خطاب موجه من الرئيس ''الشهيد'' إلى الأمة العربية والشعب العراقي الصامد في عام ١٩٨٨

 

ثورة الطراز الجديد ... مستمرة وراسخة

 
 
شبكة المنصور
 
  • خطاب موجه  من الرئيس "الشهيد" إلى الأمة العربية والشعب العراقي الصامد في عام 1998.

  • صادر عن دار الحرية للطباعة.

بسم الله الرحمن الرحيم

"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين"

صدق الله العظيم

 

 

أيها الشعب العظيم ..

أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة ..

ايها المجاهدون والمناضلون العرب ..

ايها الأصدقاء ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

 

في مثل هذا اليوم من كل عام، نستذكر معكم يومي تفجير الثورة في 17، وفي تموز من عام 1968، ولكننا اليوم في الذكرى الثلاثين من عمر الثورة، لن نشغلكم، كما في التقليدي من المناسبات، بالأرقام والإنجازات، لتدلكم على طبيعة ما يطمئنكم على مسارها الأصيل، وعلى صدق العهد والوعد للثوار النشامى الأُصلاء، وإنما نكتفي بإشارات، وما يمكن أن نغرفه من بحرنا العظيم، وربما يزيد كم يقيناً واطمئناناً الى أن معاني الثورة، وروحها، التي تفجرت عند خط البداية، في 17 و30 تموز، عام 1968، وفي كل المسار اللاحق، إنما تتكثف، وتجتمع، متفاعلة، عند كل خطوة على الطريق، كالتزام أخلاقي ومبدئي لا حيدان عنه، بل، وفي كل مرحلة من مراحله، ما هو جديد، متجدد، متوثب الى أمام، يغيظ العدا، ويسر الصديق، بعد ان صار الحديث عن الأرقام والإنجازات لا يضفي على مسار الثورة، باعتبارها ثورة الطراز الجديد في الحياة العربية، وحياة الإنسانية، ما هو ضروري، بعد ان أصبحت إنجازاتها الأساسية معروفة لدى من يتابع حقيقتها، وبعد أن أصبحت طبيعة المنازلة مع الأعداء، ومستوى الصمود الأسطوري لشعب الحضارات والذرى، يفصحان، بأعلى ما ينبغي للبلاغة من معنى، عن مستوى ما يطمئن أبناء امتنا المجيدة العظيمة، وأصدقاءنا في العالم، الى ان ثورة الطراز الجديد مستمرة وراسخة، وشعبها أصيل، وفرسانها اصلاء، أمناء على العهد والوعد، وأنها وسط المستقبل مزهوة، ومزدهرة، واعدة، ناهلة من صفاتها المعروفة وسط الحاضر ..

 

هكذا هي ثورتكم، أيها العراقيون الاماجد، والعراقيات الماجدات، وأيها الثوار، والمجاهدون والمناضلون، أبناء امتنا العربية المجيدة ..

 

وهكذا هي الثورة التي تعرفونها، وتقدرون لها صدق العهد، والالتزام، والموقف، أيها الأصدقاء ..

إنها ثورة تموز المجيدة، في قاعدة التحدي، والبناء العظيم، عراق الحضارات، والموقف، والجهاد الكبير ..

 

أيها الشعب العظيم ..

إننا ألان، جميعاً، نعيش محنة الحصار، والتهديد، والتآمر، ومسارات السوء آلاتية من خارج العراق، ونعيش جميعاً، أيضا، شرف الثبات، والموقف، والقدرة على مواجهة التهديدات، متكلين على القادر العظيم .. ومستزيدين يقينا، بهمة جهادية لا تنقطع عن نبعها ومآلها، لشعب مجاهد كبير .

 

في مناسبات سابقة، قلنا ان الحصار لا يرفع بقرار جمعي من مجلس الأمن، مثلما صور بأنه قد اتخذ بقرار جمعي منه، وإنما يتفتت، كلما ثبت العراقيون على الموقف، وازداد وضوح معاني هذا الموقف لدى العرب، وازدادوا تفاعلا معه، هم بالدرجة الأساس، ومن يحمل قدرا جديا من معاني الإنسانية والصداقة في العالم ..

 

وفي نهاية عام 1997 ، وبداية عام 1998، خاض العراقيون معارك، واتخذوا مواقف، وضعت الشهود، والذين ليس لهم مصلحة في الحصار، قبالة أصحاب الغرض والسوء، وبما يجعل الصفين تفصلهما ارض منبسطة واضحة، تحدد ما هو في الساحة بينهما، بما لا يقبل اللبس والتداخل، ولا يسمح بمناورة غير مكشوفة ..

 

وإذا كان أعداء العراق يتصورون انه قادرون على ان يخدعوا شعباً مستنفراً بكل عوامل الحمية الوطنية ومعانيها، وتجارب الحياة التي خبرها، وعجنها، واكتوى بالنار التي تنصب له من أعدائه، ومدفوعاً بعوامل الدفاع عن الحياة، وسط مبادئها العظيمة، وتراث امتنا الخالد، تجاه من أرادوا، ويحاولون اغتيالهما، متحملاً عشرات الألوف من التضحيات السخية بالأنفس الغالية، في كل حقبة زمنية قصيرة، جرّاء نقص الغذاء والدواء، واستخدام القوة ، نقول لهم، بإسم شعب العراق العظيم، أنهم هم الواهمون، والأولى بهم ان يعيدوا قراءة التاريخ القديم، وهذا التاريخ المجيد، قراءة غير مستعجلة، ليستنبطوا منها الدروس، التي تجنبنا، وتجنبهم مهاوي شرورهم، وأنفسهم الأمّارة بالسوء . ونؤكد القول ان الرسالة التي وجهها الى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة الاجتماع المشترك لقيادة الحزب ومجلس قيادة الثورة في الأول من أيار 1998،  ليست صيحة احتجاج فقط، وإنما هي إرادة وإستراتيجية بديلة، في حالة عجز الوسائل والطرق الأخرى عن إعادة الحياة الى مجراها الطبيعي، وتجعل الحق الثابت في نصابه الصحيح، وان القيادة والمجلس سيجتمعان في وقت لاحق، ليتدارسا هذا الموضوع بعمق، ويتصرفا معه، هما و شعبهما العظيم، الذي هو دوما في الأحداق، وأعماق الضمائر، التي تنبض بالوطنية، والحمية القومية ..

 

ولن يصح بعد ذلك إلا الصحيح .. والله اكبر .

وأمام صمود العراقيين، وصلابة تمسكهم بضرورة رفع الحصار، واستعدادهم العميق لرفد خزين التضحية بشرف إضافي، بدأ الحصار يتفتت فعلاً ..

 

إن هذا العام، وما سيتبعه، إن شاء الله، من زمن إضافي، إنما هو عام وزمن تفتيت الحصار عن العراق، بصورة جدية، وسيكون، هو وخزين الطاقة الثورية، الوطنية، المؤمنة، والموقف القومي الأصيل لمن يقفه، خزين لكنانة، ومنهل الشلال العظيم، للإجهاز على الحصار، وكسر قيوده واخزاء دهاقنته، وأشراره، وأوغاده، إن شاء الله ..

 

ايها العرب ..

دائماً، ثمة دروس غنية في التاريخ، تؤشر، باستحضارها، جانباً ما هو ممكن، وغير ممكن، عن الحاضر، في الوقت الذي تنشط الهمة والأيمان في تهيئة القدرة، او استنفارها، لتؤدي دورها، وفق الإطار والتوقيت المناسبين.. وفي هذه المناسبة: الثلاثين من عيد الثورة المباركة، وبمناسبة حديث قسم من العرب عن اجتماعات لقمم كاملة وشاملة، وآخرين عن قمم مصغرة او متوسطة، لبحث قضية فلسطين، او القضايا القومية، بمعناها الشامل .. وعطفاً على خطاب سابق لنا بنفس هذه المناسبة، في تموز 1997 ، عن قضية فلسطين، نقول :

 

لقد اجتمع ممثلو سبع دول عربية في بلودان عام 1945 وأسفر الاجتماع عن تأسيس الجامعة العربية، وقد استمرت الجامعة العربية، منذ ذلك التاريخ، حتى الآن، رغم أن الذين قرروا ذلك هم ممثلو سبع دول فقط ، هي الدول التي كانت مستقلة آنذاك وليس ممثلي اثنتين وعشرين دولةً وكياناً، كما هو حال عناوين التقسيم السياسي، او السياسي والدستوري، لوطن الأمة الآن .. ورغم ان مداخلات أجنبية، إنكليزية وفرنسيةً، بصورةٍ خاصةٍ، جرت في حينه لجعل تشكيل الجامعة العربية بديلاً عن الوحدة العربية، التي كانت الجماهير العربية ترفع شعاراتها بقوة، وتدعو إليها، وتهز كراسي الحكم بها، وبقايا الاستعمار في الوطن العربي الكبير، لم يستطع الاستعمار القديم ان يتحكم في مسارها اللاحق، لأن الجماهير القومية، وشعاراتها ونضالها العظيمين، كانت باتجاهٍ مضادٍ لإرادة الاستعمار، وهكذا حافظ الحال على الجامعة العربية، وأبقى قدراً من الحماسة قائماً لعقد مؤتمراتها، بما في ذلك مؤتمرات القمة منها .. ولو لم يكن موقف الجماهير العربية بهذا الوصف لألغيت الجامعة العربية، في مراحل سابقة من مسارها، بعد ان فشل الأجنبي في أن يجعل منها مشروعاً استعمارياً قابلاً للإنجاز كبديلٍ عن الوحدة العربي الغراء .

 

وفي عام 1967 بعد نكسة 5 حزيران، اجتمع العرب في الخرطوم، ولم يضع الاجتماع كل   المسؤولين العرب، على مستوى الشخص الأول، او الأشخاص المباشرين بعد الشخص الأول، ومع ذلك، فقد اتخذ المؤتمر قرارات من بين أهمها قرارات شكلت قاعدة لصمود عربي هيأ، لاحقاً، إمكانية التحول الى التصدي للعدوان ، وللمخطط الصهيوني الأمريكي ضد فلسطين، وضد ديار العرب ، وسمي آنذاك بـ (مؤتمر اللاءات الثلاث) ، وكان هناك من يغمز ذلك المؤتمر بطرف عين، ومع ذلك، فقد شكل رفض الهزيمة، وإصرار مصر عبد الناصر على التحرير، القاعدة السياسية والنفسية للموقف العسكري في عام 1973 .. وقد حصل هذا لأن الجماهير العربية ساندت إرادة القرارات، التي صدرت عن القمة آنذاك، ولأن عبد الناصر، رحمه الله، بما له من وزن وطني، وقومي، ودولي، كان يدفع الى تلك القرارات...

 

وهكذا بقيت تلك القرارات صامدة، حتى خرج السادات على الصف العربي، بموقفه المعروف عام 1977، ورغم هول الصدمة التي أصابت الجماهير العربية، فقد التأمت، في بغداد، قمة عربية عام 1978، لم تحضرها مصر، ولم يحضرها عدد من ممثلي الدول العربية على مستوى المسؤولين الأوائل، ومع ذلك، ولأن انعقادها، وما ينبغي من موقف الحد الأدنى، قد التقى، او جاء، على أساس رغبةٍ عربيةٍ قوميةٍ، أساسها الموقف الشعبي العربي الواعي، فقد اتخذت قرارات عديدة، طُبق قسم حيوي منها، وشكل القاعدة الأساس، نفسياً وعملياً، في صمود آخرين، وعدم انهيارهم، مثلما كانت تتوقع الصهيونية، ودهاقنة الإمبريالية، بعد موقف السادات ذاك ..

 

وفي عام 1973، على هامش حرب تشرين العربية ضد الكيان الصهيوني ، دعا عدد قليل من الدول العربية الجهات الدولية المؤثرة الى موقفٍ منصفٍ، أو في الأقل يمثل الحد الأدنى، الذي بعده يكون السوء طوفاناً، و إلا اضطر العرب لان يدخلوا مصلحة الأمن القومي العربي في اعتباراتهم، وعلاقاتهم النفطية، والاقتصادية بوجه عام مع الأطراف المعنية.. ولان الإرادة الجماهيري كانت مع تلك الدعوى، التي لم تتجاوز الإعلان في سياسة القسم الأكبر من الدول العربية المعنية، أو لأن تلك الدعوى كانت تمثل جانباً من صميمية الموقف الجماهيري العربي، فقد كسب العرب الموقف في هذا الميدان، من غير تضحية جديةٍ كان عليهم ان يقدموها في حينه ..

 

وفي عام 1980 زرنا السعودية، بعد ان ضغط الكيان الصهيوني على الدول، التي لديها تمثيل دبلوماسي فيه، لكي تنقل ممثلياتها، وسفاراتها القدس، بعد ان كانت في تل أبيب، وأعطاها مهلةً قصيرةً، و إلا يصار، بعدها، الى قطع العلاقات، وإلغاء التمثيل الدبلوماسي، وقد استجاب عدد من الدول لهذا الضغط الصهيوني ولكن بمجرد ان اتفقنا مع الملك خالد، رحمه الله، ووثقنا، معاً،ذلك الاتفاق في بيان أعلناه، بعد الاجتماع مع الملك فهد، الذي كان ولي عهد آنذاك، لم يتوقف نقل السفارات الى القدس، وحسب، وإنما أعيدت الى تل أبيب حتى السفارات التي كانت قد نقلت الى القدس من قبل .. ومن ذلك ترون كيف افلح إعلان مقتضب من دولتين فقط من دول العرب، هما العراق والسعودية، في زيارة اعتبار الأمة، وهيبتها بين الأمم ذلك لان ذلك الإعلان، وان كان قد صدر مشتركاً من دولتين فانه كان بمعانيه يمثل إرادة الأمة كلها، وإرادة الشعب كله، ولان الإعلان قد استند الى قرارٍ راسخٍ في النفوس بأن إنذار الدولتين لمن يستجيب للإنذار الصهيوني هو إنذار جاد، وهو للتطبيق وليس للدعاية، أيقن المعنيون ان الدولتين ستعيدان النظر في العلاقة معهم، وقد يتبع كل العرب ذلك فيما بعد، ولذلك استجابوا فوراً بالامتناع عن نقل سفاراتهم الى القدس، بل حتى من نقل سفارته الى القدس قبل ذلك الإعلان أعاد نقله الى تل أبيب بعده ..

 

وفي عام 1990، التأم اجتماع العرب في قمةٍ عربيةٍ انعقدت في بغداد، لم تحضرها سوري، رغم ان الدعوة وجهت الى المسؤولين فيها، ولم يحضرها على مستوى الأشخاص الأوائل عدد من العرب ، ومع ذلك كان لقراراتها دوي مؤثر على الكيان الصهيوني وصانعي، او تابعي سياساته العدوانية، وكانت الجماهير العربية قد تجاوبت مع قراراتها، بما هو محسوس كأعلى مراحل التجاوب وأوسعها، بل إن الثقة كانت ملموسة فيها، وكثيراً من الآمال منعقدة عليها من جانب الجماهير العربية، بمجرد ان تقرر انعقادها، وقبل إذاعة ما أذيع من قراراتها، حتى كانت لتلك القرارات، والموقف، وطبيعة الأدوار والمواقف المعروفة فيها، رد فعل انعكاسي في خطط أصحاب المؤامرة السوداء، التي سبقت شهر آب من عام 1990، ضد بغداد، ورجالها، وموقفها، وسياستها، وقدرتها، فكان العدوان الثلاثيني الغاشم ..

 

أيها الأخوة العرب ..

وفي عام 1996، عقد العرب المعنيون اجتماعاً على مستوى القمة، التأم في القاهرة، وكان من أهم قراراته تسهيل مهمة أمريكا، ومن ساندها، في إدامة الحصار على العراق، تحت لافتة التشديد على ضرروة أن يطبق العراق ما سمي بقرارات مجلس الأمن، وكأن العرب المعنيين قد تحولوا ليقوموا بدور احد مكاتب الأمم المتحدة، نيابة عن أمريكا .. واتخذوا أيضا قراراتٍ أخرى، منها ما أعلن تحت لافتة القضية الفلسطينية .

 

فماذا حصل بعد اجتماعهم ذاك؟ وهل اهتزت شعرة في رأس أي معني في الكيان الصهيوني ؟ أو اهتم البيت الأبيض، صانع مستلزمات الاحتلال، والعدوان، والتوسع الصهيوني على العرب وعلى حسابهم ؟ وهل كان لتلك القرارات أي اثر ايجابي في ضمير العرب، ومن حافتي المحيط الأطلسي والمتوسط، حتى حافات الخليج العربي، وأعماق الجزيرة العربية ؟

 

ان الجواب على هذا واضح لدينا، بما يكفي للجزم المستقر على يقين لا تهزه الالفاط المنقمة لأي كان. ولكن هل هو واضح للمسؤولين عن ذلك المؤتمر ، الذي انعقد في القاهرة، مستغنيا عن المعاني التي تمثلها بغداد الآن في موقف العرب وتاريخهم؟ وهل كان المؤتمر عندما يبحث قضايا العرب ينظر بنظرة متفحصى الى طبيعة هواجس الجماهير العربية وموقفها ؟

 

ان العودة الى جانب من الماضي القريب قد تنطوي على شيء من الحرج لبعض العرب، ولكننا لا نقصد ذلك بحد ذاته أبدا، غير أننا في اشد الحاجة لتلك التساؤلات المباشرة، سواء منها ما هو لنا او علينا، فنحن تحت عناوين الحكام، او القادة، كل حسب وصفه، أحوج ما نكون إليها، بصفتنا هذه، مما نحن بحاجة إليها لو كانت صفتنا مجرد مواطنين، عاديين في أقطارنا .ولأن جدران قصور الحكم، في اغلب الأحيان، ليست شفافة، ولأن هذا الوصف الموضوعي لها، بوجه عام، ولكي يكون أي منا قريباً من إرهاصات، وتطلعات، ورؤية الشعوب، فلا بد ان يكون ضميره شفافاً، وحياً، ومبادئه كذلك . ولأن أحوج ما يحتاجه الضمير الشفاف والحي، والمبادئ الشفافة المعبرة عن حقيقة الأمة، هو الحقيقة، كما هي، فان الحديث فيها، وعنها، والتساؤل فيها، وعنها، منا، أو من غيرنا بصوت مسموع، هو عمل وطني وقومي شريف، بل هو واجب ديني مقدس !

 

نعود لنقول ، ايها الإخوة العرب :

إذا كان البعض يأخذ رأي أمريكا مسبقاً ، او يدخل رأيها في القبول، او عدم الرضا، في انعقاد، أو عدم انعقاد القمة ومكانها وكيفيتها، فكيف نتصور تصرفه إزاء جدول الأعمال، ومنحى قرارات المؤتمر، وبخاصة تجاه قضايا من الواضح أن لأمريكا رأياًً واضحاً ومحدداً سلفاً تجاهها، وإن هذا الرأي منحاز وليس حياديا، وانه على حساب العرب، وليس في موقف الوسط بينهم و بين عدوهم ... !؟

 

" لقد جامل بعض العرب أمريكا، وسار كثر منهن على أمل أن تراعي صداقته لها،وتضحياته من اجلها، خلال عقدين او ثلاثة عقود، وبقيت فلسطين، وأراضٍ عربية أخرى، محتلة، وبقيت ثاني القبلتين المطهرتين : القدس محتلة، ومع ذلك ، هنالك بين حكام الإسلام، وبعضهم عربي ، من يقول انه مسلم، يمثل شعبه، ويؤمن بكتاب الله : القرآن الكريم، ولا يشعر، مع ذلك، أيضا، بحرج وبجرح غائر في قلبه وصدره، لأن القدس محتله من الصهاينة ظلماً وعدواناً . أليس هذا تناقضاً مع الحق، والحقيقة، والمسؤولية، والإيمان ؟ " .

 

ايها الأخوة المسؤولون العرب:

لقد علمتنا  تجارب ثلاثين عاماً من النضال، والجهاد، والبناء في الحكم، وقبل ذلك، ما هو معروف في سفر النضال السري، وما نحمل من معاني المبادئ العالية، التي آمنا بها، ولم نساوم عليها، إنا الحكمة هي ان يستزيد من يمكّنه الله ليكون على قدر من القدرة، ويتكل على الله، ولا يستغني عن ابسط الناس في عواطفهم، او قدراتهم ، او رأيهم إنجازا لهذا .. لأن الأهداف كلما كانت عالية ، تطلب لإنجازها، حشد أوسع وأعمق، لا يستغني المسؤول فيه عن الصغير، والكبير، ومن كان على الحافة الأمامية منهم، او في الأعماق البعيدة من مكان المنازلة، ومع ذلك، فإذا وجدتم، بعد كل هذا انه الأفضل للأمة، وان هذا يستجلب حماسة أبنائها لان تعقدوا قمة، أو أي تدبير بجزء من قدرات الأمة فحسب، وليس بكل قدراتها، لتستخلصوا حقوقها المغتصبة، وتحصنوا ما ينبغي تحصينه من حق ثابت، لتدرأوا عنه غوائل الطامعين، والحاقدين، وأصحاب الهوى، فإن ذلك يفرحنا كثيراً، لأنه يؤكد ان الأمة بخير، كما نثق بها ونراها والأهم، أنكم ان تمكنتم فعلاً، أو تمكن قسم منكم فحسب، من تحقيق هذا، وفق موجبات الحد الأدنى مما يرضي الله و الأخيار من أبناء الأمة، فهذا يؤكد،  على رؤوس الأشهاد، إن المعنيين الأساس فيه جزء حي من أمتهم، ولا بأس، عند ذلك، في أن يكون استغناؤكم عن قدرات بغداد تهرباً من تلك القدرات وفاعليتها، أو إهمالا لها، وإنما محض التفاتة محاربين، لتستريح بغداد الى حين،  بعد شوطها الطويل في الجهاد،  حيث يكون هناك من يسد مكانها في جبهة الجهاد المشرّفة هذه،  وان كان هذا،  حتى على وفق هذه الكيفية ودوافعها،  على يرضي بغداد، وأهلها، ومحبيها، وشعب العراق العظيم ، الذي لم يقف يوماً موقف المتفرج، ولم يرتضِ لنفسه استراحة محارب، على هامش ساحاتها، عندما يشتد أوارها،  أو عندما يكون في الأمر ما يستوجب التذاكر والمشورة .

 

ولكن عليكم، أيها الإخوة، أن تتذكروا حكمة مستخرجة من هذا السِفر الخالد البهي : من أراد أن يهوّم على العدو بسيف، لا يقصد استخدامه إلا مضطراً، فيهوّم عليه، بلا تردد، بسيف مجرب مشهود له ..

ومن أراد حكمة، فليسأل مجرباً ..

ومن أرد أن ينذر عدوه، فلتكن قدراته مرئية من عدوه، بما يتيح أمامه فرصة الاختيار قبل التورط ..

ومن أراد استخدام القوة فعلاً على عدوه، بعد اضطرارا لا بد منه، فليزج في ساحاتها، رجالاً يكسبون قسماً من المعركة بعناوينهم، ويكسب القسم الآخر سيوفهم الأصلية ..

ومن الله التوفيق ..وعليه نتوكل ، أولاً ، و آخرا ..

والله اكبر ..

 

ايها الإخوة العرب ..

لقد حاول بعض المسؤولون العرب خلال السنتين الماضيتين، على نحو مفجع، ان يزوّروا الحقائق، سواء عن قصد، أو جهل منهم بعوامل، وأسباب الصراع بين العرب وكيان مغتصب لمقدساتهم، وأرضهم، ويهددهم بأقسى ما يمكن أن يكون عليه التهديد القاسي للحياة، وللسيادة، والأمن، بل ويستخدم عليهم ، كلما وجد، وحيثما اتيحت أمامه فرصة لاستخدامه ضد شعبهم وارضهم . ولعل أحدا لا ينكر المعاناة القاسية التي يعانيها شعب فلسطين الجريح المجاهد، وشعب لبنان المناضل، والشعب العربي في الجولان المحتل، جرّاء استهتار الكيان الصهيوني بأبسط مقومات الحق، حتى بمنظار غير العرب، أقول راح بعض المسؤولين العربي يحوّلون، علنا وصراحة حقيقة الصراع بين العرب، والكيان الصهيوني المغتصب المعتدي ، وما فقدوه جرّاء اغتصابه وعدوانه، من معان عظيمة، الى اختلاف في السياسات فحسب، وصاروا يصغرّون ويقزّمون ميادين ومعاني الاختلاف هذه، ليصوروها كأنها بين بعض حكام العرب ونتنياهو، وعلى مسائل تكتيكية مرحلية، فرعية، فحسب، وليس على قضايا أساسية، إستراتيجية، مصيرية تهم الأمة كلها، وبذلك استسلموا أمام عدوهم مسبقا، لان الصراع الذي ينادي فيه طرف بكامل أهدافه، ويفصح عنه للوسط المطلوب منه التضحية من اجله، وإعداد مستلزماته الاستراتيجية، لتنجح أمام طرف يخفي، او يتنازل عن الكلي، ويعلن الجزئي فحسب، ولا يطلب من حشد للقوى والامكانات إلا ما يتكافاء مع الجزئي فحسب، سينهزم فيه الطرف الأخير لا محالة، بل هو مهزوم فيه ابتداءً، نفسياً وفعلياً، قبل الدخول الى ساحات منازلاتها، وهذا ما عليه حال بعض العرب، الذين راحوا يستجدون عطف الإدارة الأمريكية المنحازة، لتعاونهم، فتضغط على نتنياهو، لتستعيد تواصل البحث في ما سمي بالحل السلمي، وفق قرارات مدريد واوسلو فحسب، وان لعناتهم لا تنصب إلا على نتنياهو، وتعضد غفلتهم هذه الادراة الأمريكية الصهيونية، بما يمكن ذرّه من رماد في عيون بعض العرب من حين الى آخر . قد يقول قائل ان المتكلم لا يتقن فن التكتيك، وان التناول العربي وفق هذه الكيفية يمكن ان يكسب العرب أصدقاء في العالم، في الوقت الذي يخسر فيه الكيان الصهيوني. وأقول تعليقا على ذلك : ايها الإخوة العرب ... ان التكتيك ليس (فهلوة)، وليس أسلوبا سحريا في السياسة الدولية اليوم، وإنما هو فعل موزع على القدرة والزمن، بما يخدم الإستراتجية الموضوعة لميدان، وهدف، او أهداف، او فعل محسوب لزمن محدد في ضوء قدرة، يجري تخصيصها وحشدها في الميدان، لذلك فهو، أي التكتيك، جزء من إستراتيجية معلومة ومفهوم على مستوى الحكام والشعب، ومن غير ذلك، لا يمكن ان ينجح التكتيك . هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فان العدو يتقن فن التكتيك، ويتقن التعامل التكتيكي والاستراتجي مع أوساطه الجماهيرية، ومع أعدائه وأصدقائه، ويتقن فهم طبيعة السياسة الدولية في هذا الوقت، مثلما في السابق، لذلك، فهو لا ينتظر ان تفضي له السياسة الدولية بما يتمناه طوعا، او يعمل على الحصول عليه، وإنما ينتزعه منها، بل ويقسرها على ان تستخدم عليكم جانبا من مفاهيمه وأهدافه، لتقدموها بلا معركة معه، وبلا استنزاف له، لذلك فان العدو لا يخسر شيئا أبدا تجاه هذه السياسة، او بالاحرى اللاسياسة .ولأن العدو يتقن فن استخدام التكتيك، كجزء من إستراتيجيته، لذلك فهو يعرف ان الهدف الذي تدافع عنه ينبغي ان لا تكون أقدامك على حافاته النهائية المقابلة له فحسب، وإنما ان يكون خلفك، ليكون مضمونا أمام هجمات المقابل، ويعرف العدو، ان أي هدف تنتزع عنه صفة القدسية، والمصلحة العامة الجاذبة للشعب والأمة لا يمكن ان تحشد له قوة قادرة على انتزاعه من الطرف المقابل ومواجهته مواجهة مؤثرة، لذلك نراه، دوما، يطرح أهدافا أعمق، واكبر، وأقسى من الأهداف التي تتحدثون عنها وتطالبون بها، ويعبئ قواه على المعلن وغير المعلن منها ويتحسب ويحسب تحالفانه على هذا الأساس ...

 

فعودوا الى الحق كما هو، أيها الإخوة ، يعود الحق إليكم، برعاية الله، كما هو أيضا..

وعند ذلك يكون التكتيك ناجحا .. وعند ذلك أيضا، فان أي سياسة، مهما فات العرب مما هو فرعي فيها، لا تجعلهم يخسرون حقهم التاريخي، في ظل متغيرات لا ينتظر فيها الزمن العاجزين، والضعفاء، الى ما لا نهاية، ليمدهم بمكاسب جاهزة .

 

ومع ذلك، فان بغداد العرب والإسلام، بغداد المليئة غيرة على المبادئ والمثل العليا للأمة، والمحبة لأبناء أمتها، لا ترتضي لنفسها ان تكون سببا، او ستاراً وحجة لعرقلة انعقاد اجتماع جدي للعرب، على مستوى القمة، ليقرروا فيه ما يجعل الأمة في حالة أفضل إزاء نفسها ، وتجاه محبيها وأعدائها .. المهم، ان تجتمعوا، وان يكون اجتماعكم على هدف، وان يكون اجتماعاً جدياً ، ايها الأخوة، لتقرروا، في شؤون أمتكم، ما يرضي الله وأبناء الأمة ...  وان تتدارسوا أموركم بحكمة، من غير ان يلهيكم او يعوق موقفكم إزاء واجبكم، عائق، او هوىً...

 

وان تكون اجتماعاتكم منتظمة، ومحددة سلفا، مكانا، وزمانا، في كل مرة، وبغض النظر عن الاختلاف، او الاتفاق، في هذا، أو ذاك من الأمور ... وعند ذلك، فإنكم تمدون أنفسكم بسبب من الأسباب القوية، لتكونوا جزءاً حياً في أمتكم ، وتكون أمتكم ذات شان أعلى، وحال أفضل .

 

ايها العرب النشامى ..

ان العراقيين يعرفون أنهم يدفعون ثمن أي وقفة حق، وأي قول حق، وان ثمن وقفة الحق، والكلام عنه ألان ليس اقتصاديا ليلغي اتفاقاً او مساعدة، او دبلوماسيا لتضعف العلاقة بين بلدين او أكثر، او ثقافياً، او شيئاً من هذا فحسب، ونما كل هذا مغمسا بدم طهور للشهداء الأبرار، ولكنهم، أي العراقيين ، أيضا يعرفون، وكل منهم يذكر الآخر، ولا ينسى "بأن التضحيات ينبغي ان تكون على مستوى ألاماني، والآمال، والأهداف، بل وينبغي ان يستعد أصحابها للمستوى الذي يناسبها، وان لا طريق أمام الذين يقصدون الذرى، وليس الوديان الآسنة، غير مستواها من التضحية"، وان لا خروج من أي محنة او مأزق يسببه الأجنبي الإمبريالي الطامع، او الأجنبي المحتل الغاصب، بالبناء على الأرض الواطئة، لأن السيل سيجرفها، لتغدو غثاءً وان العدو المغتصب والطامع لا يفهم الحقيقة، ويستجيب الى ما هو حق وعدل بالإذعان المتخاذل ، وإنما بالوقوف وقفة عز مشهودة، والتهيؤ على هذا الأساس .. وعند ذلك قد يتراجع الأجنبي، من غير دماء، أما مواقف الإذعان المتخاذل فلا تخرج أيا من مأزقه، او المأزق الذي وضع فيه، ولا تفتح للمحنة أبواب عز، تجعل القدرة خارج إطار من يطوقها

 

ويسومها سوء العذاب، او يبدد عناوين مكوناتها، والعراقيون يرددون قول شاعرهم الكبير كمال الحديثي :

                         وما نجى الحبارى من هوان

          إذا فرت تلاحقها الصقور

                         وتزدهر الحياةُ على اخضرار

           ويفنى من لهُ عمرٌ قصيرُ

                          ونلقى من مواردنا شتيتاً

          يُخيرُ حين تختلطُ الأمور

                          ونخطبها كما شئنا ونمضي

               فنشربُ صفوها وهو الأثير

والله اكبر ..

 

ايها الإخوة العرب ..

ان الموقف الثابت على أرضية الحق وأهدافه يقربنا من ضمائرنا، او يقرب ضمائرنا منا، ويجعلنا جزءاً حياً من شعبنا وامتنا، نمده بأسباب إضافية في الحكمة والقدرة والمحبة، والاهم انه يقربنا من صاحب القدرة والحكمة المطلق : الله ، الخالق العظيم، ويمنحنا فرصة الرضا، والغفران عنا، وعن أخطاء الحكم التي لا تحصى، ولن نقرب الى ما نأمل اقترابنا منه، او اقترابه منا، إلا بان نكون جزءاً حياً في الضمير الجمعي العربي، وان يكون هاجس الجميع هذه الاعتبارات، وليس رضا، او عدم رضا، هذا او ذاك، من أعداء الأمة، والمستهينين بقدرتها ..

 

وعند ذلك، وبالاتكال على الله، والأمة، وليس على أي مسؤول دولي، بامكان العرب ان يعقدوا قمة بمن يحضرها، تستقطب اهتمام وتفاعل العرب، من المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، حتى الخليج العربي، سواء غاب عن القمة، او حضرها هذا او ذاك من حكام العرب والقادة فيهم . وعند ذلك سيتصرف المعنيون بها بثقة، وسيشعرون بمحبة، لم يألفوها من قبل، في عيون وقلوب شعبهم، وسيشعرون بالتقدير، الذي يملأ  أنفسهم ثقة، من دول العالم وممثليها، عندما يشعرون أعداءهم بالمهابة الواجبة ..

 

( ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين )

صدق الله العظيم

عاش العرب ..

عاش أبناء امتنا المجيدة..

عاش العراق ..

عاش العراق المجاهد البطل ..

وعاشت فلسطين حرة عربية أبية ..

والمجد والخلود لشهداء فلسطين .

والله اكبر ..

الله اكبر ..

وليخسأ الخاسئون

 
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الخميس / ١٣ صـفـر ١٤٣١ هـ

***

 الموافق ٢٨ / كانون الثاني / ٢٠١٠ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور