ما الذي يربحه العرب من وحدتهم الكبرى والعدل فيها ..!؟ ١٠ / ٩ / ١٩٩٧

 
 
 
شبكة المنصور
 
في اجتماع للقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، عقد في أوائل أيلول من العام (1997)، اتسع الحوا ر وتشعب حتى أصبحت الوحدة والاشتراكية، مرة أخرى، أحد محاوره الأساس، وبخاصة ما يتصل منها بـ: كيف يمكن أن يتجاوب أبناء الخليج العربي ليتوحدوا في الأمة على مفاهيم وخط فعل مشترك لهذين الميدانين!؟ وبعد أن اطلع الرفيق صدام حسين على الحوار وما دار فيه من آراء وأفكار كان هذا الحديث:


هل يربح أي قطر عربي، وخاصة أقطار الخليج العربي، في الوحدة العربية الكبرى، أم يخسر؟ كيف؟ ولماذا!؟
بغض النظر عن الانجازات، التي ما كانت لتحصل في العراق، الذي نتحدث عنه هنـا بوصفه قاعدة البناء الحضاري لحزب البعث العربي الاشتراكي، لو لم ترتكز تلك الإنجازات، والمواقف العظيمة على فكر البعث العربي الاشتراكي، وأهدافه المركزية الأساس.. في الوحدة والحرية والاشتراكية.. ففي غضون السنوات العشرين المنصرمة، حصلت تطورات أفرزت ظواهر كثيرة في امتنا العربية، ووطنها العربي، أثارت أسئلة عديدة، من بينها، مثلاً، إن دخل الفرد في دول الخليج العربي، وإماراته، قد ازداد لدرجة تنامى فيها نوع من الأنانية، في أوساط بعينها، تجاه العروبة، والنضال العربي، وبخاصة هدفا الوحدة والاشتراكية فقد أصبح بعضهم يجد أن الحديث عن الوحدة العربية كأنه مدخل للاستحواذ والسيطرة على ثرواتهم بالاندماج، وهكذا الحديث عن الاشتراكية.. فكيف السبيل إلى طريق مشترك لهم مع أمتهم، وكل أمتهم، تجاه بعضها البعض !؟


أن الأساس هو أن يعي العربي ويشعر بأنه جزء من أمته العربية، وأن هذه الأمة،التي خصها الله، سبحانه وتعالى، بما خصها به من صفات، ودور مشهودين عبر الزمن، سواء في دورها الرسالي، الإيماني العظيم، أو في دورها الحضاري، القومي، والإنساني المجيد، هي أمة عظيمة، وان أي قطر عربي، مهما كبر، أو صغر، هو جزء من هذه الأمة، وليس الأمة كلها، حتى لو كان متميزا في المساحة، وعدد السكان، وكمية المياه والثروة الطبيعية، أو كان متميزا، عبر التأريخ، بدور، أو أدوار ترتبت عليه، أو اختارها، لينهض بها مختارا، وان انتماءه إلى الأمة شرف كبير له، لأنها تؤكد له جذوره، وليس منقصة عليه، وأنه، أي الانتماء قدرة وعمق إمكانية فعال، وليس عبئا عليه.. إن انقطاع العربي عن أمته شأنه شأن الولد، بلا أب معروف، أو في أقل وصف له، شأن ولد ضال، لا يعرف أين هو من أمه وأبيه. وعندما يكون أي قطر عربي جزءا من عمق الأمة، وتكون الأمة عمقه في التأريـخ والتراث، في الفكر والعمل، في التصور والتطلع، في الماضي.. والحاضر.. فأن هذا يشكل حصانة عظيمة، وسياجا عاليا تجاه الريح الصرصر، ويعطي حافز خلق وإبداع وتأثير، يتسع إلى مساحة، ومدى هذه الصورة، إزاء دافع الفعل والبناء إلى أمام، وليس حالة إضعاف..


وأن إحساس المرء بأنه جزء من أمة من مئتي مليون إنسان، غير إحساسه بأنه مجرد جـزء من شعب، من بضعة ملايين، تتهدده، وتطمع فيه، دول كبرى وعظمى، ودول إقليمية أكبر منه، كإيران وتركيا، في مرحلة تجد فيها حتى دول مثل فرنسا، وانكلترا، وايطاليا، واسبانيا، مثلاً، إن تأريخها، وإمكاناتها، وشعورها الوطني، ضمن حدودها الوطنية، لا تكفي لتجعل منها قادرة على أن تملأ ما يجب من فرصة أو تنتزع ما ينبغي منها، أو تتحصن تجاه من هم أعلى قدرة منها، إلا أن تكون جزءا من اتحاد أوسع، ضمن محيط القارة الأوربية، مع إنها أمم شتى، وليس أمة واحدة، ومع كل ما نعرف عن الحروب الكثيرة التي خاضتها الدول الأوربية ضد بعضها، والتي سال فيها ما سال من دماء..


إذن، الأساس هو أن يشعر العربي بأنه عربي، ليس في الشكل، أو الاسم العام وحسب، وإنما في الانتماء، وأن يعي أن الانتماء، حتى يكون أصيلاً، يجب أن يرتب وعياً والتزاماً أصيلين بواجبات المرء تجاه أمته، وعندما ينشأ وعي أصيل وعميق، سيجد العربي أن الوحدة العربية حماية لوطنيته الصادقة، لأن الانتماء القومي الأصيل يهيء له عمقاً عظيماً، يحمي الثروة، ويحفظها من أن تتبدد على أبواب صرف لا موجب لها، وينميها، ويجددها، ولا يضعفها، سواء في نشاط التجارة، أو الزراعة، والصناعة والخدمات، ويقلص وينظم، أو يلغي الكثير من أبواب الصرف ذات الطابع العسكري سواء في الأقطار الكبيرة أو الصغيرة.. لذلك، فأن الانتماء الأصيل، والروابط القومية، ليس خسارة في نهاية المطاف، وإنما مكسب حتى للأقطار التي تقدم، من أجل عروبتها، تضحيات سخية.


ثم، هل أن على العربي لكي يكون عربياً أصيلاً، ويؤمن بأهداف الأمة، التي لابد منهـا، لتكون الأمة عزيزة الجانب، قوية البنيان، كما في الوحدة بين أقطارها، أن ينظر إلى ذلك وفق نظرة مجتزأة ومبتسرة، على أساس تساؤل حيادي، إبله وقاصر، هو: أي شيء يكسبه، في الجانب المالي، أو الاقتصادي الأعم، من ذلك الانتماء، آنيا فحسب!؟


إن انتماء الإنسان إلى أمته ليس حالة اختيار من اختيارات متعددة، على غرار من يختــاران ينتمي إلى أمة أخرى، عندما يطلب جنسية دولتها مثلاً، وإنما هو اختيار ثبات وانتماء مصيري، يجد الإنسان فيه كل جذوره، ويرى فيه حاضره، وماضيه، ومستقبله، ويرى، مثلما يرى في أمه وأبيه، أن العلاقة مع أمته قائمة على المحبة، والتضامن المصيري، الذي يستلزم كسب ما هو عظيم، وحتى ما هو جزئي أو كلي في مفردات حياته على أساس هذا الانتماء، وتقديم ما ينبغي من تضحية، أيضا، ليدام الانتماء على قاعدة حيويته وأصالته لذلك، فأن من يبدو له انه يخسر في ميدان ما نوعا من الخسارة الجزئية، يربح في الجوانب الاعتبارية والمادية ربحا عظيماً، هو وأجياله اللاحقة من بعده..


وزيادة في الإيضاح من خلال أمثلة محددة، لو درست إمارات، ودول الخليـج العربـي، مثلا، كم خسرت من تنازلات وفرص، سواء في صلب مصالحها واعتباراتها الوطنية، أو في ثروتها منذ أن ذرت بقرنها ثورة خميني، وحتى مخطط زج دول الخليج وإماراته بالعدوان على العراق، تحت ذرائع معروفة، بما في ذلك سياسة ابتزاز الدول الكبرى لها تحت شتى العناوين، لأدركت كم هو عظيم أن يكون الجزء في عمق ما هو أشمل، وكم هو عظيم أن يكون القطر جزءا حياً من الوطن العربي، وان يكون الشعب، في أي قطر عربي، جزءا من أمته العربية المجيدة..


وفي كل الأحوال، هنالك ثمة فرق بين من يصبح كل ماضي الأمة المجيدة تأريخه وتراثـه، وبين أن يكون مجرد ظاهرة سلبية، أو زاوية ظلماء في الأمة.. بين أن يرتكز على حاضر غير مضمون، وغير واعد في تطوره ومآله، وبين أن يكون جزءا من حال يضمن أن يكون جزءا أصيلاً في ماضيه، ويضمن الحاضر والمستقبل.



أطار مجيد للتفاعل

ثم أن الوحدة العربية التي نؤمن بها، ونتحدث عنها، وندعو لها، ليست حالة اندماج سلبي، حتمي، بين أقطار الوطن العربي، تلغي ما هو عزيز، وضروري من شخصيتها، وإنما هي أطار مجيد ورحب للتفاعل، وصيرورة كبرى، تعبيراً عن قدرات ومصير الأمة، وتطلعها نحو الأعلى، والأرقى، والأفضل.. وأن أبناءها الأخيار سيطورون تجارب العمل الوحدوي بما يجعلها بأفضل ما يكون عليـه الحال، أمام حال التجزئة القائم، وأمام حالة أخرى مرفوضة، هي أيضا، تلك التي ترى إمكانية جمع الأقطار العربية إلى بعضها جمعاً آليا، يبقي كل شيء سلبي وايجابي على ما هو عليه..


وقد يتفق العرب، في أطار وحدتهم، على إقامة أنظمة متباينة في الاقتصاد، ولكنها غيـر متناقضة في الهدف والنتيجة، وإنما يكمل كل منها في خطوة وفعله، خطو وفعل الأنظمة الأخرى في دولة الوحدة، وتصب كلها بما يزيد القدرات تعاظما، في ظل مجتمع الوحدة الذي ينعم بالطمأنينة والعدل. أن الوحدة ينبغي أن ينظر لها بأنها عملية خلق قومي، وأنساني، وحضاري، ليولد عن مخاضها وتفاعله ا، مخلوق أرقى، وليكون الكيان الجديد، المعبر عن هذا، أرقى، وأعلى، وأكبر.. أكثر أمناً.. وأكثر حصانة.. وأكثر عطاء، وقدرة ثبات أعلى، تجاه عاديات الدهر، لا يغفل الحاضر، ولكنه غير خاضع لسلبياته، وغير متردد إزاءها في اتخاذ قرار الارتقاء والخلق العظيمين.. وأن يكون جزءا من الحاضر والمستقبل معاً، إلا أن كل سلبيات الحاضر، وضعفه، ينبغي أن تكون في الخلف، وأن يكون المستقبل أمامه، ومتصلاً اتصالاً حياً به، وبكيانه، ومشاريعه..


وفي الوقت الذي تستلزم الوحدة لأطرافها حماية كل تلك الأطراف، وتساوي الفرد والقطر في الأمة مع غيره، بغض النظر عن (كبره وصغره) وتمتع الجميع بعمق وميزات الحجم الكبير، والتأريخ العريق والعميق، والتراث الخالد الثر والاعتبار العالي، فأن الجميع، كل من موقعه، وحسب خاصياته، مطلوب منه أن يقدم للوحدة ما يجب وما ينبغي، فإذا كان مطلوباً من فقراء السودان، ومصر، والمغرب العربي، واليمن، وفلسطين، مثلاً، تحصين سياج دولة الوحدة بأرواحهم، عندما تتعرض للخطر، هي أو أي جزء من أجزائها، فأن أي واحد من أبناء دولة الوحدة، بما في ذلك أقطارها، أو أجزاؤها السمينة، التي لا تمكنها سمنتها وقلة عدد سكانها من دفع الخطر بالقتال، كما ينبغي، عليها أن تدفع لفقراء الأمة، كما يجب.. وأن هذا ليس ضريبة مال، أو حالة فرض قسري، وإنما استحقاق انتماء، إذ لا يجوز أن يعيش الأخوة تحت خيمة واحدة، ومصير مشترك، ويكون قسم منهم جائعا إلى حد الموت، فيما يعيش آخرون متخمين إلى حد الموت..


ومن المفارقات الملفتة للنظر، أن دهاقنة التنظير المنحرف، سواء من المحسوبين من مواطني الأمة وأقطارها، أو الأجانب من عناوين وأوكار الدبابير السامة، في الوقت الذي يتحدثون عن العالم، الذي أصبح قرية صغيرة، حاميها، وعاليها، أو حراميها، هو الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت الذي يروجون لفكرة الأممية الامبريالية، التي تقودها الولايات المتحدة تحت ذريعة القبول بالأمر الواقع، بما في ذلك الدعوة لتقديم تنازلات في كل شيء، ومنها مئات المليارات من الدولارات التي قدمت، والتي مطلوب أن تقدمها دول الخليج النفطية، ودول عربية أخرى، تحت هذه الذريعة، أو العنوان الشكلي، أو ذاك، وفي الوقت الذي يسفّهون إمكانية الاحتفاظ بأي مسافة بين الخضوع لإرادة الآخرين، بما في ذلك ما تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية من قرارات جائرة على أقطار بعينها، في الوطن العربي، وبين الاستقلال والكرامة، ويسفهون أي دعوة للخصوصية القومية والوطنية، بوجه محاولات الهيمنة الإمبريالية الغربية، والأمريكية منها بوجه خاص، فأنهم، في الوقت نفسه، يعتبرون التكافل بين أقطار الأمة العربية وأبنائها، شيئاً مرفوضاً، ويسفهون التلاؤم بين الوطني والقومي، مصورين لأنفسهم ولغيرهم باطلاً، أن الدعوة إلى الوحدة، تجعل الوطنية تفقد معناها إنهم، في كل هذا، إنما يمهدون للإمبريالية، بقيادتها الأمريكية وتحالفها مع الصهيونية للهيمنة، تحت ذريعة الحماية، وللحالة التي لا تستطيع بها الأقطار، والأجزاء الصغيرة، مقاومة إرادتها، وسلطانها والآن، لنقول، مع كل ما تحدثنا عنه: لو وضعت الأمور، بما فيها العلاقات العربية، وشعـار الوحدة العتيد، وفق نظرة الربح والخسارة، التي يتحدث عنها الضعفاء والمشبوهون، لمن ينظر إلى الأمور وفق هذه النظرة، وقيل له: أي الحالات أفضل، أن نتنازل، كعرب، لدولتنا المشتركة، دولة الوحدة، عن جزء من صيغ عملنا المحلي، وما اعتدنا عليه، حتى لو كان ضعيفاً، وغير فعال، وأن نتنازل لها عن جزء من ثروتنا، لنضمن الحاضر والمستقبل معاً، أم أن نتنازل عن هذا، وما هو أبعد منه إلى أجنبي، بصورة دائمة، ومن غير ضمانة أكيدة للمستقبل!؟


أعتقد أن أي عاقل وموضوعي، حتى لو لم تبلغ قوميته، بعد، مستوى النضج والوعـي الكاملين، سيختار أمته، ودولة أمته، في وحدتها، وهذا هو معبر اللحمة، التي لابد أن توصل إلى سداها، وحياكة ثوبها الجميل، الذي يلم روحها بخلق جديد ويدافع عنها، سواء بين أبناء أقطار الخليج العربي، وأقطار العرب الأخرى، أو بين كل الأجزاء والأقطار، بعضها مع البعض الآخر.


وعلى هذا الأساس، يتكون جسر العلاقة والحوار، بل إنه متكون أصلاً، بغض النظر عن شكل المسمى، وسواء كان اسمه البعث، أو عبرت عنه القومية العربية، أو عبر عنها تحت عناوين، أو مسميات، أو حالات أخرى.. إلا أننا نؤمن بأن البعث كنظرية قومية ثورية، وكتجربة يمثل العراق الموقع المجسد لخاصياتها، هو الطريق، الذي سيختاره العرب لوحدتهم، ومصيرهم، للحاضر والمستقبل..



من أجل هذا ناضلنا


فمن اجل هذا ناضلنا منذ نعومة أظفارنا، ومذ كنا طلابا في الثانوية، وجاهدنا من بعد، في كل المراحل..
وفي هذا انتصرنا، في روح فعلنا وتصورنا، على التخلف، وعبرنا إلى آفاق رحبة، كانت ستنفتح أبوابها على إطلالة أوسع رحاباً لولا الحصار.. ومع ذلك، وبقدرات همة المبادئ، وما قدمت مرحلة النهوض من همة، فأن أبواب المستقبل منفتحة بثبات عظيم، وأن حاضر العراق ومستقبله، الذي يقاس على إرادته وإيمانه، أكثر ضماناً وإشراقاً من أي حال آخر، لا يؤمن بأهمية وحدة العرب، ولا يعمل من أجلها. وفي هذا، أيضاً، وشعور بالمسؤولية عظيم، نجحنا في البناء، ودرء خطر إيران عن العـراق، وعن دول الخليج، وعموم العرب، في القادسية المجيدة..


وفي هذا، وعمقه العظيم، واجهنا طاغوت أواخر القرن العشرين.. وواجهنا الحلف الثلاثيني، في أم المعارك الخالدة.. وفي هذا، هزم الشر، وانتصرنا، وسوف ننتصر، بعون الله، تعالى..



هل أن الاشتراكية العربية ضرورية للوحدة ولأبناء أمتنا؟ كيف؟ ولماذا!؟


مع أننا أجبنا عن الكيفية التي نلتقي عليها أو بموجبها، كأبناء أمة واحدة، على أهمية الاشتراكية العربية في مجتمعنا لتتحقق العدالة، من خلال حديثنا عن الوحدة، وما يتصل بها، ولكن، ولأن الاهتمام بالحديث عن أهمية الاشتراكية في الوحدة، وأهميتها في العدالة، غالباً ما تكون أقل من البحث في أهمية الوحدة، كتعبير عملي ودستوري لابد منه، عند إقرار أبناء أمتنا العربية بصدق انتمائهم إلى أمتهم كأمة واحدة.


نقول لأن ما كتبه القوميون العرب، بوجه عام، في هذا المجال أقل مساحة واهتمامـاً، يتوجب أن نتناول هذا الموضوع الآن بشيء من التفصيل، وعليه فأن معاودة البحث في الاشتراكية، تكون من خلال الإجابة عن السؤال: كيف السبيل إلى طريق واحد مشترك مع أبناء الأمة الواحدة، مع أن مداخيلهم القومية متباينة؟.


وربما يضيف آخرون: وأن خط الشروع في تطورهم، ودرجة ما أحرزه التطور من ارتفـاع صعودا إلى مستواه متباين أيضا، بين أبناء أمتنا، وأقطارها، وخاصة أبناء أمتنا وشعبنا في الخليج العربي، بوجه عام!؟


ابتداء، لابد أن نقول إن أصحاب الدخل الأقل، وكل الفقراء، في أمتنا لم، ولن، يصـدر منهم اعتراض جدي على وحدة الأمة، إلا إذا خالط الاعتراض هوى شعوبي، وإلا فأن مصلحتهم تكمن في الوحدة، وخاصة الواعون منهم، وهذا واضح لديهم إلى حد التفاصيل، كما أن شعورهم تجاهها، كأبناء أمة واحدة، شعور اهتمام عال بها، وشوق لإقامة أساسها، وبنيانها، وسياجها، وعلى هذا، ولأن الأمر هكذا، لابد للوحدة من أن تعبر عن هذه الحقيقة ليصبح الحديث عن القومية العربية، والانتماء المصيري إليها صادقاً وأميناً.


ومع أن الأساس في مشروعية القرارات الكبيرة في الأمة هو أن تكون ممثلـة، بصدق، لمصالح، أو لرأي وضمير الكثرة، فأننا هنا نريد أن نعطي اهتماماً بالعدد الأقل من أبناء أمتنا، الذي قد يكون له رأي آخر، ونعاون في زيادة حدة تبصر، وعمق بصيرة المؤمنين بها من الكثرة، لتكون خسائر الوحدة من داخلها على أقل ما يمكن، حتى لو كانت تضحيات الجميع على طريقها، لتصبح قائمة، وعلى طريق المحافظة عليها، سخية وكبيرة..


أن التفاوت في المداخيل حالة قائمة داخل العوائل الكبيرة من جد، أو حتى من أب واحد، وداخل القرى المتكونة من أفراد ينتمون إلى عوائل شتى.. ومثلها داخل المدن الصغيرة في القطر الواحد، أو الدولة الواحدة، وأن هذا لم يقف حائلاً، طالما بقي في إطاره المتوازن، أمام وحدة البلد الواحد، أو القطر الواحد، وعمل أبنائه الوطني المشترك، حتى لو تباين بينهم مستوى الدخل، وتباين التطور، ونجد هذا في الكثير من دول العالم، وفي وحدة أجزائها، عندما تتوحد، ولدينا في السنوات الأخيرة أمثلة منه، حيث توحدت ألمانيا، رغم أن غربها هو القسم الأكثر تطورا، وشعبه الأعلى دخلاً، وتوحدت هونغ كونغ مع الصين، رغم ما هو معروف عنهما من تباين في الدخل، ومستوى التطور التقني والعلمي.


وأن وجود طريق مشترك يسلكه الجمع الوطني أو القومي، مع ما في كليهما من تباين فـي الملكية، أو مستوى التطور، حالة معروفة منذ ترسخت لدى الإنسان فكرة الحيازة والملكية، عبر تطور المسار الإنساني، إذن، إن التفاوت في المداخيل، وبالتالي في نوع، وحجوم، ومساحة الملكية أمر قائم داخل كل المجتمعات التي استقرت على قاعدة تطور، تنطوي على قدر معقول من الثبات، ومنها العراق الحديث أيضا، ومن ذلك نرى أنه ليس أمراً غريبا أن تضم دولة الوحدة مثل هذه الظواهر، سواء كانت تلك الظواهر والحالات متمثلة في أشخاص بعينهم، أو في حدود إدارية موزعة عليها دولة الوحدة، عندما تأخذ فيها الاعتبارات الوطنية، أو المحلية، دورها في ذلك التوزيع، وتسمى فيه أقاليم في الوحدة، أو أية تسمية لها وفق ظرفها.



ولادة ايجابية


ولكن، وإلى جانب هذه الحقيقة، ينبغي أن نقول إن أي مجتمع، عندما تبنى فيه هــذه الحقائق على جور، أو عدم استحقاق الصراع، وأعني بذلك حقائق تفاوت المداخيل، وكنتيجة لها تفاوت الملكية، بما يؤدي إلى شعور الأغلبية بالغبن الفاحش، فأن الصراع ينشأ فيه وما لم تحل دولته الصراع، فأن المحرومين وآخرين من أصحاب الفضيلة من غير المحرومين، تحت ضغط اعتبارات روحية وأخلاقية، وتحت شعور المسؤولية، في إطار موجبات وشروط التضامن المقدس، سيجدون أنفسهم مدفوعين للبحث عن سبيل لحل هذا التناقض الصارخ بين الاستحقاق وعدم الاستحقاق، بين الفرصة المشروعة وغير المشروعة، وبالتالي بين الحق وغير الحق، أي بين الحق والباطل، وعندما لا يجدون أن المؤسسات الدستورية المسؤولة مركزياً عن دولتهم قادرة على تقديم حل، وتضع حدا لهذا أو ذاك، من هذه، أو تلك، من الظواهر والحالات المنتقدة، سيبحثون عن سبيل آخر.. وسيكون السبيل، في نهاية المطاف، الرفض العام، فالثورة، وإذا لم تكن الثورة هي النتيجة في بحثهم عن الحل، بعد أن يخفق طريقهم إلى حل، من خلال المؤسسات الدستورية القائمة، فأن تفكيرهم، وسلوكهم، ومواقفهم سوف تطبع بالطابع السلبي، وقد لا يهمهم، أو لا يهم قسما كبيرا منهم حتى أمن مجتمعهم الخارجي والداخلي، ولا دولته، ولا تقدمها، أو تأخرها، ولا شموخها وعزتها، أو تدهور مكانتها ووزنها، أو يضعف فيهم الشعور الايجابي إلى حد يغيب فيه التقدير الصائب بأن مثل هكذا شعور هو من عناصر النهضة القومية، وفي غاية الضرورة له.


ولأن دولـة الوحدة، كما قلنا، عملية خلق لولادة ينبغي، بل يجب، أن تكون إيجابية، فأن أيلولة الأمور فيها، لتطبع بالطابع السلبي، تعد خسارة كبيرة من الناحية النفسية والفكرية، وقد تنطوي على مستوى خطير من الشعور الذي يهدد الوحدة، ولذلك فأن الاشتراكية العربية، ومضامينها العملية في سياسة استخدام المال العام، والتضامن والتكافل الاجتماعي، واجبة، ليس للأسباب التي مّر ذكرها، وأخرى سنذكرها لاحقاً فحسب، وإنما من أجل أن تبقى الوحدة أيضاً، لذلك فأن الاشتراكية وسيلة، ليس لخلق حياة جديدة تسودها المحبة داخل أبناء الأمة الواحدة فحسب، وإنما هي وسيلة دفاعية لكي يكون سياج الوحدة عاليا، ولا ينطوي على ثغرات تستغل لغير صالحها من أعدائها الخارجيين والداخليين..


ولكي لا تزفر زفرة الموت روح قسم من اليائسين من أبنائها من خلال تلك الثغرات، فتقـع في الخارج في شباك المتصيدين من الأجانب، عندما يصيبهم اليأس في إمكانية سد، أو رتق، الثغرات فيها..


ولأن الوحدة ودولتها حالة ايجابية ناجمة عن حالة خلق مجيد، وتمثل عظيم لتأريخ أمتنـا وتطلعها المشروعين، لمعاودة دورها القومي والإنساني، الروحي والحضاري، فأن الحرص عليهـا يقتضي، من بين أهم ما يقتضيه، أن يسود مجتمعنا العدل، وأن يشعر أبناؤها فيه بأنهم سواسيـة أمام الفرص، سواسية في رعاية دولتهم لهم، طالما تساووا في العطاء، والموقف، والفعل، وتحملوا، بشرف، الواجبات والالتزامات المقررة عليهم.


لذلك، وبما أن الاشتراكية، في جانب من مفاهيمها الأساس، هي العدالة الاجتماعية فـي ميدانها الاقتصادي والثقافي والتربوي.. الخ، وأن العدالة الاجتماعية لها جذور تمتد في مجتمعنا العربي إلى أول ثورة نبوة ورسالة قام بها الرب الرحيم، ضد التفكير، والسلوك، والفعل غير العادل للإنسان، أو هي فعل الله ليعّلم الإنسان العدل الذي لم يكن بعد قد ارتقى إليه تفكير وسلوك وفعل الإنسان آنذاك.. وفي أي من الحالين، أو في الحالين معاً، ولأن الأمة العربية لم، ولن تكون، وكيل إخراج كمركي لبضائع غير نظيفة، وإنما هي وكيل أمانة وفروسية لحمل رايات، وكتب، وتعاليم الله، سبحانه وتعال، عبر كل الرسالات، والأوامر، والتعاليم، والكتب التي حملها أنبياء الله إلى الإنسانية، فأن ما يمارس في أي زاوية مظلمة من زوايا البشرية في أمم أخرى خارج أمتنا، مما هو مرفوض وفق قياسات تراث أمتنا، ولا تصل المعارضة له هناك إلى حد الثورة، لا ينطبق على تفكير أمتنا، وبنائها النفسي، وموقفها، وبالتالي فعلها أو رد فعلها إزاءه، لذلك، ولهذه الأسباب، وأسباب تتقدمها في الأرجحية، وسبق الموقف المبدئي والأخلاق يعليها، ولأن كل عربي مكلف بأن يعدل الميل، ويكون النموذج الطيب الذي يقتدى به، وليس نموذج سوء في الإنسانية، فأن مجتمعه، وبخاصة مجتمع الوحدة فيه، لأنه مجتمع ارتقاء وليس هبوط إلى الحضيض، ينبغي أن يسوده العدل في الحقوق والواجبات.. وأن العدل لا معنى له بين أبناء الأمة الواحدة، والشعب الواحد، والدولة الواحدة، إذا ما نصت عليه الشرائع الوضعية فحسب، أو اهتدي إلى تفسيره النظري في الشرائع السماوية، وردد ترديداً ببغاوياً فحسب، وإنما لابد له، عندما يراد له أن يكون جدياً، أن يضمن خط شروع متساو تجاه إمكانيات الدولة، وفرص أبنائها في الحياة.. في التربية والتعليم والصحة، وفي الثقافة، وفي الاقتصاد، وما يتصل به من مال وثروة.. وأن يضمن تعديل أي ميل غير مشروع على حساب آخرين بعد خط الشروع الواحد فيها أيضاً.. وفي كل الأحوال أن تكون سياسة استثمار واستخدام المال العام وفق مصلحة الأغلبية من أبناء الأمة الواحدة.



العدالة الاجتماعية واجب أخلاقي ومبدئي


إن الأساس في العدالة الاجتماعية التي ننشدها التكافل، والمساواة في الفرص على أسس موضوعية، وأن الأكثر قدرة على تحقيق جوهر العدالة الاجتماعية، في الاقتصاد والمال، هو المال العام، ولكي يكون المال العام قادراً على تحقيق العدالة في دولة الوحدة، ينبغي أن يكون دوره دور الدفة في حفظ توازن سفينتها البهية، وبما يسعد الفقراء والمحتاج ين، ويجعلهم قادرين على الإبداع، والتأثير على قياس عددهم.. ولذلك، فأن العدالة الاجتماعية، في إطارها الاشتراكي، واجب أخلاقي ومبدئـي، وضرورة عملية ودستورية أيضا، لان الجانب العملي فيها يحمي الوحدة، ويوقد جذوة الشعور بالمسؤولة التضامنية إزاءها، وإزاء المجتمع مثلما قدمنا..


إن الاشتراكـية، وفق مفهومنا، لا تقوم أساساً على انتزاع الزيادة في ملكية الآخرين، ولا مجرد توزيع للثروة القائمة، وإنما تقوم أساساً على العدل، وخلق الثروة وتنميتها، لذلك فأن واجبها الأساس هو إيقاف أي حالة تؤدي إلى الإخلال بمبدأ العدل بين أبناء الأمة الواحدة، والعدل بين أبناء الأمة الواحدة بمعناه شبه المطلق، أي المساواة، لا يقوم ألا في مرحلة ضمان أن يقف الجميع على خط انطلاق واحد مستقيم أفقياً، وبجهة نسق متساوية، عند انطلاقهم إلى أمام بحثاً عن فرص.. وأن تكون أحكام القياس، التي تعّدل الميل الذي يحصل على حساب اخزين بعد خط الانطلاق، شبه مطلقة في تساويها أيضا، وما عدا ذلك، وبعد ذلك فليسرب الجمع، ويتحول من المسير بنسق إلى رتل، من غير استغلال غير مشروع أو اضطهاد.


وبقصد مزيد من التوضيح نقدم أمثلة عملية: فلو أن القبول في الجامعات يجري مثلاً علـى أساس من الهوى، الذي تنعدم فيه الأسس والضوابط الموضوعية، فأن النتائج ستكون غير عادلة، ذلك لأن الناس الذي سيقبلون في الجامعات وكليات الاختصاص فيها، قد لا تتوفر فيهم كلهم الشروط العلمية التي تتوفر في آخرين حرموا من القبول، ولذلك سنجد، بعد حين، أن مداخيل المواطنين المعنيين تتفاوت، لأن فيهم من بقي مجرد خريج إعدادية، فيما تخرج زملاؤه من كليات الطب، والهندسة، وغيرهما، فأصبح الأول كاتباً أو معاون ملاحظ في دائرة، أو بواباً في عمارة سكنية، وما يرتبط بهذا العنوان من مورد مقرر في جدول ملاك الرواتب، أو طبقاً للأسعار والأجور السائدة، بينما حقق زملاؤه مداخيل أعلى، لأنهم تخرجوا مهندسين، أو أطباء أو علماء في الفيزياء.. الخ، وبالتالي لا يكون الحصاد ومحصوله على قياس الكفاءة والاستحقاق، الذي تشكل درجة التخرج من الإعدادية فيه هنا شرطه شبه المطلق في العدالة، لو قيس عليه، وإنما مجرد الهوى الذي قبل مجموعة من خريجي الإعدادية في كليات، وحرم آخرين منهم، بينما لو تم القبول على قياس الدرجة، التي كان قد حصل عليها كل منهم عند تخرجه من الثانوية، لاختلف الحال كما قلنا، وسمي قياس القبول في الكليات، وفي كل كلية منها قياس عدالة شبه مطلق.


وهذا مثال آخر، نأتي به من وسط التجار: فلو أن الدولة منحت إجازات استيراد لعدد بعينهم، ليس على أساس فرصة الاستحقاق، وفق أي قياس موضوعي، وحرمت آخرين، ليس على أساس قياس محدد موضوعي أيضا، فأن النتيجة ستكون أن بعض التجار سيصيبون الغنى من غير استحقاق، فيما سيحرم منه آخرون.


وكذلك أيضاً، عندمـا تكـون فرصة الدخول في المدارس، اعتباراً من الصف الأول الابتدائي، متاحة أمام الجميع بالتساوي، ويملأ ملاك المدارس بالمعلمين والمدرسين وفق نظرة أساسها العدل تجاه أبناء الوطن الواحد، والدولة الواحدة لمجتمع واحد، وتتاح الدراسة بالتساوي لكل الأبناء، بوجه عام، مثلما هو حاصل في مجتمع العراق، فأن النتائج ستكون عادلة، ويكون العدل فيها شبه مطلق..


فلماذا قلنا هنا أن العدل فيها شبـه مطلق، ولم نقل مطلق، رغم أن الجميع تساوى عند الوقوف على خط البداية المستقيم الأفقي بالنسق؟ ذلك لأن العدل المطلق، بالأساس، لا يراه، أو يحققه إلا الرحمن الرحيم، وفي هذا المثال، الذي نحن بصدده، فأن ثمة فرصاً قد توفرت لهم ولآبائهم وحرم منها آباء، وأبناء آخرون، ومنهم من ولد وعاش في الريف مع تبعاته، وآخرون ولدوا وعاشوا في المدينة مع ما تقدمه المدينة إليهم من تسهيلات، وأن مثل هذه الفرص الممنوحة لهذا أو ذاك، أو المحتجبة عن هذا دون ذاك، قد تؤثر على نتائج درجاتهم، أو نتائج رسوبهم أو نجاحهم.. وسنكون أمام نتائج، وتعامل مع النتائج، على قاعدة عدالة شبه مطلقة، حتى لو ضمنا العدالة في القبول، ذلك لأن التلميذ الذي والده مّدرس وأمه معلمة، أو والده ووالدته يتقنان القراءة والكتابة، فيما والد وأم زميله الآخر أميان مثلاً، قد لا تكون نتيجتهما الدراسية، ونوع الدرجات التي يحصل عليها كل منهما، متساوية لهذا السبب، وليس لأن عقل ابن المّدرس، أو المعلم، أرقى من عقل ابن الفلاح أو العامل الأمي، ومع ذلك، وفي بعض الحالات، قد يحصل أبن الأمي على درجات أعلى بسبب جديته في الدراسة، ونباهته، وذكائه..


والآن لنعد إلى جانب من رحاب الفكر الستراتيجي إزاء موضوعة الوحدة والاشتراكية، وماذا تعنيه من نتائج في حياة أبناء أمتنا الأكثر دخلاً، ومنهم أبناء أمتنا العربية في الخليج العربي، ونذكّر، قبل القول الحاسم في هذا، بأن كل إنسان، بالأساس، إنما يفكر بقدر، وعلى مساحة مسؤوليته، لذلك، فأن عامل الحدادة، مثلاً، ينشغل في الظرف الطبيعي من حياته بعمله اليومي، وبما يجعله بارعاً، بوجه عام، في ميدانه واختصاصه، بالدرجة الأساس، وينشغل الفلاح بحقله، أساساً، وبالحدود التي أتاحتها له الحياة في حقله، ويفعل سائق القطار، ومهندس الالكترونيات، وعالم الفيزياء والرياضيات الشيء نفسه، إلا إذا انتموا إلى حركات سياسية، فأن تفكيرهم سيأخذ منحى آخر، ولكن عندما يكون عالم الفيزياء والرياضيات مدرسين في إعدادية، فأنهما يفكران بمستوى معين، وعلى مساحة بعينها، وعندما يعملان في حقل الـّذرة، وتكون واجباتهما على المستوى الوطني أو القومي ككل، فأنهما يفكران على مساحة معينة وضمن إحساس مختلف بالمسؤولية.. وهكذا، وعلى قياس هذه الأمثلة، نجد أن عامل تنظيم أضابير الموظفين يفكر بطريقة تختلف عن المدير العام في دائرته، أو وزير دولته.
وعلى هذا السياق، فأن من يتولى مسؤولية أدنى غالباً ما يفكر بقدر مساحة مسئوليته، ومن يتولى مسؤولية أعلى غالباً ما يفكر بقدر ومساحة المسؤولية الأعلى، وهكذا هو الأمر، بوجه عام، مع من يعمل في حدود مملكة، أو إمارة، أو جمهورية، عدد سكانها بضعة ملايين، أو بضعة مئات من الألوف، ويختلف الأمر حتماً عندما يكون جزءا من دولة، تمتد مساحتها، ومياهها الإقليمية من سواحل الأطلسي إلى سواحل الخليج العربي، ويعيش في كنفها مئتا مليون عربي.


إن العالم الذكي في الفيزياء أو الكيمياء أو الّذرة يظل مشروع عالم فحسب في دولة صغيرة، وقد تموت فيه بذور العالم في دولة غير متطورة، وغير عاملة بنشاط، وعلى مساحة مسؤولية تتيح لعلمـه أن يمتحن ويزدهر، ولروحه أن تشع وترتقي، ولذلك نجد أن عالم الـّذرة الصيني أو الياباني أو الفرنسي، عندما يتخرج مع زميل له من موريتانيا، في كلية أو دراسات عليا، في أمريكا، يتجه إلى ميدان عمله باندفاع ولهفة ليفيد بلده في ميدان الـّذرة للأغراض العسكرية أو المدنية، فيما قد يصاب العالم في موريتانيا، مثلاً، في ذات الاختصاص بالإحباط، ومن ثم القنوط، بعد عودته إلى بلده، أو يضطر لأن يهاجر إلى بلد يفهم علمه، ويجد علمه فيه ميدانه ومساحة لفعله وتأثيره، وعلى القياس نفسه، فأن مساحة تفكير صاحب الدكان الصغير في حارة شعبية، في الاقتصاد والتجارة، تكون غير نوع ومساحة تفكير من يقوم بمهام استيراد بحجوم كبيرة، وببضاعة متعددة المسميات.


ولندخل الآن دخولاً مباشراً، بعد هذه الأمثلة، لنقول أن جزءا كبيرا من إنسانية، وقـدرة، وعلم قسم من أبناء أمتنا في الخليج العربي قد قلصه الحال هناك أو ألغاه، أو قلص وألغى قسماً منه، وأن وضعهم أمام فرصهم الإنسانية والعلمية والعملية، الحضارية والروحية، ضمن المحيط الكبير يسترجع لهم ما فقدوه، ويتيح أمامهم من قدرة الإبداع ما لا يتيحها لهم واقعهم، وحتى التجار منهم، وأصحاب الأموال والاستثمار، تنطبق عليهم الحال نفسها، وإن اختلف أمرهم عن الآخرين في الاختصاص والمال.. وهم يعرفون، مثل غيرهم، أن فرصهم في الاستثمار الخارجي لدى الدول الأجنبية ستتقلص، وأنها، حتى لو بقيت مفتوحة إلى حين، ستكون محفوفة بالمخاطر، وأن مخاطرها هي ومداخيلهم المودعة في المصارف، كبيرة، وأن قسماً كبيراً منها سوف يتآكل وفق قوانين الدول الأجنبية هناك، ووفق ما عليه حال وتطور قيمة العملة، سواء حسب سياقها الدارج أو حسب خطط خاصة.. وما ينطبق على الأموال الخاصة، ينطبق على أموال الدولة المودعة لدى المصارف الأجنبية، أو المستثمرة هناك، بدرجة خطورة أعلى، ولا بد أن أبناء الخليج سمعوا أكثر مما سمعنا من قصص في هذا الميدان، لها أول وليس لها آخر.. وكيف أن دولهم، أو قسماً منها، ممنوعة من سحب أموالها إلا وفق إيعاز خاص، وبحجم معين، لا يجوز أن يزاد عليه.!


إذن، إن ودائعهم تتآكل، ومحرم عليهم إعادتها كلها إلى الوطن، وقت الحاجة إليها، وأن الصهيونية والبيوتات المالية الغربية تطاردها، وكل على أساس دوافعه، وستبقى الصهيونية تطارد ودائع العرب واستثماراتهم في الغرب، أو أي دولة تلعب فيها الصهيونية دوراً مؤثرا حتى لو عمل العرب المعنيون بهذا كل ما ترغب الصهيونية أن يعملوه لصالحها، وأن يتنكروا لروح أمتهم وحقوقها، ذلك لأنهم عرب.. وأن الصهيونية، إذا أمنت هذا الحاكم، أو ذاك، ضمن فترة من الزمن، على أساس تبعيته، أو عمالته لحليفها الأمريكي، أو على أساس ضعفه في رؤيته أو مسؤوليته، فأنها لن تستطيع أن تأمن (سكوت العرب الشرفاء) على الباطل، ومنهم أبناء الخليج العربي، ولن تأمن غضبهم، أو ربما ثورتهم لصالح حقهم المشروع، ومقدساتهم المغتصبة.. ثم أن الصهيونية بالطبيعة اليهودية، تطارد أي رأسمال منافس في الاستثمار، وأي أموال منافسة في سوق النقد والمضاربة..


إن الرحاب الواسعة، والملجأ الأمين، لأموال الخليجيين إنما هي في الوطن العربي، في خيمتهـم الكبيرة، ذات النسيج القوي، والأعمدة العالية، والأوتاد الثابتة في أعماق الأرض، تلك التي تبنيها الإرادة القومية، الواعية، والصلبة، لتحمي كل الخيام الكبيرة، والمتوسطة، والصغيرة، في الوطن العربي، والتي يرف عليها علم الوحدة، فوق كل الرايات الوطنية والمحلية، وهي، في الوقت نفسه، الرحاب التي تتوفر فيها قدرات هائلة، لتكون ضامنة من المخاطر التي يواجهها المال العربي، عندما يجد المعنيون في دولة الوحدة أن هنالك ما يستوجب استثمار أموال عامة، أو خاصة، خارج الوطن العربي.


إذن، أليس من المفارقة أن تقبل، أو تسعى، بعض الدول العربية لتكون جزءا من منظمـات إقليمية أو دولية، يرف فوق أعلامهم فيها علم جديد، فوقه علم أمريكا أو غيرها، مثلما يحصل الآن مع (موضة) ما يسمى (الغات، ثم منظمة التجارة العالمية).. وتجد غرابة في أن ترف إرادة الأمة فوق إرادتها لتقويها، وتعليها!؟


أن الثروة الحية والدائمة ليست مجرد نفط قابل للنضوب، أو معرض لأن يستبدل بمصدر طاقة غيره، إذا ما وضعت البشرية أمام حرج عدم كفايته، أو أمام احتمال العثور على بديل أبخس ثمناً منه، مع أن ثمنه الآن أبخس ثمن بفعل التجزئة والأنانية.. نقول إن الثروة الحيّة هي فيما تزرعه وتخلقه إرادة الأبناء في علمهم وعملهم، في ميدان الزراعة والصناعة والميادين الأخرى، وفي ما تكون فيه هذه الإرادة بمستوى قادر على أن يدافع عن الثروة عندما تتهددها الأطماع الأجنبية، وريحها العاتية، حين تهب صفراء صرصرا، لتقتلع العيون قبل الجذور..
وأن الثروة على هذا الوصف، هي والتجارة والاستثمار والإيداع، ليس لها مكان آمن، وساحة تزدهر فيها، دون أن يكون الوطن العربي كله مفتوحا لها، ودون أن تدعمها كل قدرات الأمة، ودون وحدة العرب الكبرى، التي تنزع الأنانية والخوف من الصدور، وتطلق الطاقات والإمكانيات لتحلق في سمائها الصافية، وبيتها العتيد..


وفي ساحة الأمة العربية الممتدة من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي، وإمكانياتها العظيمة، يزدهر اقتصادها، ليكون بألوان زاهية شتى، كلها تخدم المصلحة العليا، وبما يزيد الوحدة رسوخاً وعزاً، وكل لون فيها بما يناسب مرحلته، وظرفه، ويزيد جذوة الوحدة بهاء في النفوس، والصدور ويحصن سياجها العالي. لذلك، فأن الحاجة التأريخية لأبناء الخليج العربي للوحدة الآن، وبكل ما تعنيه من تكافـل اجتماعي، وعدل قد تكون أكثر، وادعى إلحاحاً من حاجة العراق، أو مصر، أو الجزائر لها.


ومع كل ما تعرفونه عن العراق، فأن العراق، وفق نظرية البعث العظيم، يجد أن الوحـدة مبتدأنا ومآلنا، وهي روحنا وحصننا، وسور حاضرنا، وبعث ماضينا، وضمانة مستقبلنا..


لذلك، فمن باب أولى أن يرى فيها الآخرون مبتغاهم، لو تمعنوا من غير تشويـش، وأن يندفعوا إليها شوقاً وحنيناً، وإلا ستلعنهم الأجيال اللاحقة وأحفادهم، إن لم نقل أبناؤهم، إذا لم يؤمنوا بها، ويتحمسوا لها، ويعملوا بوعي وجد من أجل تحقيقها..


وفي كل الأحوال، فأن الوحدة العربية تحققها الإرادة الصلبة، والسعي المؤمن، المتكل علـى الله، للقيـادات العربية الوطنية، والقومية، بإسناد مقتدر للجماهير الواعية المجاهدة، أو تتحقق، حتى عندما تتردد إرادة الحاكمين على طريق حسمها، عن طريق فرض إرادة الجماهير الواعية عليها، بقيادة طلائعها الثورية، المجاهدة باسم الشعب، والأمة..



صدام حسين
في الثامن من جمادي الأولى ١٤١٨هـ
الموافق للعاشـر من أيلول ١٩٩٧م

 
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الاثنين / ١١ مـحـرم ١٤٣١ هـ

***

 الموافق  ٢٨ / كانون الاول / ٢٠٠٩ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور