خطاب الرئيس صدام حسين في ذكرى ثورة ١٧- ٣٠ تموز المجيدة  ١٧ تموز ١٩٩٨

 
 
 
شبكة المنصور
 

بسم الله الرحمن الرحيمْ
(رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمنا بالحَقّ وأنتَ خَيْرُ الفَاتحينْ)
صدقَ اللهُ العظيمْ

 


أيها الشعبُ العظيمْ..
أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلةْ..
أيها المجاهدونَ والمناضلونَ العربْ..

أيها الأصدقاءْ..



السلامُ عليكُمْ ، ورحمةُ الله وبركاتُهْ..



في مثل هذا اليوم من كُلّ عامْ، نستذكـرُ معكُمْ يَومَيْ تفجير الثورة في 17، وفـي30 تموزْ من عامْ 1968، ولكنَّنا اليومَ في الذكرى الثلاثيـنَ مـن عُمـر الثَورة، لَنْ نُشْغلَكمْ، كَما فـي التقليـديّ مـنَ المناسبات بالأرقام والإنجازاتْ، لتَدُلَّكُـمْ على طبيعة ما يُطَمئنُكُمْ على مسارها الأصيل، وعلى صدق العهد والوعد للثوار النشامى الأُصَلاءْ، وإنما نَكتَفي بإشارات، وَما يُمكنُ أَن نَغرفَهُ من بحرها العظيمْ، وَبما يُزيدُكُـم يقيناً واطمئنانا إلى أنَ معاني الثورة، وروحها، التي تَفَجَّرَتْ عندَ خطّ البداية، في 17 و30 تموزْ، عامْ 1968، وَفي كُـلّ المسار اللاحقْ، إنما تَتَكثف وتجتمع، متفاعلةً، عندَ كُــلّ خطوةٍ على الطريــقْ، كالتزام أخلاقي ومبدئيٍ لا حَيَدانَ عنهْ، بلْ، وَفي كُلّ مرحلةٍ مـن مراحله، ما هو جديدٌ ، مُتَجددٌ، مُتَوَثّـبٌ إلى أمام، يُغيظُ العِدا ويُسرُّ الصديقْ، بَعدَ أن صارَ الحديثُ عن الأرقام والإنجازات لا يُضْفي على مسار الثورة، باعتبارها ثورةَ الطراز الجديد في الحياة العربيةْ وحياة الإنسانية، ما هوَ ضروريٌ، بعد أَن أصبَحَتْ إنجازاتُها الأساسيةُ معروفَةً لدى مَن يُتابعُ حقيقتَها، وبعدَ أَن أصبَحَتْ طبيعةُ المنازلة معَ الأعداء، ومستوى الصمود الأسطوري لشعب الحضارات والذُرى، يُفصحان، بأعلى ما ينبغي للبلاغة من معنى، عن مُستوى ما يُطَمئنُ أبناءَ امتنا المجيدة العظيمة، وأصدقاءَنا في العالمْ، إلى أَن ثورةَ الطراز الجديد مستمرةٌ وراسخةْ، وشعبُها أصيلْ، وفرسانُها أصلاءُ، أمناءُ على العهد والوعد، وأنها وسطَ المستقبل مزهوةٌ، ومزدهرةٌ، واعدةٌ، ناهلةٌ من صفاتها المعروفة وسطَ الحاضرْ..



هكذا هيَ ثورتُكُم، أيها العراقيوَن الأماجدْ، والعراقياتُ الماجداتْ، وأيها الثوارُ، والمجاهدونَ والمناضلونَ، أبناءُ امتنا العربية المجيدةْ..

 


وَهكذا هيَ الثورةُ التي تعرفونَها، وتقدرونَ لها صدقَ العهد، والالتزام، والموقف، أيها الأصدقاء.

إنها ثورةُ تموزَ المجيدةْ، في قاعدة التحدي، والبناء العظيمْ، عراق الحضارات، والموقف، والجهاد الكبيرْ.



أيها الشعب العظيم..



إننا الآن، جميعاً، نعيشُ محنة الحصار، والتهديد، والتآمر، ومسارات السوء الآتية من خارج العراق، ونعيشُ جميعاً، أيضاً، شرفَ الثبات، والموقف، والقدرة على مواجهة التهديدات، متكلين على القادر العظيم، ومُستَزيدينَ يَقيناً، بهمَّةٍ جهاديةٍ لا تَنْقَطعُ عَن نَبعها ومآلها، لشعبٍ مجاهدٍ كبيرْ..



في مناسباتٍ سابقة، قُلنا أَن الحصارَ لا يُرْفَعُ بقرارٍ جمعيٍّ من مجلس الأمن، مثلَما صُوّرَ بأنهُ قدْ أُتُخذَ بقرارٍ جمعيٍّ منهُ، وإنما يَتَفتَّتُ، كُلما ثَبتَ العراقيونَ على الموقف، وازدادَ وُضوحُ معاني هذا الموقف لدى العربْ، وازدادُوا تَفاعُلاً معهُ، هُمْ بالدرجة الأساس، وَمَنْ يحملُ قدراً جدياً من معاني الإنسانية والصداقة في العالمْ..



وَفي نهاية عامْ 1997، وَبداية عامْ 1998، خاضَ العراقيونَ معاركَ، واتخذُوا مواقفَ، وَضعت الشهود، والذينَ لَيسَ لَهُم مصلحةٌ في الحصارْ، قبالَةَ أصحاب الغرض والسوء، وَبما يجعلُ الصَفَّيْنَ تفصُلُهُما ارضٌ منبسطةٌ واضحةٌ، تُحَدّدُ ما هُو في الساحة بينَهُما، بما لا يقَبلُ اللبس والتَداخُلَ، وَلا يسمحُ بمناورةٍ غير مكشوفةْ..



وإذا كانَ أعداء العراق يَتَصورونَ أَنَهُم قادرونَ على أَن يَخدعُوا شعباً مُسْتَنْفَراً بكُلّ عوامل الحمية الوطنية ومعانيها، وتجارب الحياة التي خَبَرَها، وَعَجَنها، واكتوى بالنــار التي تُنْصَبُ لَهُ من أعدائه، ومدفوعاً بعوامل الدفاع عن الحياة وسطَ مبادئها العَظيمَة، وتراث امَتنا الخالدْ، تجاهَ مَنْ أرادُوا، وَيُحاولونَ اغتيالَهُما، مُتَحَمّلاً عشرات الألوف منَ التضحيات السخية بالأنفس الغالية، في كُلّ حقبةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ، جَرّاءَ نقص الغذاء والدواء، واستخدام القوةْ، نقولُ لهمْ، باسم شعب العراق العظيمْ ، أَنهمْ هُمُ الواهمون، وَالأَوْلى بهم أنْ يُعيدُوا قراءَ ةَ التاريخ القديم، وهذا التاريخ المجيدْ، قراءةً غيرَ مُسْتَعْجَلَةْ، ليستنبطُوا منها الدروسَ، التي تُجَنّبُنا، وَتُجَنّبُهُمْ مَهاوي شرورهم، وَأنفُسهم الأمَّارة بالسوءْ.



ونؤكدُ القولَ أن الرسالةَ التي وَجَّهَها إلى مجلس الأمـن والأميــن العـام للأمم المتحدة، الاجتماعُ المُشتركُ لقيادة الحزب ومجلس قيادة الثورة في الأول من أيار 1998، ليستْ صيحةَ احتجاجٍ فقطْ، وإنما هيَ إرادةٌ واستراتيجية بديلةٌ، في حالة عَجْز الوسائل والطرق الأخرى عَن إعادة الحياة إلى مجراها الطبيعيْ، وتجعلُ الحقَّ الثابتَ في نصابه الصحيحْ، وإنَ القيادةَ والمجلسَ سيجتمعان في وقتٍ لاحق، ليتَدارَسَا هذا الموضوعَ بعمق، وَيتصرَّفا مَعَهُ، هُما وشعبُهُما العظيمْ، الذي هوَ دوماً في الأحداق، وأعماق الضمائر، التي تنبضُ بالوطنية، والحمية القوميةْ.. وَلَنْ يَصُحَّ بعد ذلك إلا الصحيحْ ..



واللهُ اكبرْ..



وَأَمامَ صُمود العراقيينَ، وصلابة تَمَسُّكهم بضرورة رفع الحصارْ، واستعدادهم العميق لرفد خزين التضحية بشرفٍ إضافيٍ، بدأَ الحصارُ يَتَفَتَّتُ فعلاً..



إن هذا العامَ، وما سيتبعُهُ، إن شاءَ اللهُ، من زمنٍ إضافيٍ، إنما هو عامُ وزمنُ تفتيت الحصار عَن العراق، بصورةٍ جديةْ، وسيكونُ، هُوَ وخزينُ الطاقة الثــورية، الوطنية، المؤمنة، والموقف القوميّ الأصيل لمَنْ يَقفُهُ، خزينَ الكنانة، ومنهلَ الشلال العظيم، للإجهاز على الحصارْ، وكسر قيودهْ، وإخزاء دهاقنته، وأشراره، وأوغاده، إن شاءَ اللهْ..





أيها العربْ..



دائماً، ثَمَّةَ دروسٌ غنيةٌ في التاريخ، تؤشرُ، باستحضارها، جانباً ممَّا هو ممكنٌ، وغيرُ ممكنْ، عن الحاضر، في الوقت الذي تنشطُ الهمةُ والإيمان في تهيئَة القدرة، أو استنفارها، لتؤدي دورَها، وفقَ الإطار والتوقيت المُناسبَيْنْ.. وَفي هذه المناسبة: الثلاثينَ من عيد الثورة المباركةْ، وبمناسبة حديث قسمٍ من العرب عَن اجتماعاتٍ لقممٍ كاملةٍ وشاملةْ، وآخرينَ عَن قممٍ مُصَغَّرةٍ أو مُتوسطةٍ، لبحث قضية فلسطينْ، أو القضايا القومية، بمعناها الشاملْ.. وعطفاً على خطابٍ سابق ٍلنا بنفس هذه المناسبةْ، في تموزْ 1997، عَن قضية فلسطينْ، نقولْ:



لَقدْ اجتمعَ مُمَثّلُو سبع دولٍ عربيةٍ في بلُودانْ عامْ 1945، وَأسفرَ الاجتماعُ عن تأسيس الجامعة العربيةْ، وَقدْ استمرتْ الجامعةُ العربيةُ، منذُ ذلكَ التاريخ، حتى الآنْ، رغمَ أَن الذينَ قَرَّرُوا ذلكَ هُمْ مُمَثّلُو سبع دولٍ فقطْ، هي الدول التي كانت مستقلة آنذاك، وليسَ مُمَثّلي اثنتين وعشرينَ دولةً وكياناً، كَما هُوَ حالُ عناوين التقسيم السياسيّ، أو السياسيّ والدستوريّ، لوطن الأمة الآنْ... ورغمَ أنَ مداخلاتٍ أجنبيةً، إنكليزيةً وفرنسيةً، بصورةٍ خاصةٍ، جَرَتْ في حينه لجعل تشكيل الجامعة العربية بديلاً عَن الوحدة العربية، التي كانتْ الجماهيرُ العربيةُ ترفعُ شعاراتها بقوةْ، وَتدعُو إليها، وَتَهزُّ كراسيَ الحُكْم بها، وبقايا الاستعمار في الوطن العربيّ الكبيرْ، لَمْ يَسْتَطعْ الاستعمارُ القديمُ أَنْ يَتَحَكَّمَ في مســارها اللاحقْ، لانَّ الجماهيرَ القوميةَ، وشعاراتها ونضالَهـا العظيمينْ، كانتْ باتجاهٍ مضادٍ لإرادة الاستعمارْ، وهكذا حافظَ الحالُ على الجامعة العربية، وأَبقى قدراً منَ الحماسة قائماً لعقد مؤتمراتها، بما في ذلكَ مؤتمراتُ القمة منها..



وَلَوْ لَمْ يَكُنْ موقفُ الجماهير العربية بهذا الوصف لأُلْغيَت الجامعةُ العربيةْ، في مراحلَ سابقةٍ من مسارها، بَعدَ أَنْ فَشَلَ الأجنبي في أَن يجعلَ منها مشروعاً استعمارياً قابلاً للإنجاز كبديلٍ عَن الوحدة العربية الغَرّاءْ.



وَفي عام 1967، بَعَد نكسة 5 حزيرانْ، اجتمعَ العربُ في الخرطومْ، وَلمْ يَضُمْ الاجتماع كُلَّ المسؤولينَ العرب، على مُستوى الشخص الأول، أو الأشخاص المباشرينَ بعدَ الشخص الأول، ومعَ ذلكَ فَقد اتخذَ المؤتمرُ قراراتٍ من بين أهمّها قراراتٌ شكلتْ قاعدةً لصمودٍ عربيٍ هَيَّأَ، لاحقاً، إمكانية التحول إلى التصدي للعدوان، وللمخطط الصهيوني الأمريكيّ ضدَّ فلسطينْ، وَضدَّ ديار العرب، وَسُمّيَ آنذاكَ بـ (مؤتمر الـلاءات الثلاثْ)، وكانَ هناكَ مَنْ يَغمزُ ذلكَ المؤتمر بطرف عينْ، وَمَعَ ذلكْ، فَقدْ شكَّلَ رفضُ الهزيمة، وإصرار مصرَ عبد الناصر على التحريرْ، القاعدةَ السياسيةَ والنفسيةَ للموقف العسكري في عامْ 1973.. وَقَدْ حَصَلَ هذا لانَ الجماهيرَ العربيةَ ساندتْ إرادةَ القرارات، التي صدرتْ عَن القمة آنذاكْ، ولأنَ عبدَ الناصر، رَحمهُ اللهْ، بما لهُ من وزنٍ وطنيٍ، وقوميٍ، ودوليْ، كانَ يدفعُ إلى تلكَ القراراتْ.. وَهكذا بقيتْ تلكَ القراراتُ صامدةً، حتى خرجَ الساداتُ على الصفّ العربيّ، بموقفه المعروف عامْ 1977، وَرغمَ هول الصدمة التي أَصابتْ الجماهيرَ فقدْ التأَمَتْ، في بغدادْ، قمةٌ عربيةٌ عامْ 1978، لَم تَحضرْها مصرْ، ولَمْ يَحضرْها عددٌ من مُمثلي الدول العربية على مُستوى المسؤولينَ الأوائل، وَمَع ذلكْ، ولأنَ انعقادَها، وما ينبغي من موقف الحدّ الأدنى، قَدْ التقى، أَو جاءَ، على أساس رغبةٍ عربيةٍ قوميةٍ، أساسُها الموقفُ الشعبيُ العربيُ الواعيْ، فقدْ اُتُخذَتْ قراراتٌ عديدةٌ، طُبّقَ قسمٌ حيويٌ منها، وَشَكَّلَ القاعدةَ الأساسَ، نفسياً وعملياً، في صمود آخرينَ، وعدم انهيارهمْ، مثلما كانتْ تتوقعُ الصهيونيةُ، ودهاقنةُ الإمبريالية، بعدَ موقف السادات ذاكْ..



وَفي عام 1973، على هامش حرب تشرينَ العربية ضدَّ الكيان الصُهيونيْ، دَعا عددٌ قليلٌ منَ الدول العربية الجهات الدوليةَ المؤثرةَ إلى موقفٍ مُنْصفٍ، أو في الأقلّ يُمثلُ الحدَّ الأدنى، الذي بَعدهُ يكونُ السوءُ طوفاناً، وَإلا اضطُرَ العربُ لأن يُدْخلُوا مصلحةَ الأمن القومي العربي في اعتباراتهم، وعلاقاتهم النفطية، والاقتصادية بوجهٍ عامْ، معَ الأطراف المعنيةْ.. ولأنَ الإرادةَ الجماهيريةَ كانتْ معَ تلكَ الدعوة، التي لَمْ تتجاوزْ الإعلانَ في سياسة القسم الأكبر من الدول العربية المعنيةْ، أو لأنَ تلكَ الدعوةَ كانتْ تمثلُ جانباً من صميمية الموقف الجماهيري العربيْ، فقدْ كسبَ العربُ الموقفَ في هذا الميدان، من غير تضحيةٍ جديةٍ كانَ عليهم أَن يقدمُوها في حينه.



وَفي عامْ 1980 زُرْنا السعوديةَ، بعدَ أَن ضغطَ الكيانُ الصهيونيُ على الدول، التي لَديها تمثيلٌ دبلوماسيٌ فيه، لكَيْ تَنْقُلَ ممثلياتها، وسفاراتها إلى القدس، بَعدْ أَن كانتْ في تلْ أبيبْ، وأَعطاها مهلةً قصيرةً، وإلاّ يُصَارُ، بَعَدها، إلى قطع العلاقات، وإلغاء التمثيل الدبلوماسيْ، وَقدْ استجـابَ عددٌ من الدول لهـذا الضغط الصهيونيْ، ولكنْ بمجرد أن اتفقْنا مَعَ الملك خالدْ، رحمهُ اللهْ، وَوَثَّقْنا معاً، ذلكَ الاتفاقَ في بيانٍ أَعَلنّاهُ، بعدَ الاجتماع مَعَ الملك فهدْ، الذي كانَ وَليَ عهدٍ آنذاكْ، لَمْ يتوقفْ نقلُ السفارات إلى القدس وحسبْ، وإنما أُعيدَتْ إلى تلّ أبيب حتى السفاراتُ التي كانتْ قد نُقلَتْ إلى القدس.. وَمن ذلكَ ترونَ كيفَ افلحَ إعلانٌ مُقتضَبٌ من دولتين فقطْ من دول العربْ، هُما العراقُ والسعوديةْ، في زيادة اعتبار الأمة، وهيبتها بينَ الأممْ، ذلكَ لأنَ ذلك الإعلانَ، وَإنْ كانَ قَد صدرَ مُشْتَرَكاً من دولتينْ، فإنهُ كانَ بمعانيه يُمثلُ إرادةَ الأمة كُلّـها، وإرادةَ الشعب كُلّهْ، ولأنَ الإعلانَ قـدْ استندَ إلى قرارٍ راسخٍ فـي النفـوس بأَنَّ إنذارَ الدولتين لمَنْ يستجيبُ للإنذار الصهيوني هو إنذارٌ جادٌ، وهوَ للتطبيق، وليسَ للدعايةْ، أيقنَ المعنيونَ أن الدولتين ستُعيدان النظرَ في العلاقة معهُمْ، وَقدْ يتبعُ كُلُّ العرب ذلكَ فيما بعدْ، ولذلكَ استجابُوا فوراً بالامتناع عَن نقل سفاراتهم إلى القدسْ، بَلْ حتى مَنْ نقلَ سفارتـَهُ إلى القدس قبل ذلك الإعلان أَعادَ نقلَها إلى تلْ أبيب بعد..



وَفي عامْ 1990، التأَمَ اجتماعُ العرب في قمةٍ عربيةٍ انعقدتْ في بغدادْ، لَمْ تحَضرْها سوريا، رَغمَ أَن الدعوةَ وُجّهَتْ إلى المسؤولينَ فيها، وَلَمْ يَحْضَرْها على مُستوى الأشخاص الأوائل عددٌ من العربْ، ومعَ ذلكَ كانَ لقراراتها دويٌ مؤثرٌ على الكيان الصهيوني وصانعي، أو تابعي سياساته العدوانيةْ، وكانتْ الجماهيرُ العربيةُ قَدْ تجاوَبَتْ مع قراراتها، بما هُو محسوسٌ كأعلى مراحل التجاوب وأوسعها، بَلْ أن الثقةَ كانتْ ملموسةً فيها، وكثيراً من الآمال مُنْعَقدَةٌ علَيها من جانب الجماهير العربية، بمجرد أن تَقرَر انعقادُها، وقبلَ إذاعة ما أُذيعَ من قراراتها، حتى كانَ لتلكَ القرارات، والموقف، وطبيعة الأدوار والمواقف المعروفة فيها، رَدُّ فعلٍ انعكاسيٍ في خطط أصحاب المؤامرة السوداء، التي سبقتْ شهرَ آبٍ من عام 1990، ضدَّ بغدادْ ورجالها، وموقفها، وسياستها، وقدرتها، فَكانَ العدوانُ الثلاثينيُ الغاشمْ..



أيها الأخوةُ العربْ..



وَفي عام 1996، عَقدَ العربُ المعنيونَ اجتماعاً على مُستوى القمة، التأَمَ في القاهرةْ، وكانَ من أَهَمّ قراراته تسهيلُ مهمة أمريكا، وَمَنْ سانَدَها، في إدامة الحصار على العراق، تحتَ لافتة التشديد على ضرورة أن يطبقَ العراقُ ما سُميَ بقرارات مجلس الأمنْ، وَكَأَنَ العربَ المعنيينَ قَد تحولُوا ليقومُوا بدور أحد مكاتب الأمم المتحدة، نيابةً عَن أمريكا.. وَاتخذُوا أيضاً قراراتٍ أخرى، منها ما أُعْلنَ تحتَ لافتة القضية الفلسطينيةْ.



فَماذا حصلَ بَعد اجتماعهم ذاكْ؟ وهلْ اهتَزَّتْ شعرةٌ في رأس أيّ معنيٍّ في الكيان الصهيونيْ؟ أو اهتَمَّ البيتُ الأبيضُ، صانعُ مستلزمات الاحتلال والعدوان، والتوسع الصهيوني على العربْ وعلى حسابهم؟ وَهلْ كانَ لتلكَ القرارات أيُّ أثرٍ إيجابيٍ في ضمير العرب، من حافَتَيْ المحيط الأطلسي والمتوسطْ، حتى حافات الخليج العربي، وأعماق الجزيرة العربيةْ؟..



إنَ الجوابَ على هذا واضحٌ لدينا، بما يكفي للجزم المستقر، على يقينٍ لا تَهزُّهُ الألفاظُ المُنَمَّقَةُ لأيٍ كانْ. ولكنْ هلْ هوَ واضحٌ للمسؤولينَ عَن ذلكَ المؤتمر، الذي انعقدَ في القاهرة، مُسْتَغْنياً عَن المعانيَ التي تُمثلُها بغدادُ الآنَ في موقف العرب وتاريخهمْ؟ وهل كان المؤتمر عندما يبحث قضايا العرب ينظر بنظرة متفحصة إلى طبيعة هواجس الجماهير العربية وموقفها؟



إنَ العودةَ إلى جانبٍ من الماضي القريب قَدْ تَنطوي على شيءٍ من الحَرَج لبعض العَربْ، وَلكننا لا نقصدُ ذلكَ بحدّ ذاته أبداً، غَيرَ أَننا في أشدّ الحاجة لتلكَ التساؤلات المباشرة، سواءٌ منها ما هُو َلنا أَو علينا، فنحنُ تحتَ عناوين الحكام، أو القادة، كُلٍّ حسبَ وصفهْ، أَحوجُ ما نكونُ اليها، بصفتنا هذه، مما نحنُ بحاجةٍ إليها لَو كانتْ صفَتُنا مُجردَّ مواطنينَ عاديينَ في أقطارنا.



وَلأنَ جدرانَ قصور الحُكْم، في اغلب الأحيان، ليستْ شَفّافَةً، وَلأنَ هذا هُو الوصفُ الموضوعيُ لها بوجهٍ عامْ، ولكي يكونَ أيٌّ منا قريباً من إرهاصات، وتطلعات، ورؤية الشعوبْ، فَلابدَّ أن يكونَ ضميرُهُ شَفّافا، وحياً، ومبادئُهُ كذلكْ.



وَلأَن أَحوجَ ما يحتاجُهُ الضميرُ الشَفّافُ والحي، والمباديءُ الشَفّافَةُ المعبرة عن حقيقة الأمة، هُو الحقيقةُ، كَما هَي، فانَ الحديثَ فيها، وَعَنها، والتساؤلَ فيها، وَعَنها، منّا، أو منْ غيرنا بصوتٍ مسموعٍ، هُو عملٌ وطنيٌ وقوميٌ شريفْ، بَلْ هُو واجبٌ دينيٌ مقدسْ!.



نَعودُ لنقولَ، أيها الاخوةُ العربْ: إذا كانَ البعضُ يأخذُ رأيَ أمريكا مُسبقاً، أو يُدْخلُ رَأيَها في القَبول، أو عدم الرضا، في انعقاد، أو عدم انعقاد القمةْ ومكانها وكيفيتها، فكيفَ نتصورُ تصرفَهَ إزاءَ جدول الأعمال، وَمَنحى قرارات المؤتمرْ، وَبخاصةٍ تجاهَ قضَايا من الواضح أَن لأمريكا رأياً واضحاً وَمُحدداً سلفاً تجاهَها، وأن هذا الرأيَ منحازٌ وليسَ حيادياً، وأنه على حساب العرب، وَليسَ في موقف الوَسطْ بينهم وبين عدوهم..؟!



لَقدْ جامَلَ بعضُ العرب أمريكا، وَسارَ كُثْرٌ منهُم على أَمَل أن تُراعي صداقَتَه لَها، وَتضحياته من أجلها، خلالَ عقدين أو ثلاثة عُقودْ، وَبقيتْ فلسطينْ، وأراضٍ عربيةٌ أخرى، مُحْتَلَّةْ، وَبقيتْ أولى القبلتين وثاني الحرمين المُطَهَّرتَينْ، القدسْ، مُحْتَلَّةْ، وَمَعَ ذلكْ، هنالكَ بينَ حُكّام الإسلام، وبعضُهُم عربيٌ، مَنْ يقولُ أنهُ مُسلمٌ، يُمثلُ شعبَهُ، ويؤمنُ بكتاب الله : القرآن الكريمْ، ولا يشعرُ، مَعَ ذلكَ، أيضاً، بحرجٍ وبجرحٍ غائرٍ في قلبه وصدرهْ، لأنّ القدسَ مُحْتَلٌّ من الصهاينة، ظُلماً وعدواناً. أليسَ هذا تناقضاً معَ الحق، والحقيقة، والمسؤولية، والإيمانْ؟..



أيها الأخوةُ المسؤولُونَ العربْ..



لَقَد عَلَّمتْنا تجاربُ ثلاثينَ عاماً من النضال، والجهاد، والبناء في الحكم، وقبلَ ذلكَ، ما هوَ معروفٌ في سفرْ النضال السري، وما نَحملُ من معاني المبادىء العالية، التي آمنّا بها، ولَمْ نُساومْ عليها، إن الحكمةَ هيَ أن يَستزيدَ مَن يُمَكّنه اللهُ ليَكونَ على قدرٍ من القدرة، ويتَّكلَ على الله، ولا يستغنيَ عنْ أبسط الناس في عَواطفهم، أو قُدراتهم، أو رأيهم إنجازاً لهذا.. لأن الأهداف كُلّما كانتْ عاليةً، تَطَلّبَ لإنجازها، حَشْدٌ أوسَعْ، وأعمق، لا يستغنيَ المسؤولُ فيه عن الصغير والكبير، وَمَنْ كانَ على الحافة الأمامية منهُمْ، أو في الأعماق البعيدة من مكان المنازلة، ومع ذلك، فإذا وجدتم، بعد كلّ هذا، أَنهُ الأفضل للأمة وأَن هذا يَستجلبُ حماسةَ أبنائها لأنْ تَعْقدوا قمةً، أو أيَّ تدبيرٍ بجزء من قدرات الأمة فحسب، وليسَ بكل قدراتها، لتَسْتخلصُوا حقَوقَها المُغْتَصَبةْ، وتُحَصّنُوا ما ينبغي تَحصينُهُ من حَق ٍثابتْ، لتَدرأوا عنه غوائلَ الطامعينَ، والحاقدينَ، وأصحاب الهوى، فإن ذلكَ يُفرحُنا كثيراً، لأنهُ يُؤكدُ أن الأمةَ بخيرٍ، كما نَثقُ بها ونراها، والأهم، أنَكُم إن تَمَكَّنْتُمْ فعلاً، أو تَمَكَّنَ قسمٌ منكُمْ فحَسبْ، من تحقيق هذا، وفقَ موجبات الحد الأدنى مما يُرضيَ اللهَ والأخيارَ منْ أبناء الأمة، فهذا يُؤَكدُ، على رؤوس الأشهاد، أن المعنيينَ الأساسَ فيه جزءٌ حيٌ من أمتهم، ولا بأس، عندَ ذلك، في أن لا يكونَ اسْتغناؤُكُمْ عَنْ قُدُرات بغدادَ تَهَرُّباً من تلكَ القدرات، وفاعليتها أو إهمالاً لها، وإنما مَحضَ التفاتة مُحاربينَ، لتَستَريحَ بغدادُ إلى حين، بَعدَ شوطها الطويل في الجهاد، حيثُ يكونُ هناكَ مَنْ يَسُدُّ مكانَها في جَبهة الجهاد المُشَرّفَة هذه، وإن كانَ هذا، حتى على وفق هذه الكيفية ودوافعها، لا يُرضي بغداد، وأهلَها، ومُحبيها، وشَعبَ العراق العظيم، الذي لم يَقفْ يوماً موقفَ المُتَفرّجْ، وَلَمْ يَرتَض لنفسه استراحـة محاربْ، علـى هامش ساحاتها، عندما يَشتدُ أوارُها، أو عندَما يكونُ في الأمر ما يستوجبُ التذاكر والمشورةْ.



ولكن عليكُم، أيُها الأخوةُ، أن تَتَذكَّرُوا حكمةً مُستَخْرَجَةً منْ هذا السفْرَ الخالد البهي: مَنْ أرادَ أنْ يُهوّمَ على العدو بسيفٍ، لا يَقصدُ استخدامَهُ إلا مضطراً، فَليُهوّمْ عليه، بلا تَردُّدْ، بسيفٍ مُجَرَّبٍ مشهودٍ لَه..



وَمَنْ أرادَ حكمَةً ، فَلْيَسأَلْ مُجَرّباً..



وَمَنْ أرادَ أنْ يُنذرَ عَدوَّه، فَلتَكُنْ قُدراتُهُ مرئيةً من عدوّه بما يُتيحُ أمامه فَرصةَ الاختيار قَبلَ التورطْ.



وَمَنْ أراد استخدامَ القوة فعلاً على عدوه، بَعْدَ اضطرارٍ لابُدَّ منهُ، فلَيزُجَّ، في ساحاتها رجالاً يَكسبونَ قسماً منْ المعركة بعناوينهمْ، ويَكسبُ القسمَ الآخرَ سيوفُهمُ الأصيلة..



ومنَ الله التوفيقْ..
وَعليه نَتَوكَّلُ، أولاً، وأخراً..
واللهُ اكبرْ..

 



أيها الاخوةُ العربْ..



لَقدْ حاولَ بعضُ المسؤولينَ العرب خلالَ السنتين الماضيتين، على نحوٍ مفجعٍ، أن يُزَوّرُوا الحقائق، سواءٌ عَن قصدٍ، أو جهلٍ منهُم بعوامل وأسباب الصراع، بينَ العرب وكيانٍ مُغتصـبٍ لمقدساتهم، وأرضهم، وَيُهددُهُم بأقسى ما يمكن أن يكونَ عليه التهديدُ القاسي للحياة، وللسيادة، والأمن، بلْ ويستخدمُ عليهم، كلما وَجَدَ، وحيثُما أُتيحَتْ أمامَهُ، فرصةٌ لاستخدامه ضدَّ شعبهم وأرضهمْ.



ولعلَّ أحداً لا ينكرُ المعاناةَ القاسيةَ التي يُعانيها شعبُ فلسطينَ الجريحُ المجاهد، وشعبُ لبنانَ المناضلْ، والشعبُ العربيُ في الجولان المُحتَلّ، جَرّاءَ استهتار الكيان الصهيوني بأبسط مُقومات الحقْ، حتى بمنظار غير العربْ، أقولُ راحَ بعضُ المسؤولينَ العرب يُحَوّلُونَ، علناً وصراحةً، حقيقةَ الصراع بينَ العرب، والكيان الصهيوني المُغتصب المُعتدي، وَما فقدوُهُ جَرّاءَ اغتصابه وعدوانه، من معانٍ عظيمةٍ، إلى اختلافٍ في السياسات فحسب، وَصارُوا يُصَغّرُونَ وَيُقَزّمُونَ مَيادينَ وَمعاني الاختلاف هذهْ، ليُصورُوها كَأَنها بيَن بعض حكام العرب ونتنياهو، وعلى مسائلَ تكتيكيةٍ مرحليةٍ، فرعيةٍ فحسب، وَليسَ على قضَايا أساسيةٍ، استراتيجية، مصيريةْ تهم الأمة كلها، وبذلكَ استسلمُوا أمامَ عدوهم مُسبقاً، لأنَ الصراعَ الذي يُنادي فيه طرفٌ بكامل أهدافه، ويُفصحُ عَنه للوسط المطلوب منهُ التضحيةُ من أجلهْ، وإعدادُ مستلزماته الاستراتيجية، لتنجحَ أمامَ طرفٍ يُخفي أو يتنازلُ عَن الكليْ، ويُعلنُ الجُزئيَ فَحسبْ، ولا يطلبُ من حشدٍ للقوى والإمكانات إلاّ ما يَتَكافأُ مَعَ الجزئيّ فحسبْ، سينهزمُ فيه الطرفُ الأخيرُ لا محالةْ، بلْ هو مهزومٌ فيه ابتداءً، نفسياً وفعلياً، قبلَ الدخول إلى ساحات منازلاتها، وهذا ما عليه حالُ بعض العرب، الذينَ راحُوا يَستجدونَ عطفَ الإدارة الأمريكية المنحازة، لتُعاونَهُم، فَتضغطُ على نتنياهو، ليستعيدَ تواصلَ البحث في ما سُمّيَ بالحل السلميْ، قرارات مدريدْ وأوسلُو فحسبْ، وإنَ لعناتهم لا تنصبُّ إلاّ على نَتنياهو، وَتَعضدُ غفلتَهُم هذه الإدارة الأمريكية الصهيونيةُ، بما يمكنُ ذَرُّهُ من رمادٍ في عيون بعض العرب من حينٍ إلى آخرْ.



قَدْ يقولُ قائلٌ أن المتكلمَ لا يُتْقنُ فَنَّ التكتيكْ، وَأَنَ التناوُلَ العربيَ وفقَ هذه الكيفية يُمكنُ أن يُكْسبَ العربَ أصدقاءَ في العالم، في الوقت الذي يُخْسرُ فيه الكيانَ الصهيونيْ، وأقولُ تعليقاً على ذلكْ:



أيها الأخوةُ العربْ...



إنَ التكتيكَ ليسَ (فَهلوةْ)، وليسَ أسلوباً سحرياً في السياسة الدولية اليومْ، وإنما هوَ فعلٌ مُوَزعٌ على القدرة والزمن، بما يخدمُ الاستراتيجية الموضوعةَ لميدانٍ وهدفٍ، أو أهدافٍ، أو فعلٍ محسوبٍ لزمنٍ محددٍ في ضوء قدرةٍ، يجري تخصيصُها وحشدُها في الميدانْ، لذلكَ فَهوَ، أيْ التكتيكْ، جزءٌ من استراتيجية معلومةٍ ومفهومةٍ على مستوى الحكام والشعبْ، وَمن غير ذلكْ، لا يُمكنُ أَنْ يَنجحَ التكتيكْ. هذا من ناحيةْ، ومن ناحيةٍ أُخرى، فإنَ العدوَ يُتْقنُ فَنَّ التكتيك، وَيُتْقنُ التعامُلَ التكتيكيَ والاستراتيجي مع أوساطه الجماهيرية، ومع أعدائه وأصدقائهْ، وَيُتْقنُ فَهْمَ طبيعة السياسة الدولية في هذا الوقتْ، مثلَما في السابقْ، لذلك، فهوَ لا ينتظرُ أَن تُفضي لَهُ السياسةُ الدَوليَّةُ بما يتمناهُ طَوْعاً، أو يعملُ على الحصول عليه، وإنما ينتزعُهُ منْها، بَلْ وَيُقسرُها على أن تَستخدمَ عليكُم جانباً منْ مفاهيمه وأهدافهْ، لتُقدمُوها بلا معركةٍ معهُ، وبلا استنزافٍ له، لذلكَ فانَ العدوَ لا يخسرُ شيئاً أبداً تجاهَ هذه السياسةْ، أو بالأحرى اللاسياسةْ.



ولأنَ العدوَ يُتْقنُ فَن استخدام التكتيك، كجزء من استراتيجيته، لذلك فهوَ يعرفُ أنَ الهدفَ الذي تدافعُ عنهُ ينبغي أَن لا تكونَ أقدامُكَ على حافته النهائية المقابلة لَهُ فَحسبْ، وإنما أن يكونَ خلفَكْ، ليكونَ مضموناً أمامَ هجمات المقابل، ويعرفُ العدوُ أن أيَّ هدفٍ تُنْتَزَعُ عنهُ صفةُ القُدْسية، والمصلحةُ العامةُ الجاذبَةْ للشعب والأمة، لا يمكنُ أن تُحْشَدَ لَهُ قوةٌ قادرةٌ على انتزاعه من الطرف المُقابل، ومواجهته مواجهةً مؤثرةْ، لذلكَ نراهُ، دوماً، يطرحُ أهدافاً اعمقَ، واكبرَ، وأقسى من الأهداف التي تتحدثونَ عنَها، وتطالبونَ بها، ويعبئ قواهُ على المُعْلَن، وَغير المُعْلَن منها،وَيَتَحَسَّبُ، وَيحسبُ تحالفاته على هذا الأساس..



فَعُودُوا إلى الحقّ كَما هو، أيها الاخوةْ، يعودُ الحقُّ إليكم، برعاية الله، كَما هَوَ أيضا.. وَعندَ ذلكَ يكونُ التكتيكُ ناجحاً.. وعندَ ذلكَ أيضاً، فانَ أيَّ سياسةٍ، مَهما فاتَ العربُ ممّا هو فرعيٌ فيها، لا تجعلَهُم يخسرونَ حَقَّهُم التاريخيَ، في ظلّ مُتغيراتٍ لا يَنتظرُ فيها الزمنُ العاجزينَ، والضُعفاءَ، إلى مالا نهايةٍ، ليمدَهُمُ بمكاسبَ جاهزةْ.



ومَعَ ذلكَ، فإن بغدادَ العرب والإسلامْ، بغدادَ المليئةَ غَيرَةً على المبادئ والمُثُل العليا للامة، والمُحبَةَ لأبناء أمتها، لا تَرتَضي لنفسها أن تكونَ سبباً، أو ستاراً وحجة لعَرقَلة انعقاد اجتماعٍ جديٍ للعربْ، على مستوى القمة، ليُقَرّرُوا فيه ما يجعلُ الأمةَ في حالةٍ أفضلَ إزاءَ نَفسها، وتجاهَ مُحبيها وأعدائها..



المُهمُ، أن تَجْتَمعُوا وأن يكون اجتماعكم على هدف وإن يكون اجتماعاً جدياً، أيُها الأخوةْ، لتُقَرّرُوا، في شؤون أمتكُمْ، ما يُرضيَ اللهَ وأبناءَ الأمةْ..



وأن تَتَدارسوا أمورَكم بحكمةٍ، من غير أنْ يُلهيَكُمْ، أو يعوقَ موقفَكُمْ إزاءَ واجبكُمْ، عائقٌ، أو هوىً..



وأن تكونَ اجتماعاتُكُمْ مُنتَظَمةٌ، ومُحَدَّدَةٌ سلفاً، مكاناً، وزماناً، في كلّ مرةٍ، وبغَضّ النظر عنْ الاختلاف، أو الاتفاق، في هذا، أو ذاكَ من الأمورْ..


وَعندَ ذلكَ، فإنَكُمْ تَمُدُّونَ أنفسَكُمْ بسببٍ منْ الأسباب القوية، لتكونوا جزءاً حياً في أمتكمْ، وتكونَ أمتُكُمْ ذاتَ شأنٍ أعلى، وحالٍ أفضلْ.



أيها العربُ النشامى..



إن العراقيينَ يعرفونَ أَنهم يدفعونَ ثَمنَ أيّ وقفة حَقٍّ، وأيّ قول حقْ، وإن ثَمنَ وقفة الحق والكلام عنهُ، الآنَ، ليسَ اقتصادياً ليلغي اتفاقاً أو مساعدة، أو دبلوماسياً لتضعف العلاقة بين بلدين أو اكثر، أو ثقافياً، أو شيئاً من هذا فحسبْ، وإنما كُلُّ هذا مُغَمَّساً بدمٍ طهورٍ للشهداء الأبرار، ولكنهُمْ أي العراقيين، أيضاً، يعرفونَ، وَكُلٌّ منهم يُذَكّرُ الآخرَ، ولا يَنسى، بأنَ التضحيات يَنبغي أن تكونَ على مُستوى الأماني، والآمال، والأهداف، بَلْ وَينبغي أَن يستعدَّ أصحابُها للمُستوى الذي يناسبُها، وأنْ لا طريقَ أمامَ الذينَ يقصدون الذرى، وليس الوديان الآسنة، غَيرَ مُستواها من التضحيةْ، وأن لا خروجَ من أيّ محنةٍ أو مَأزقٍ يُسببُهُ الأجنبي الإمبريالي الطامعْ، أو الأجنبي المُحتلُّ الغاصبْ، بالبناء على الأرض الواطئَة، لأَنَ السيلَ سيجرفُها، لتغدُو غثاء، وأَنَ العدوَ المغتصبَ والطامعَ لا يفهمُ الحقيقةَ، ويستجيبُ إلى ما هو حقٌ وعدلٌ بالإذعان المُتخاذل، وإنما بالوقوف وقفةَ عزٍّ مشهودةْ، والتهيؤ على هذا الأسـاسْ.. وعندَ ذلكَ قدْ يتراجَعُ الأجنبي، من غير دماءْ، أما مواقفُ الإذعان المُتخاذل فَلا تُخْرجُ أياً من مأزقه، أو المأزق الذي وُضعَ فيه، وَلا تفتحُ للمحنة أبوابَ عزٍّ، تَجعلُ القدرةَ خارجَ إطار مَنْ يُطَوّقُها، وَيَسُومُها سوءَ العذاب، أو يُبَدّدُ عناوينَ مكوناتها، والعراقيونَ يُرَدّدُونَ قولَ شاعرهمْ الكبير كمال الحديثي:



وَما نَجّى الحُبَارى منْ هَوانٍ إذا فَرَّتْ تُلاحقُها الصقورُ
وتَزدَهرُ الحياةُ على اخضرارٍ وَيَفنى مَنْ لهُ عمرٌ قصيرُ
وَنَلقى من مواردنا شَتيتاً يُحَيّرُ حينَ تختلطُ الأمورُ
ونَخبطُها كما شئنا ونَمضي فَنَشْرَبُ صَفْوَها وهو الأثيرُ



واللهُ اكبرْ..



أيها الأخوة العربْ..



إن الموقفَ الثابتَ على أرضية الحقّ وأهدافه يُقَرّبُنا من ضمائرنا، أو يُقَرّبُ ضمائرَنا منا، وَيَجعلُنا جزءاً حيّاً من شعبنا وأمتنا، نُمدُّهُ بأسبابٍ إضافيةٍ في الحكمة والقدرةْ، وَيُمدُّنا بدفقٍ عظيمٍ من الحكمة والقدرة والمحبةْ، والأهم، أنه يُقَرّبُنا من صاحب القدرة والحكمة المطلقْ: اللهْ، الخالق العظيم، وَيمنحُنا فُرصةَ الرضا، والغفران عَنا، وَعن أخطاء الحكم التي لا تُحصى، وَلَن نُقَرَّبَ الى ما نأملُ اقترابَنا منهُ، أو اقترابَهُ منا، إلاّ بأنْ نكونَ جُزءاً حياً في الضمير الجمعي العربي، وأن يكونَ هاجسُ الجميع هذه الاعتبارات، وليسَ رضا، أو عدمَ رضا، هذا أو ذاك، من أعداء الأمة، والمستهينينَ بقدرتها..



وَعندَ ذلكْ، وبالاتكال على الله، والأمةْ، وليسَ على أيّ مسؤولٍ دولي، بإمكان العرب أنْ يَعقدُوا قمةً بمَنْ يَحضُرُها، تستقطب اهتمامَ وتفاعُلَ العرب، من المحيط الأطلسيّ والبحر المتوسط، حتى الخليج العربي، سواء غابَ عن القمة، أو حضرَها هذا أو ذاكَ منْ حكام العرب والقادة فيهم.



وعندَ ذلك سيتصرفُ المعنيونَ بها بثقةْ، وسيشعرونَ بمحبةٍ، لَمْ يألفُوها من قبلُ، في عيون وقلوب شعبهمْ، وسيشعرونَ بالتقدير، الذي يملأُ أنْفُسَهُمْ ثقةً، من دول العالم وَمُمَثّليها، عندَما يُشْعرُونَ أعداءهُم بالمهابة الواجبَةْ..



(رَبَّنا لا تؤَاخذَنا إن نَسينا أو أخطأنا، رّبَّنا ولا تَحْمل عَلَينا إصراً كما حَمَلتَهُ على الذين من قَبلنا، رَبَّنا ولا تُحَملَنا ما لا طاقَةَ لنا به، واعفُ عنَّا، واغفر لنا، وارحَمنا أنت مولانا فانصُرنا على القوم الكافرين) صدق الله العظيم



عاشَ العربْ..
عاشَ أبناءُ امتنا المجيدةْ..
عاشَ العراقْ..
عاشَ العراقُ المجاهدْ البطل..
وعاشتْ فلسطينْ حرةً عربيةً أبيَّةْ..
والمجدُ والخلودُ لشهداء العراق والأمة العربيةْ..
المجدُ والخلودُ لشهداء فلسطينْ..
واللهُ اكبرْ..
اللهُ اكبرْ..
وليخسأْ الخاسئونْ..

 



صدام حسين
١٧ تموز ١٩٩٨

 
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الاثنين / ١١ مـحـرم ١٤٣١ هـ

***

 الموافق  ٢٨ / كانون الاول / ٢٠٠٩ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور