خطاب الرئيس صدام حسين في ذكرى العدوان الثلاثيني  ١٧/١/١٩٩٨

 
 
 
شبكة المنصور
 

بسم الله الرحمن الرحيم
((ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمـرات، وبشـر الصابـريـن))
صدق الله العظيم

 

يا أبناء شعبنا العظيم..
أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة..
يا أبناء أمتنا العربية المجيدة..
أيها الغيارى والأصدقاء أينما كنتم..


السلام عليكم.. ورحمة الله وبركاته



عندما قرر سيدنا ابراهيم، أبو الأنبياء، عليه السلام، وهو الجد الأكبر لسيدنا الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، أن ينتقل من العراق، الذي ولد وعاش فيه، هو وأهله، ليجوب أصقاعا أخرى من أصقاع الوطن العربي، بأمر الله، ليبشر بدعوته إلى التوحيد والإيمان، التي بدأها أساسا في العراق، بسم الله الرحمن الرحيم ((وابراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)) صدق الله العظيم.. نقول ما كان سيدنا ابراهيم يحمل بيده يوم ذاك، لمواجهة مفاجآت الطريق، ومواجهة من يريد به سوءا،مقاومة لدعوته غير عصا، يهّوم بها على ذئب، أو كلب يهم به، ليؤذيه، وهكذا هو شأن الأنبياء والرسل، والمصلحين الكبار عبر الزمن الأزلي، منذ أن خلق الله، سبحانه، الأكوان، ومن عليها، وأوحى بأهمية التوحيد والإيمان في العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين ما ينبغي من همة تخلقها الروح، في المسعى، في ارض الله الواسعة، وفي خلق الحياة الجديدة، ومستلزماتها، لمواجهة عوامل الطبيعة، والمخلوقات الهائمة، وعوامل الارتقاء بها، وبالإنسان، إلى ما يبقي التطور مستمرا على قاعدته الصحيحة.
 


وهذا هو ما تعلمناه وعرفناه مذ كنا طلاباً، وشب عليه وعينا وإيماننا، حتى صار، هو وكل المعاني العالية، وإرهاصات ومعاني الإيمان العميق، يشكل أساس خلفية تفكيرنا، وفي صميم مكونات عقيدتنا البعثية، في النظرة إلى، وفي، خلق الحياة الجديدة، ومواجهة التحديات، التي تعترض سبيل الحق فيه.. وهذه هي الخلفية الحاضرة المتوقدة، قدرة وتأثيراً، في عقل، وفكر العراقيين، بل، وحتى في خلفية عقول وضمائر كل العرب، كل بقدر إيمانه ووعيه، وهمة الإيمان، التي تشكل بناءه النفسي.. وعلى أساس هذا الإيمان، واجهنا، وقاومنا شروط الإذعان، التي أطلقها طاغوت أواخر القرن العشرين، ودعوته العراق إلى الاستسلام أمام جبروته وغطرسته، ظانا أن هذا ممكن، لمجرد التلويح باستخدام القوة الغاشمة، التي يملكها، بعد أن أخضع استنتاجاته إلى تفاصيل مهلكة لضمير وتفكير جفّــا، وتيبسا، في مفاهيم المقارنة على أساس مفردات القوة، وفق النظرة المادية إليها، والتي تحجب إمكانية أن يستذكر المسؤولون، في تلك الدولة الغاشمة بقوتها، ومجانبتها للحق، خلفيات التفكير والمواقف، وقبل ذلك، التكوين التأريخي، والأساس الروحي والحضاري، للعراق المجاهد العظيم، ولامتنا العربية المجيدة كلها... ولإرث ثورة 17 - 30 تموز المجيدة..



ومن هذا، جعل الله أعداء العراق، وأمة العرب، يرونهما بعين مستصغرة، وجعل العراق يرى أعداءه قلة، بإرادته سبحانه، رغم كثرتهم.



بسم الله الرحمن الرحيم ((وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا، ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وإلى الله ترجع الأمور)).. صدق الله العظيم... فكان الرفض العراقي لشروط الإذعان والاستسـلام مدويا في الآفاق، وارتفعت، على ساريتها، راية الجهاد، راية (الله اكبر)، وابتدأت المنازلة على طرفيها، بعصا نهّوم بها، أو نضرب من يتقرب من حمانا، من كلاب العدوان، رغم أن بعضها مسلح بأسنان نووية.. وهكذا كان، ومن اجل معاني الموقف، والوقفة العظيمة لجيش العراق الباسل، والشعب العظيم، واستذكارا لكل معاني الشهادة في حومتها، نستذكر الآن، وتستذكر، ولا تنسى، أجيال العروبة، والعراق، من بعد ذلك، هذه المعاني أيضا، ويعيشون على أساسها، لتكون الهمة، والفعل، أعلى وأرقى، كلما واجههم ظلم وظالم، وطاغية وطاغوت، ليبقى الإيمان عامرا في الصدور، وتبقى الضمائر قادرة على تحسس مكان، ومواطن، ومسارات، وأهداف الحق من الباطل..



والله اكبر..

 


أيها الشعب العظيم..
أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة..
يا أبناء أمتنا العربية المجيدة..
أيها الأصدقاء في العالم..



اليوم هو السابع عشر من كانون الثاني، وفي مثل هذا اليوم وفي تمام الساعة الثانية والنصف فجرا منذ سبع سنوات مضت.. ورط الشيطان أمريكا، وغيرها ممن تورط معها، بعد أن أزّل أقدامهم عن صراط الله المستقيم، فوجه ثمانية وعشرون جيشا، بقيادة الطاغوت الأمريكي، نيابة عن أكثر من ثلاثين دولة، كانت قد ائتلفت على العدوان، قذائف الحقد، والضغينة، والسوء، والهوى على بغداد الفضيلة، والتأريخ العظيم، والمجد، بغداد الغرة الفارقة، في الموقف والصفة، في أمة العرب.. أمة المجد والفضيلة.. والصفة الفارقة، حيث اختار لها الله، وللعراق كله، ما شاء من دور ورسالات، تكريما، وتشريفا ولأعمال صفاتها وصفات العراق الذي هي عاصمته، في خدمة الإنسانية المعذبة، على مر العصور، من طواغيت العصور المتعاقبة، والشياطين الغواة في مسارهم إلى جهنم.. ومنذ أن تساقطت قنابل وصواريخ الشر على بغداد، وعلى كل عراق الجهاد والموقف، في ذلك اليوم الكانوني صار هذا اليوم غرة مجد إضافي وعظيم في جبين بغداد الرشيد، والمنصور، والبعث العظيم، وفي العراق المجاهد، أيضا، من أقصاه إلى أقصاه، وازدادت الغرة بهاء وإشعاعا، عندما صمد لها العراقيون الأماجد، والعراقيات الماجدات، حاملين راية الجهاد الكبيرة، راية (الله اكبر)، تتقدم، وترتفع عاليا، فوق هامات جحافل الموقف والجهاد.. ومنذ ذلك اليوم، وعلى الطرف الآخر، صار هذا اليوم لطخة عار وشنار إضافية، في وجوه من جعلوه يوم عار لهم، وصار المسؤولون الأمريكيون، مع تقادم الزمن، وثبات العراقيين على قاعدة إيمانهم ومبادئهم، شهودا، تسند حجتهم، بالإضافة إلى الموقف المشرف لهم، ألوف من مفردات شاهدة على عار وخسة موقف ذلك الطرف.. أقول: صار المسؤولون هناك، كلما نظروا إلى وجوههم في مرآة الحقيقة والإنصاف، وجدوها مليئة بالجذام المقزز، جذام ليس ببلوى مؤقتة يمكن أن تبرأ بالعلاج فيما بعد، وإنما هو جذام موقف السوء، المصمم مع سبق الإصرار، ليحقق نتيجة وهمية، حتى انتشر الجذام من الوجه إلى أجزاء الجسم الأخرى، مع ازدياد التعنت، والضغينة، والهوى لإيذاء شعب العراق البطل، وجيش الأمة الأمين، وراح برهان الله يظهر على سائر أجزاء الجسم، كلما هبت ريح تكشف عورة من نوى كشفها في ذلك اليوم، بإصراره على الموقف والحال، وعدم إصلاحهما، وتقف في مقدمة رهط الخائبين، والمدّلسين، أمريكا الشر المستطير، في هذا العصر، ضد الشعوب والأمم.



أيها الأخوة..



وفي هذا اليوم السابع عشر من كانون الثاني، قبل سبع سنوات، كان العالم مشغولا بحفلة زفاف أمريكا، لتتوج في مكان أسموه قمة الصعود، بعد أن أفلت نجوم، ومّزقت بيارق منافسيها الأساسيين، الذين كانوا يمنعون عليها التسلق، أو التسلل، إلى حيث أرادت، أو ظنت أنها وصلته.. وبينما كان المسؤول الأمريكي يهم من هناك، من ذلك المكان، بأن يعلن أنه أصبح ملك العالم بلا منازع، أو معترض، وان على الجميع أن ينحنوا له راكعين، صاغرين، غير معترضين على التتويج، ولا على أي موقف يتخذ في واشنطن... هناك، وبينما كان شهود الزور والخدم يهمون بأن يضعوا التاج المطلق، الذي نقشت عليه أسماء الغالبية العظمى من دول العالم، عدا استثناءين أو ثلاثة خجولة تدمدم، مع نفسها، بموقف غير راض، ولكنه ليس مجلجلا في صوته في الآفاق، ولا ثابتا في ما يرفض بصورة مطلقة.



في ذلك الوقت، وحيث استصغر الطاغوت كل شيء، هب على بغداد عبق نسمة الذكرى العطرة، للأنبياء، الذين ولدوا في عراقها الأشم، وحملوا معاني الرسالات، والوحي العظيم، وكبر الإيمان وعظم في صدور فتيان بغداد، ورجالها، وماجداتها، وهم يستعيدون هذا السفر الروحي والحضاري الخالد فاستعادوا ذكرى سيدنا ابراهيم، عليه السلام، بسم الله الرحمن الرحيم ((يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم)) وهو لا يحمل ألا عصا، إلى جانب دعوته بأمر الله، لينقل إلى ارض فرعون وشعبها تلك الدعوة إلى الإيمان بالواحد الأحد، غير خائف، ولا وجل من الفارق في القدرات المادية.. وتذكروا عصا موسى، عليه السلام، التي جعل الله منها برهانا بوجه فرعون زمانه.. وتذكروا عصا السيد المسيح، عليه السلام، التي لم يستخدمها على أحد قط.. وتذكروا عهد صاحب العهد، والموقف، والجهاد الكبير، محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، وكيف واجه أباطرة وأكاسرة زمانه، وكيف دحرت جيوش المسلمين صروح تلكم الإمبراطوريات، لتقيم العدل بعد أن ألحقت الهزيمة بكل باطل..



تذكر أهل العراق كل هذا، بعد أن اصطف الجمعان على طرفي موقفهما، ليرغم العراق، واهـــمين، على أن يقول (نعم) مع القائلين بها، ليتوج مسؤول الشر الأمريكي ملكاً للجهات الأربع، من غير اعتراض، وقد بلغت القلوب الحناجر في صدور من خافوا، بسم الله الرحمن الرحيم ((إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا)) صدق الله العظيم.. وهنا، في بغداد، وعلى ساحة المنازلة، في العراق الأشم كله، ارتفعت حميّة الإيمان والموقف بوجه الخوف من الطاغوت، وقال العراقيون كلهم بصوت واحد : ( لا ) ودوت، مع الـ (لا) العراقية اليعربية قذائف الشر، وتقاطرت سفنهم، وبوارجهم، وطراداتهم، وتقاطرت معها، أفاعي وغربان الشؤم من طائراتهم وصواريخهم وبعدها جيوشهم البرية، لتضرب كل شيء حي وما يسنده، وكان دوي الـ (لا) العراقية اليعربية أقوى من كل أسلحتهم، بأذن الله، فتدحرج في مهبها، وصداها المدوي في بقاع الأرض، بعد ان هوى من بين أيدي المغلوب على أمرهم، هناك، عند منصة التتويج، تاج الملك المطلق، الذي ظنوه محققا لا محالة، فأنحدر إلى الحضيض، وتلطخ بعارهم، وبقي الملك لله وحده، بسم الله الرحمن الرحيم ((تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير)) صدق الله العظيم.. وانفض المدعوون، المجبرون على حضور التتويج المّزور، وبشهادة أعدت بتواقيع مزّورة، أو مرغمة، أو طائعة على غير هدى.. لأن الله لا يقبل بأن يسود الطاغوت العالم.. ولم يكن ليسمح بهذا على مر العصور.. ومع تدحرج التاج، بدأ كرسي الملك يتدحرج مع كل يوم يمر، محملا بموقف عنت، أو شر، ضد بغداد.. ومع هذا، بدأ الموقف، وراية (الله أكبر) يريان من أبعد جزء من العالم، ويحظيان بالتقدير والاحترام، وعلى نطاق واسع، بالمحبة أيضا، بعد أن أراد الله لهما الإبلاغ، والثبات على الفضيلة، والإيمان.. ومن خلاصة هذه المعاني، أيها الأخوة، تعرف جوانب أساس من أسباب الموقف العدواني الثلاثيني على العراق، وعلى فهم خلاصة هذه المعاني، وأمور أخرى، يفهم لماذا، وكيف قال العراق (لا)، وصمد، وقاوم، وانتصر، ومنها الرسالة الشماء، التي بعث بها العراق في يوم الشعب، في شهر تشرين الثاني من عام 1997، ذلك اليوم الذي توج أياما قبله، ليظهر للعالم كل ما حاولت أمريكا إخفاءه، وليكشف جانبا كبيراً من التضليل الذي اعتمدته وسائلها وأعوانها أمام دول، وربما ناس ظلوا تائهين عن الحقيقة، أو حاولوا أن يصوروا لهم الأمور على غير حقيقتها.. فتحية إلى يوم الشعب ذاك، وإلى رواده، وإلى الشعب العظيم، صانعه بالصبر، والجلد، والوعي، والتصدي..



والله اكبر.



أيها الأخوة العرب..



في خطابنا في تموز الماضي، من عام 1997، وفي سلسلة الكلمات والتصريحات الصادرة عن القيادة، وعن كبار المسؤولين في العراق، وردت دعوات متكررة ومتواترة عن أهمية التضامن العربي الرسمي، لمواجهة متطلبات ما ينبغي في البناء، ومواجهة الطمع الأجنبي والعدوان، وقد وجدت هذه الدعوة الكريمة صدى طيبا في نفوس وتصريحات بعض العرب، ممن يعرفون العراق وقيادته معرفة كافية.. وربما ظن قلة أن هذه الدعوة تنطلق من شعور بالضعف، أو خوف وقلق من المستقبل على العراق وحده.. ولكي نزيل الغشاوة عن عيون من أصيب بها، نحب أن نقول: إن هذه الدعوة الكريمة والمسؤولة ما كانت لتذكر بهذا التواتر والوضوح في الأعوام 1991، و1992 و1993 و1994 و1995، ذلك لأن القيادة ما كانت لتريد أن تطلق دعوة كهذه في تلك الأعوام، إذ قد يتوهم من يتوهم في أسبابها ومراميها، سواء كان عربياً أو أجنبياً، ولكن عندما مرت على بدء العدوان والعدوانية مدة تقارب السبع سنوات، ذلك العدوان الذي استخدم في ساحات المنازلة كل ما هو معروف من وسائل، وإمكانات، وأسلحة، فشلت كلها في أن تنال من الموقف المبدئي للعراق، ومن وطنيته الصادقة، وقوميته المؤمنة، الأمينة على مصالح الأمة، فقد افترضنا، وهو افتراض صحيح، أن ليس ثمة وهم بعد، يضلل الكثرة الكاثرة من المسؤولين في الأمة، وأبنائها البررة ليفسروا دعوة العراق الأمة إلى الوحدة على الطريق الذي يعزها، ويحفظ لها كرامتها، وقدرتها، وأموالها، بغير مراميها، الأصيلة والمسؤولة، وبما يمكنها من أداء دورها بشرف ومسؤولية، ولو كانت دعوتنا تكتيكا لعبور مرحلة، لكان الأجدى أن توجه إلى أمريكا والصهيونية، كما يفعل الصغار المحبطون في أنفسهم، ولكن دعوتنا وجهت إلى الأمة، في الوقت الذي يقارع العراق، باقتدار وإيمان، أمريكا ورديفتها الصهيونية، كلما انفتحت ساحة منازلة بعـــدوان جديد على العراق، وهذا موقف يكاد أن ينفرد العراق وحده به، منذ ثلاثين عاما، وفي توجهه إلى الأمة، والظروف التي يكون فيها معافى، أو عندما لا توحي الظروف من حوله بالحد الأدنى مما يجلب اللبس أو التشويش، وقد فهمت دعوتنا على هذا الأساس من عقلاء القوم، الذين ليس في صدورهم ونفوسهم موقف ضغينة وغل مسبق، وثأر القاتلين أنفسهم.. إن دعوتنا، ودعوات رفاقنا الكريمة، في القيادة، إلى وحدة الموقف، بما يعز الأمة في دينها ودنياها، إنما الأساس فيها هو القلق على الأمة، ومصالحها، وثرواتها، والقلق على ما يحصل فعليا في أقطارها، وليس القلق على العراق.. فأن للعراق ربا يحميه، وهو في أيد أمينة قوية، وقلوب مستقرة على الإيمان، ومرتكزة على القدرة، وهو في حدقات عيون الثوار المجاهدين، الذين ما وجفت قلوبهم، ولا هانوا.. ولذلك، قد يؤذى العراق، وقد تسيل فيه دماء إضافية، مثلما، أو أقل مما، سالت من قبل.. وقد تزداد حالات الاستشهاد في صفوف من تلدغهم أفاعي الغدر والحصار.. وقد يتعطل تعجيل الحركة في مساره، ونمو قدراته، بعض الشيء، ولدرجة بعينها.. ولكن العراق، كوطن، وكدور حضاري قومي، وإنساني، وتأريخي، باق، بعون الله، يّعوض فيه ما يفوته من قدرات بسبب العدوان والعدوانية والحصار، بزخم ما يضخه جلال الموقف والصمود والمقاومة من دروس، وعبر، ومثل صالح، ومعان اعتبارية وروحية، للأمة والإنسانية.. وقد يكون هذا هو الأكثر بلاغة في الإفصاح عن قدرة موقف الإيمان الإنساني، والقومية المؤمنة، وأعلى إشعاعا من سواه.



إن الذي يقلقنا، أيها الأخوة العرب، ليس ما يلحق شعبنا، وكل أبناء أمتنا، من أذى في هذه المرحلة وفي أكثر من مكان، وقطر عربي، ومنها العراق فحسب، إنما الذي يتقدم على هذا، لأنه الأكثر خطورة، هو مصير الأمة العربية أو على الأقل مصيرها لمرحلة تأريخية كاملة بما يعطل فرصتها في التطور التأريخي، وفي الدور القومي والإنساني، وخاصة في مجتمعات بعينها، في الأمة، لا تتهيأ لها فرصة أخرى من التطور، إذا ما فاتت على النفط والإنسان فرصتهما التأريخية، بقدرة الأمناء وفعلهم من أبنائها، لتطوير الأمة، وتحصين حماها.. ولهذه الأسباب، بالدرجة الأساس، نعاود طرح أهمية أن نتخطى، ويتخطى غيرنا، نتوءات وأشواك الطريق التي أدمت القلوب قبل الأقدام، وأحزان الماضي، بعد أن يتعّظ بدروسه، ويبنـى على فيض معانيه العالية، مما يتفق عليه بالحوار الصادق الأمين، لتمضي الأمة في مستقبلها، بعد أن تكون قد حصنت حاضرها، وأمدته بالقدرة الخلاقة المؤمنة التي ترضي الله والشعب.



وفي خطابنا هذا، بمناسبة استذكار معاني ودروس المنازلة التأريخية، في أم المعارك الخالدة، التي كانت صفحتها القتالية الكبرى قد ابتدأت في السابع عشر من كانون الثاني من عام 1991، لا بــد من أن نقول للمسؤولين في أمريكا حكمة مستخرجة من هذا السفر الخالد، خلاصتها : قد يتوهم من يتوهم في ما يتأمله لقدرته قبل استخدامها، وقد يصيبه الوهم، أيضا، تجاه قدرة عدوه، فيعطي لقدرته درجة أعلى من استحقاقها، وما يسمح به الله العزيز المقتدر، ويعطي لقدرات عدوه درجة اقل من استحقاقها، وما يمكن أن يوحي به الإيمان المقتدر، ولكنه يعد بطئ الفهم، إن هو كرر الوهم مع عدو قد جرب فعله عليه، واستخدم كل ما ينبغي من قدرات وإمكانات متاحة ضده..



لذلك فعلى أمريكا أن لا تتوهم بأنها قادرة على النيل من العراق، بما يحقق لها أهدافها، التي ورثها الخلف عن السلف، وليس غير الإيذاء، والإيذاء فحسب، الذي يصيب شعبنا، وهو ما يعوضه الرحمن الرحيم بما يبوئ العراقيين مكان الاستحقاق الاعتباري، ويعوض، إن شاء الله، الشهداء في جناته يرزقون.. ولكنه، سبحانه، يحفر على طرف الأمريكيين، حفراً في طريقهم، مغطاة، مظلمة، قد يعمقها الزمن، كلما ازدادت عصبيتهم وإحباطهم، وسيتراجعون ويبتعدون، يوما بعد يوم، عن القمة، التي ظنوا انهم قد وصلوا إليها، عندما تجاسروا على بغداد الحبيبة، العصية على عدوانية الأجنبي على مر التأريخ، يوم ضربوا بغداد بالقنابل وصواريخ العدوان..



لذلـك عليهم أن يتمعنوا، ويعـيدوا النظر في ما هـم فاعلوه، لينتهي الحصار الظالم عن العراق.. وعليهم أن لا ينخدعوا مرة أخرى، أو يخدعوا أنفسهم فيتوهموا بان ما عجزوا عن تحقيقه بأساليب الخبث، والمكر، والدجل، يمكن أن يحققوه بعدوان عسكري، لأنهم كانوا قد جربوا، ابتداء، هذا العدوان في اكثر من مناسبة، ثم ظنوا بعد ذلك، أو قبل ذلك، بأن المكر، والدجل السياسي، عن طريق الحصار، والكيد في الظلام، قد يفضيان إلى ما يمنون به النفس..



وعليهم أن يعوا، وهذا ليس من باب التهديد، لأننا حاربناهم عندما واجهنا عدوانهم على مر الزمن الماضي، خلال ثماني سنوات، ونعرف قوتهم، وقدرتهم في الإيذاء، مثلما نفترض انهم يعرفون قدرة العراق الكبير، ورعاية الله له.. لذلك، لا نريد أن نقع في سوء التقدير، الذي وقعوا هم فيه، فننافسهم على بطء الفهم، وإنما أردنا أن ننبه فحسب، لكي لا نحرج عدونا، لان الحرج ليس هدفنا وغايتنا، فنقول إن العراق شعبا، وقيادة، ومجالس تمثيلية، وعلى كل المستويات والعناوين مصمم، من غير تراجع، على الجهاد الأكبر لرفع الحصار، فأن لم يتخذ مجلس الأمن قراره، ليفي بالتزاماته المنصوص عليها تجاه العراق في اصل قراراته الجائرة المعروفة، التي اتخذها بنفسه، من غير مشاركة العراق فيها، كالتزامات متقابلة عليه، فأن العراق مصمم على ان يقف الموقف المنسجم مع توصيات ممثلي الشعب في المجلس الوطني، ويتحمل مسؤولية موقفه، لان لا سبيل، ولا بديل بعد ذلك، غير هذا الموقف.. وأننا لعلى ثقة كبيرة بأن أبناء أمتنا العربية سيكونون عند حسن ظن أمتهم بهم، ليس في فهم موقـف العـراق فحسب، وإنما في تعضيده، وإسناد جهوده في شتى الميادين والمحافل، ليفوز شعار رفع الحصار الظالم، ويحقق غرضه بكسر بوابة أساسية من بوابات مهب النار المتآمرة على الأمة.. ونأمل، ونتوقع، أن يفهمنا أصدقاؤنا في العالم، ليقوم كل بدوره، وعلى أساس مسؤوليته تجاه ما ينبغي، للجم الشر، وإحقاق الحق..



وإلى شعوب بلدان العالم الثالث، والمسؤولين فيه، وكل الدول صاحبة النظرة المتوازنة إلى علاقاتها ومصالحها مع هذا العالم، نقول: لقد بانت أمريكا على حقيقتها، قوة متغطرسة، أنانية، عمياء، لا ترى إلا مصالحها الضيقة، حتى لو أدى تحقيق تلك المصالح إلى إفقار، وإضعاف، وتدمير تلك الدول والمجتمعات، بعد إغراقها في سلسلة من الأزمات، والحروب والكوارث.. إنها إمبريالية جديدة مقيتة، هي وكل مشاريعها، وسياساتها، وان ارتدت ثياب أهل النار المزركشة في ظاهرها البّراق، لتخفي مخالب العذاب لوحوش كاسرة، لا تعتاش إلا على لحوم البشر.



وأمام حالة كهذه، وبعد ان صار لكل شعوب العالم قصص مؤلمة، بعضها مأساوي معها، مما ينتقص من سيادة تلك الشعوب والأمم، ويهدد أمنها ومصالحها الحيوية، فلا ينقذ العالم منها إلا وطنية إنسانية متعاونة في كل دولة من دول هذا العالم، وفي مقدمتها، بلدان العالم الثالث فيه، وإلا التضامن، والتعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي، الشعبي والرسمي، وعلى شتى المستويات، لتطويق شرورها، وشررها المستطير، الذي يهدد العالم بحرائق شتى..



إننا نعرف أن هذا الوصف، الذي نقوله عن أمريكا، إنما يعبر عما هو في قلوب وضمائر الناس في العالم أجمع، ولكننا نعرف أن ليس كل من لديه هذه القناعة بقادر على أن يقول ما في قلبه، وفي ضميره، وعقله عنها، لذلك فإن الجميع مدعوون لان يعملوا بالتضامن معاً، وجميعا، باتجاه واحد، وان اختلفت مسالك، وخصوصية كل دولة من دول العالم في التعبير عن موقفها الوطني والقومي، وفي كل المحافل والساحات، وبخاصة في المحافل الدولية والإقليمية، وحيثما انفتحت الفرصة أمام الإرادة الوطنية، لتفعل فعلها النزيه المنصف.. وليتذكر الجميع مؤامرات أمريكا الاقتصادية، ومضارباتها المالية ومؤامراتها الأخرى، وخاصة تلك التي استخدمتها على شعوب العالم في أمريكا اللاتينية، وفي جنوب شرق آسيا، وعلى اليابان في المرحلة الأخيرة، رغم أن الكثير من دول هذه الجهات هو صديق لها حتى الأمس القريب، وكثرا منها شريك لها في ميدان العمل، والتعاون الاقتصادي، حتى الآن..



وعليهم أن يستذكروا، ولا ينسوا، إن عدوان أمريكا المستمر على العراق عسكريا، ومحاصرته اقتصاديا وثقافيا، وفي كل الميادين الأخرى، إنما هو لتحقيق جانب من نظرتها الأنانية، ومصالحها الضيقة، ومن بينها السيطرة على النفط والمقدرات الوطنية لشعوب، ودول المنطقة، ليغدو شعارها في السيطرة على العالم ممكنا.



وعلى هذا الأساس، فأن نضال شعب العراق الآن، إنما هو نضال إنساني، يدفع البلوى عن العالم، مثلا يدفع البلوى عن نفسه، وعن أمته بمعانيها الوطنية والقومية، لذلك فأن تضامن دول العالم مع العراق، لمنع العدوان، ورفع الحصار عنه، إنما هو عمل وطني، وواجب ينبغي القيام به من غير إبطاء، أو تردد، لكل دولة من دول العالم عدا استثناءات معروفة..



وعليه فان النضال الوطني في هذه الحقبة، وحيثما التقى على أهداف مشتركة مع آخرين لمواجهة هذا الغول المتوحش الأناني المتغطرس، إنما هو نضال وواجب إنساني ملح، ندعو الجميع إلى القيام به، من اجل عالم لا ينفرد به طاغوت، ومتجبر، ومستغل ظالم.. عالم متعاون، آمن، يتقدم كل من دوله وأفراده على طريق فرصته المشروعة، من غير جبر وتسلط أجنبيين.



والله اكبر..
المجد، وعليين لشهداء الأمة والعراق في أم المعارك الخالدة..
المجد، وعليين لشهداء الأمة في كل مكان..
وعاشت امتنا العربية المجيدة..
وعاش العراق المجاهد..
وعاشت فلسطين حرة عربية..
والله اكبر..
الله اكبر..
وليخسأ الخاسئون.
١٧/١/١٩٩٨

 
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الاثنين / ١١ مـحـرم ١٤٣١ هـ

***

 الموافق  ٢٨ / كانون الاول / ٢٠٠٩ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور