جانباً من اخلاق طرفي الصراع المباشرين، وان نتائج الصراع لا يمكن تفسيرها بغير العودة إلى هذا الذي قلناه، ونقوله في خطاب اليوم، والعودة الى عمق خطاب تموز، الذي القيناه في الشهر الماضي، بمناسبة عيد الثورة المجيدة، وغير ذلك من الحقائق التي نضحت من مسيرتين متجاورتين وتجربتين لا تفصل بينهما جغرافيا غير الحدود .. نعم لقد دفع المسؤولون الايرانيون واججوا لدى شعوب ايران كل عوامل الكبت والطاقة التي لم تستخدم باتجاهها الصحيح مع العرب بوجه عام فاصطدموا بالسد العظيم المنيع للأمة وحصنها الحصين على الجهة الشرقية، العراق العظيم .


ورغم كل الدعوات المتكررة قبل وبعد المنازلة، للتروي والإبتعاد عن بواعث ومواطن الشر، ورغم كل دعوات السلام التي اطلقها العراق من أعلى المستويات، وشتى المستويات الأخرى، استمرت شعارات وطبول ومدافع العدوان والحرب، وشعارات الاطماع الخائبة، حتى اندحرت وخابت شعارات الغزو ونيته المبيتة والمخططة في ساحات القتال، فانتصر الحق على الباطل، وكان انتصارا للمعاني العالية للانسانية جمعاء ومن ضمنها من كان يؤمن بعكس طريق العدوان من شعوب ايران ..


وهكذا ايها الاخوة كان السيف والقلم .. أو الذراع وحكمة العقل : صنوان متوازنان في فعل متوازن في تاريخ العراق والأمة وتراثهما الخالد، وكانا متوازنين في هذا الصراع ايضا، ولذلك لم نشمت، ولم نغدر عندما توقف القتال، لأن الحكمة عندنا لا تستخدم السيف بديلاً عن القلم، ولا الذراع محل الحجة والاقناع والتفاعل، ولا تعيش على ارض بلا سماء، أو تداري العجز بالتعلق لفظياً بمعاني السماء من غير ايمان حقيقي ومن غير ارض راسخة، ولا تتردد في استخدام السيف عندما يغدو السبيل الذي لا بد منه لتثبيت حجة، وعندما يعجز طريق العقل عن اقناع من هو على باطل بأن لا يهم بارتكاب جريمة عدوان يبطلان موقفه .


والله اكبر .


وعلى اساس هذا، وعلى اساس معانيه، نستذكر يوم النصر العظيم، يوم نصرنا الله نصرة العزيز المقتدر في 8/8/1988 في القادسية الثانية المجيدة، ومنه، ومن مقدماته، وما رافقته من ولادة، يمكن ايضاً الى جانب ما قلناه ، ادراك سبب حصار العراق منذ اكثر من تسع سنوات، وسبب قيام من تقع دولهم على حدود العراق، ومنهم ايران، بمهمة الحصار الميداني، بما يطمع ويشجع ويردف العدوانيين الأمريكان والصهيونية في الاستمرار بقتل شعب العراق بكل الوسائل .. وسبب حجب شعوب ايران عن زيارة العتبات المقدسة بينما كانوا يحرضون على زيارتها عن طريق اقتحام العراق بالسلاح، بما كان يوحي يوم ذاك بان العراق وبخلاف الواقع وكأنه يمنع على الشعوب الايرانية زيارة العتبات المقدسة بما يغطي شعارات التوسع والعدوانية، ويكشف ايضا سبب مشاركة ايران المخابرات الأمريكية والصهيونية واعوانهما في احتلال مدينة السليمانية شمال العراق بعد وقوع العدوان الثلاثيني على العراق بالاضافة الى حالات عدوانية اخرى معروفة من بينها استخدام الطائرات الإيرانية بغارات عدوانية على اهداف في عمق العراق واستخدام الصواريخ ايضا لنفس الغرض، بل ان هذه النماذج من العدوان والعدوانية تعين على تصور روح العدوانية التي وقعت على العراق عام 1980 ومن هذا يكون الجواب واضحاً على : أليس في كشف الزيف والدجل وفضحهما واظهار الحق والحقيقة خدمة جليلة للانسانية , وليس للعراق او الامة العربية فحسب ؟ ومن ذلك ايضا يتضح اكثر فأكثر كيف و لماذا يستحق يوم النصر العظيم 8/8/1988 منا ومن شعب العراق والأمة ومن جميع الشعوب المحبة للخير و السلام، ان نستذكره بخير ونحتفي ونحتفل به على مدار الأيام والأعوام كنتيجة انسانية رائعة رغم كل ما حصل .


بلى والله، انه يوم انساني خالد وكل ما لا يتصل به أو يعاكسه حالة خائبة مرجومة ..


انه يوم عظيم اراده الله برهانا وعنوانا وراية .


والله اكبر..
وعاش العراق ..
وعاشت أمتنا العربية المجيدة مثلا انسانياً مشعاً بالمحبة والخير والنماذج العالية والاقتدار العظيم ..
وعاشت صداقة شعبنا و امتنا مع الشعوب المجاورة وشعوب العالم اجمع ..
وتباً لعدوانية المعتدين ..
وليخسأ الخاسئون .


أيها الأخوة ..
ان الأمم والشعوب بنات تاريخها الخاص والعام .


ورغم حالة الوصل القائمة، بصورة أو بأخرى، بين خط البداية، وآخر صورة، أو اي صورة من صور تطور الشعوب والامم فان لك حلقة من حلقات التاريخ، نوعاً ووضعاً، لا تكون صورة طبق الأصل للصور، أو حتى الصورة، التي تسبقها في الصيرورة، ليس لأن مراحل الزمن هي مراحل تطور، اوهكذا ينبغي ان تكون فحسب، وانما لأن جانباً اساساً في صور التاريخ، ضمن حلقاته الصاعدة او الهابطة، انما تمثل صورة الحقات القيادية فيه،بشكل اوبآخر ايضا، لذلك بامكاننا ان نقول ان اعمدة التاريخ هي عامة وخاصة ، اما العامة فهي ما تمثله من وصف وفعل وخواص وتأثير الحالة الجمعية المتكونة تاريخياً كخاصية عامة للشعب والامة وهي ايضاً وصف وفعل وخواص وتأثير الحالة الخاصة لمن يقودون الشعب والامة، ضمن مرحلتهما، وكلما كان الاقتناع عميقاً والتفاعل جدياً وعميقاً، وعلى نطاق واسع بين من يقودون الشعب والأمة ، وبين الشعب والأمة، اقترب العام: الشعب والأمة، الى الخاص : القائد والقادة، وتصير عندئذ الفروقات بين الخاص والعام وفروقات مرحلتها النسبية فحسب، أي فروقات التطور التاريخي بين مرحلة واخرى مع ما يصاحبها من ذيول عادات منقولة، وعند ذلك تغدو المرحلة كأنها، بصورة او بأخرى، خواص القائد او القادة، مضافاً اليها المنقول وما اريد له ان يكون موصلا مع خواص وعادات المراحل التاريخية السابقة .


ومن هذا يتبين لنا كيف ولماذا يحوّل قائد يقود قادة آخرين، أمة أو شعباً في المعاني والواقع الى حالة صعود عظيمة الى اعلى وامام عندما يتطابق القائد او القادة مع شعوبهم على طريق معانيها الانسانية العالية، ويحول حاكم وحكام اخرون امة وشعباً الى حالة متراجعة ضمنياً عن فرصتها ودورها بعد ان يفترقوا عن شعبهم وامتهم، ويغدوا غير قادرين على تفعيل قدرتهما بمستوى ما ينبغي وما يجب، لضعف تأثير الحاكم، او انحراف دفعه للأمور او استقطابه لهم الى مسارها الصحيح، وما يجب، لضعف تأثير الحاكم، أو انحراف دفعه للامور، او استقطابه لهم الى مسارها الصحيح، ومن ذلك نفهم لماذا ، وكيف حصل ما حصل بين دولتين إسلاميتين في ما تعلنان، او في ما يؤمن به من آمن، وموضوعتان ضمن وصف الدول الاسلامية: وهما العراق وايران !؟


ان الوصف الديني الذي ادخل على الامم والشعوب، سواء كانت تلك الشعوب اسلامية العقيدة، او الانتساب اليها، او تحت وصف وعناوين ديانات أخرى، لا يلغي تاريخ الامة قبل وبعد الانتماء او الانتساب، ولا يلغي تأثير تاريخها العام حيثما تعارض او تناقض مع العقيدة الجديدة، ولكن العقيدة الجديدة، في ضوء سعة انتشارها ومستوى الالتزام بها، وعمق تأثيرها، تدخل معاني جديدة في تاريخ الامم، ويمكن ان تدخل مراحل تاريخية كاملة مطبوعة بطابع المبادئ الجديدة، أو جوهر تلك المبادئ، حسب مستوى ايمان القائد او القادة في تلك الامم بالعقدية الجديدة، وليس الشعوب فحسب، ومدى استعدادهم لاعتبار اساسياتها اسا تفكيرهم وفعلهم واخلاقهم .


لذلك اذا لم يتحقق شطر الانتماء الصميم للحالة الجمعية للشعب والامة، مع انتماء خاصة الامة


والشعب، وبصورة اخص حاكمه وحكامه، للديانة الجديدة، ويضعوا أنفسهم، تصورا وفعلاً وفق ميزانها، ويتخلقوا باخلاقها، يكون تاريخ الامة من حيث محصلته النهائية منقطعاً عن التواصل والوصل التفاعلي بين القديم والجديد، ويغدو الدين الجديد حالة شكلية عامة، كلافته موضوعة للدعاية، وليس للالتزام والتفاعل الصميم، ويعتمد الوصف هنا على مدى تطابق او افتراق الحالة الجميعة للامة عن الحالة الخاصة للحاكم او الحكام في هذا .


أيها الأخوة ..


كانت ايران ضمن حالة الدولة الاسلامية التي قادها العرب بوجه عام، وكانوا لها قادة أو حكاماً ومرشدين الى حين، حتى اذا تكّون حكام، أو قادة محليون في ايران، من الشعوب الايرانية نفسها أو كرد فاء لغيرهم، فإنهم غالباً ما كانوا لا يضمرون خيراً لمصدر القرار في الدولة الإسلامية، ويشيعون على مستوى الشعوب الايرانبة انهم يعاملون بأقل من استحقاقهم، وغالباً ما يقيسون وينظرون الى الاستحقاق على اساس ما كانت عليه ايران تحت قيادة الفرس واكاسرتهم، عندما احتلوا أجزاء من دول واراض مجاورة لهم، سواء الى الشرق او الى الغرب منهم، وليس على اساس الاندماج في الدولة الجديدة، تحت لواء ايمانها ومبادئها وتحت قيادتها، وفقاً لمبدأ الاسلام الواضح في الحكم والتصرف (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله، واطيعوا الرسول واولي الامر منكم) (صدق الله العظيم) وانما غالباً ما يجتزئونه ، أو يجمدونه، أو يحاولون اعطاءه تفسيراً لا ينسجم مع السنة النبوية المطهرة، أو ما تجمع عليه الأمة الإسلامية، بل انهم في بعض الاحيان، يعطون معنى ضيقاً لمعنى (وأولي الامر منكم)، فيقتصرونه على الحاكم المحلي للاقليم في تلك اللحظة، بدلا من الخليفة، أو أمير المؤمنين، بما يسهل مهمة حاكم الاقليم المحلي في ايران على مشاكسة امير المؤمنين او الخليفة، او التمرد عليهما .. واخذ هذا الحال مستواه الآخر في ايران في ضوء الغاء حلقات اساسية من تاريخ الدولة الاسلامية، والقسم الاكبر من رموزها، والاقتصار على حلقات مشرقة بعينها، ولكنها مجتزأة عن قاعدتها وسياق تواصلها وعمقها، وقد تم وضعها في اطار من التضاد، الذي لا يقبل التلاؤم والتفاعل مع كل الحلقات المشرقة العظيمة الاخرى، وبذلك، اعطى المعنيون فرصة، في كل هذه المعاني والحال، ليتواصل تاريخ الاكاسرة في ايران من غير انقطاع، ومن غير ان يعتدوا بتاريخ الدولة الإسلامية في هذا، وبذلك انقطعوا عن عمق هذا التاريخ وفقه الدولة، الذي لا يمكن تصور ما هو افضل منه إلا بمراعاة التطور في يومنا هذا، لأنه قد نضج وتطور من خلال دولة الاسلام، وشجعوا في إيران، منذ وقت طويل، نمو فقه خاص، ليس على اساس الاجتهاد الذي هو حق، بل وواجب ايضاً لمعالجة حالة وظروف وافرازات التطور ضمن مراحله المتعاقبة، وانما على اساس ولادة جديدة مقطوعة عن عمقها والنسب، بعد ان انقطعت الصلة منذ ما يقرب من ثمانمائة عام عن اصل الولادة وتطورها اللاحق، وعن كل فقه الدولة الاسلامية وتشريعاتها في مرحلة الخفاء الراشدين، وتاريخ ورموز الدولة والجهاد وراياتها، ليفسحوا المجال، وفق تصور مسبق للتاريخ الايراني، ليتواصل من غير انقطاع، ولفقه جديد مقطوع الصلة عن عمق فقه الدولة الاسلامية ورموزه، بما في ذلك ابناء واحفاد سيدنا علي (رضي الله عنه) فحورب، أو استبعد عن مسار الصلة، ناس على اساس مواقفهم الأخرى، او حتى على اساس اسمائهم، وعلى سبيل المثال استبعد من تاريخ صلة الابناء والاحفاد من ابناء سيدنا علي وسيدنا الحسين كل من اسمه ابو بكر او عمر او عثمان، عدا انتقاءات، وفق غرض او اغراض خاصة، من فقه سيدنا علي، عليه السلام، وغالباً ما يستشهد بها، وتحشر عن قصد في اطار، وهدف او اهداف بعينها، او في الاقل وفق صيغة اريد لها لتبدو متعارضة وليس منسجمة مع فقه الدولة الاسلامية وتاريخها .


وفي كل الأحوال، ومهما كانت الحلقات مشرقة ضمن مسيرتها الكلية ونبعها الأصيل، فغالباً ما تضعف جذوتها عندما تنفصل عن اصلها، ويضعف تأثرها مثلما تضعف رائحة العطر الزكي تدريجياً عنما ينفصل عن قارورته، أو تضعف جذوة الجمرة المتوهجة عندما تنفصل عن مجمرتها، ان هذا الوصف الذي قدمناه عن تصرف المعنيين في ايران ازاء التاريخ الاسلامي، هو الذي شجع شاه ايران على الاحتفاء والإحتفال بمضي الفين وخمسمئة عام متصلة على قيام الدولة الفارسية، متجاوزاً تاريخ ايران ضمن دولة الاسلام، بغض النظر عن موقف شعوب ايران، او حتى موقف قسم من الخاصة منهم وسط الشعب الايراني آنذاك، وهو نفس الوصف الذي جعل حاكم ايران، عندما غابت او غيبت، المبادئ العظيمة للإسلام الحنيف، يسعى لتدمير بغداد في عام 1980 للميلاد ليحتل العراق، مثلما دمر كورش بابل بالتعاون مع اليهود عام 539 قبل الميلاد .


ومن هذا الذي قلناه، يفسر لماذا لا يدرس طلاب ايران تاريخ الدولة الاسلامية، بل ولماذا لا تدّرس حتى المدارس الدينية هناك ، تاريخ الدولة الاسلامية وفقهها عندما كانت ايران جزءا منها، وبالتالي كيف ولماذا اعتدت ايران على العراق، وقامت الحرب، وبقيت مستعمرة ثماني سنوات .. !؟ ومن هذه المعاني نجد التفسير لسبب وقوع العدوان بقيادة من قادوا ايران ضد العراق، وسبب استمرار الحرب ثماني سنوات، وعدم نجاح كل الجهود بما في ذلك جهود منظمة المؤتمر الاسلامي ولجنتها التي شكلت لايقاف الحرب واحلال السلام بين العراق وايران آنذاك، وعدم توقفها الا بما اراده الله في ساحة القتال، فجعل الغلبة للمؤمنين، اصحاب التاريخ الموصول على قاعدة ايمانه العظيم، ونماذجه ورموزه الطاهرة ككل من غير اجتزاء، على من اراد ان يكون تاريخ ايران مقطوعاً عن معاني التواصل مع ذلك التاريخ، وابعد عوامل ومعاني المحبة، لتحل محلها البغضاء، بعد ان حشرها وفق صورة ما اردا وابعدها عن نهر مبادئ الاسلام العظيم، لتمضي من غير ن تتطهر بماء مبادئه القويمة.


وعلى هذا ايضاً، يمكن تفسير لماذا وكيف تتحالف الإدارات الأمريكية، التي تدعى الانتماء الى مبادئ السيد المسيح، عليه السلام، مع الصهيونية البغيضة المعتدية على ارض وحقوق العرب والفلسطينين وتدعمهم ليقتلوا النساء والشيوخ والأطفال والشعب في فلسطين مهد السيد المسيح (عليه السلام) واجزاء عربية اخرى ايضاً ولماذا وكيف تتحالف الادارات الامريكية مع من تحالفت معه لتقتل ، وتجوع شعب العراق وتدمر مرتكزاته الحضارية، بل وحتى آثاره الحضارية !؟


وعلى هذا يمكن القول كيف ان كل مرحلة زمنية من مراحل بغداد بعد التدهور والجمود الذي حل بها، بل وكل امتنا العربية والاسلامية، بوجه عام، مع استثناءات نسبية معروفة، تبدو كأنها تجمدت لتكون ذات التي سبقتها في كل شؤون الحياة، ولكل ميادينها، بما في ذلك العلاقات الاجتماعية آنذاك، لأن التطور على مدى مايقرب من ثمانية قرون قد توقف، بل وتراجع، من جهة اخرى، تراجعاً مستمراً، لأن الاجنبي العثماني، كان في حقيقته، ورغم ادعائه بأنه يحكم باسم الاسلام، يدير الحكم وفق نظرة ضيقة، تتصل بتراث وهواجس وتمنيات امته وشعبه فحسب، واهمل الامة العربية كمعان وحاملي سيف وراية، وكادر قيادي عظيم للإيمان وراياته وللبناء والمعاني العالية الاخرى، وكمرجع اصيل لتفسير مبادئ الاسلام وما يتصل بها، واسداء النصائح باختيار الطريق او الطرق المناسبة وأهمل تاريخ الدولة الاسلامية ونماذجها العظيمة، وإذا أراد أن يشير إلى جانب من تراثها، كان يتعامل تعاملاً مجتزأً وانتقائياً وشكلياً ايضاً مع ذلك التراث، وعلى اساس هوى الحاكم بهذا الوصف، وليس المسؤول المؤمن ذي الافق الواسع والبحر الزاخر من عمق لانتماء المصيري، وعمق التراث والمبادئ العظيمة، ولذلك لم يتفاعل الشعب والامة مع الحاكم العثماني، وبقي معزولاً عن الشعب في رأيه وموقفه وقراره، وبقي موقف الشعب ورأيه وما يتمنى أن يكون بعيداً عن الفعل، ومجرد تمنيات نظرية فحسب، وقد حدث كل هذا بعد ان انعدمت او ابتعدت خواص الحاكم فن التفاعل مع الشعب، بل وانقطع التاريخ او تجمد في احسبن وصف له، وكأن آخر حلقة فيه قبل سقوط الحكم العثماني تنطبق في أحسن وصف لها على آخر حلقة سبقت بيوم واحد حكم العثمانيين لبغداد، وبالتالي لكل الدول العربية بوجه عام ..


ومن هذا ايضاً، ومن مستوى نوع المعاني العالية التي تختزنها بغداد، والقدرة التي يمكنها، بشروط معروفة، ان تكون مبصرة، نفسر كيف لم تكن الشمس تطلع على أهل بغداد وغيرهم، على عهد الدولة التي حكمها العثمانيون باسم الإسلام، عندما غابت عين بغداد، وكيف يشرق الضياء على جبين كثر من ابناء المجتمع الاسلامي، وكل ابناء العروبة، اصحاب السيف والقلم والراية والمبادئ العظيمة، عندما يشرق النور من عيون بغداد التاريخ والمجد .


أيها الأخوة ..


إننا عندما نحتفي ونحتفل بيوم النصر العظيم في 8/8/1988، فليس لأننا نقصد تأكيد قيمة، ومعاني البطولة المتصلة بجذرها الاصيل، وقاعدة ايمانها عميقة الجذور، والمعاني لأمة كانت على الدوام مجاهداً، وحامل راية مؤمنا للرحمن الرحيم، واميناً على قيمة وفاعلية المبادئ المتصلة بكل هذا، ومسؤولية الدور القيادي في معاني التطور كعنصر حاسم في الصراع عند وقوعه فحسب، وانما أردنا ان نؤكد ان معاني مبادئ البناء، ودور الانسان القيادي، المؤمن في تطوير الحياة، وما يؤمن به من إعلاء شأن المحبة على الكرة، وإعلاء هدف وأهداف وطرق ومعاني البناء على التخلف، وروح التدمير، والسعي لربط الحاضر بجذوره


الايمانية الاصيلة وماضيه العريق، يحقق نصرين على الوصف المضاد، والعناوين المضادة، نصراً داخل النفس، مستوحى من شعور المرء بأنه جزء حي من كل، وليس حالة منبوذة عنه، وبما يرضي النفس ازاء واجبه تجاه المعبود، الذي لا يعبد غيره، ونصراً على الاعداء بعد ان يحجب المستحيل عنهم منيتهم، وليس نصراً واحداً فقط، اذا ما تحقق بأي وصف من بين الوصفين فحسب، أما انه يدخل وحشة الشعور بالوحدة في الطريق الذي لا يشترك فيه غيره، او وحشة القنوط، الذي مهما بلغ فيه الشعور بالرضا داخل النفس، فانه في حالة كهذه يبقى الشعور بالهزيمة امام العدو، يلهب الظهور بسياط الغلبة، وربما الضمائر والعقول، بندبات وكدمات قصف مدافع المنتصر .


واردنا ان نقول لشعوب العالم اجمع، ومنها شعوب إيران ، أن النصر الذي تحقق للعراقيين انما هو نصر انساني عظيم ، ذلك لأنه نصر للتقدم على التخلف، ونصر للايمان والحقيقة على التزييف ونصر للبناء على التدمير، وانه لو لم يتحقق، وتحقق شيء آخر بفعل ضربة شيطان رجيم، لا سمح الله، لانتصرت المادية التي يروج لها لغرب، بقيادة امريكا، في منطقة الشرق الاوسط، وربما في اماكن اخرى، امام حالة التدمير المرعبة التي تسببها الحالة المتخلفة القابعة حول صورتها المهترئة، التي لبست لبوس الدين . وجانباً من مظاهره، و لاندحر الإيمان، بعد ان تجفوه نفوس وعقول الناس الى حين، جراء ما يصيبهم تحت شعارات الدين، ولكسبت الصهيونية وامريكا المعركة من خلال لجوء الناس الى حماهما، تعلقاً بأمل زائف للسلام والاستقرار، اللذين يمكن ان يوفراهما للشعوب، امام غول التخلف والتدمير وطبول الحرب والطائفية .. ولبقيت شعوب ايران اسيرة حالة تغشها الى وقت طويل، بعد ان تبدد طاقتها، وتصيبها بالاحباط المرير بالنتيجة، بعد ان تطمسها في جرائم العدوانية والتدمير، بل ان النصر قد انقذ شعوب ايران من كل ذلك، وشعوب العالم اجمع، من ان تسود المادية الغربية، بما يدعها تعلي نظرتها وطريقها في الحياة على حساب مبادئ الروح المتوازنة، والجوانب الحياتية والاعتبارية الصحيحة، والى زمن طويل .


وهكذا يحق، بل هو واجب ايضاً على الشعوب والامم، وليس شعب العراق فحسب، ان تقول: عاش يوم 8/8/1988، كيوم نصر للشعوب كلها، وللحق على الباطل، وللمعاني العالية على قعر مهاوي الحضيض والدرك الأسفل .



وعاش حاملو رايته ومبادئه، وسيفه ...
والله اكبر.
أيها الشعب العظيم ..


إننا نعرف اننا ربما اثقلنا عليكم في الأسلوب في هذا لخطاب حيث عرفتم مما استمتعتم اليه منا في مثل هذه المناسبة، او قرأتموه عنا، اننا نسعى در ما نستطيع لأن نجعل كلامنا ابسط في اسلوبه، سواء من كان منكم في مقتبل العمر او من بين الشيوخ وكبار السن، ولكن الأسلوب المبسط أيها الأحبة ليس هو القادر دوماعلى التعبير عن معنى ما نريد قوله، إذا ما نحا القول منحى فكرياً، وانطلق ليكون وفق وصفه هذا، ثم ان مشكلتنا في ذلك ليس داخل شعب العراق وإنما مع الآخرين تعرفونهم، ومشكلتنا هناك مع اناس يدعون بأنهم في عدوانيتهم إنما يعبرون عن فكرة، لذلك، لا بد ان نتناول الأساس الخاطئ لفكرتهم بأساس صحيح لما نعتقده، ونؤمن له، ونراه صواباً حتى على مستوى القياسات الإنسانية العامة المشتركة مع الناس، حيثما انطلقوا وتصرفوا على أساس منصف وموضوعي، وعذرنا في هذا، وفي غيره، أيها النشامى والماجدات، وأيها الأحبة من صبية وصبايا، أننا في العراق قد صرنا نتفاهم بالإشارة والعيون قبل الكلام، او كرديف له، بل وبتلاقي ضمائرنا في سماء محبتنا العظيمة لأمتنا المجيدة، لذلك أرجو أن تفهموا منا هذا وأنتم أهل الفهم، وجمجمة العرب، وان الكلام المبسط، أيها الأخوة، في هذا الأمر قد ينحو المنحى الذي يشج الجباه، ويفطر قلوب خصومكم، في الوقت الذي ليس هذا غايتنا، بعد ان عرفوا إنكم قادرون، باسم الله، على ان تشجوا الجباه، وتمزقوا الكبود في ساحاتها، وانما ان نعالج النفوس والقلوب المريضة، ونفتح العيون بالحسنى على الحقائق كما هي، حيثما قام الحدس بحده الأدنى على إمكانية ذلك، وهو واجبنا القومي والإنساني، وبه سبحانه نستعين، ومن قاعدة حكمة اكثر من ثمانية آلاف عام من الحضارة وتراث امتنا الخاد ننطلق (اذهبا الى فرعون وقولا له قولا لينا) صدق الله العظيم ..


مع المحافظة على جوهر مواقف الشعب المجاهد، وقيادته المؤمنة بالله وبالوطن والأمة والشعب، والله اكبر ..


المجد وعليين لشهداء القادسية المجيدة ..


وحياة العز والمعاني العالية لجراحانا والأحياء الذي يرزقون .. (ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً)

صدق الله العظيم



وتحية إلى أسرانا في أقفاص الأسر في إيران، واعتزازاً كبيراً بمواقفهم الوطنية هناك ..
وتحية الى المؤمنين الصادقين حيثما كانوا ..
وعاشت امتنا المجيدة ..
وعاش العراق .. عاش العراق ..
وعاشت فلسطين حرة عربية .. وعاش شعب فلسطين ومجاهدو الموقف الكبير ..
والمجد لعوائل العراق التي كان لها وسام شرف في فقد أبنائها، أبنائنا الغيارى، في سوح الشرف والجهاد، والتي صبرت واحتملت الأذى بقلوب مفعمة بالإيمان والمعاني العالية ..


وعاشت الصداقة مع الشعوب ..
وكان الله في عون كل الاسر الإيرانية التي فجعت بمصيبة ما أصابها، وما زالت متمسكة، وتضمر نية الخير والمحبة للعلاقة مع العراق لأنها تدرك وتفهم مغزى الصراع وأسبابه ومسببيه .


والله اكبر .. الله اكبر ..
وليخسأ الخاسئون ..

 
صادر عن دار الحرية للطباعة
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الخميس / ١٣ صـفـر ١٤٣١ هـ

***

 الموافق ٢٨ / كانون الثاني / ٢٠١٠ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور