خطاب الرئيس صدام حسين في ذكرى العدوان الثلاثيني ١٧ / ٧ / ١٩٩٩

 
 
 
شبكة المنصور
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 


أيها الشعب المقتدر، بأذن الله، الصابر، المجاهد، الوفي العظيم..
أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة، الأمينة، ورجال الدولة وبناتها، ورجال الأمن القومي الشجعان..
أيها الرجال والماجدات، ضمير وعقل العراق اليقظ، وعيونه التي لا تنام..
أيها المناضلون، والمجاهدون في كل مكان.. السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته..



مع بداية وجود الإنسان على مسرح الحياة، في هذا الكون الفسيح، أو بعد حين من ذلك، عندما أستقرأ ما هو أفضل، في الأفق، من المتداول الملموس، وفق قدراته المباشرة، والمرئي المجسد على أساس مدى نظره فحسب، ابتدأت، مع ذلك، فكرة وأمل، فكرة تتجاوز المرئي والملموس، وأمل على أساس إمكانية إنجاز ما يتصل بهما، أو يوصل بينهما من برامج عمل، وبدأ، مع هذا أيضا، من يقف في الطريق، ليقاوم الفكرة والأمل، فأنقسم الناس، أو سموا بموجب عناوينهم في الصراع، بين متطلع إلى ما هو ابعد وأفضل، وقابل أو مستسلم، بعد أن تربكه أو تقهر إرادته، أو تغرقه، مفردات المألوف الملموس والمرئي، والموروث، مما درج عليه الأولون.



ومع الفكرة الجديدة والأمل، ومع درجة ومستوى تمسك عناوين القديم الموروث، أو المتداول والمرئي، أو المستسلم لما هو عليه، والدفاع عن الحال ليبقى كما هو، وإصرار المجددين على فكرة وأمل جديدين للارتباط بما هو أبعد، وأعمق، وأرقى من ذلك، توصف درجة الصراع ومستواه، وكلما ازداد عمق واتساع الفكرة والأمل وبرامجهما وأهدافهما، في ميادينها، ازدادت الفجوة بين العناوين المتباينة أو المختلفة، وازدادت، مع ذلك، الصراع سعة وعمقاً، ومعه ازدادت التضحيات..


وأمر طبيعي أن نقول أن الفكرة والأمل كلما كانا عميقين خارج المألوف المتـداول، تم نقل المحيط الإنساني المعني بهما، والإنسانية بوجه عام، بجدية أعلى، من حال إلى حال أفضل، وعلى أساس هذا، وليس على أساس المألوف المتداول، تطورت الإنسانية، وتعاظم دور الإنسان على الأرض، وأمكن إدراك وحدانية رب السموات والأرض، والإيمان بها، لان إدراك وحدانية رب السموات والأرض هو اقتدار متطور في الرؤية واليقين، فمع تحرير الإنسان من المرئي بالعين المجردة، والملموس المتداول، والغرق فيه، تمكن من أن يكون فكرة لكل ما هو أفضل، وتعلق بها أمل لإمكانية تحقيقها.. ومع اتساع قدرته العقلية بتدرج معروف، رعاه الله بالنبوة المتكررة، وبممارسة الإنسان لدور محدد متصاعد، أدرك انه عاجز عن الإحاطة المطلقة.. ومع عجزه عن الإحاطة المطلقة، رغم كل ما أحرزه عقله وقدراته من تطور، وجد حاجة إنسانية لمداراة احباطاته إزاء عجزه عن إمكانية الإحاطة المطلقة لإبقاء الفكرة والأمل حيين في الحياة، لتنمية العقل والذوق والدور، والسعي الحثيث، من غير توقف إلا عند الحدود التي يرى بها الله، صاحب الإحاطة المطلقة، القادر العظيم، الرحمن الرحيم، عجز الإنسان عن ذلك، لإنقاذه من حالة الإحباط وهاويتها، للإبقاء على أساس معنوي لابد منه، لأغراض التطور والصعود نحو الأفضل..



هكذا.. إذن، بدأت الثورة الإنسانية فكرةً وأملاً، واتخذت أشكالاً ومحاولات شتى، كلا على أساس منبع انطلاقها، ورؤيتها، ولدورها القومي والإنساني، وما يتصل بذلك من استعداد للمواصلة، والمطاولة، والتضحية..



وعلى هذا، يا أبناء شعبنا العظيم، فأن ثورتنا كفكرة وأمل، وحتى كأهداف بوجه عام، ليست هي الحالة الجديدة أو الاستثنائية على إطلاق هذا الوصف، ولا حتى في خط التفكير والأمل، لا لشعب العراق العظيم، ولا للأمة العربية المجيدة، إذ نجد، هنا وهناك في رحاب الشعب والأمة والإنسانية أيضا، أفكاراً وآمالاً شتى، وبرامج وأهدافاً ومحاولات تتصل بها، بعضها واصل بعد خط البداية إلى مسافة منها، وبعضها حقق جانباً منها، وبعضها قد ابلغ رسالة ناضجة ومستكملة للإنسانية، بل أن الله، العزيز الحكيم، علّمنا كيف يمكن، عن طريق الأنبياء والرسل، أن ينطلق العام من الخاص، ويحكم الخاص بالعام، قانوناً ونتيجة، عندما صير الأمة العربية، وأرضها الفسيحة، على أساس استحقاق الفوز بأسبقية الوصول إلى الفكرة والخطوة الأرقى، مهداً للنبوة والرسالات السماوية على الإطلاق، وجعل للعراق شرف النصيب الأكبر فيها، عندما جعل إبراهيم الخليل العراقي أبا الأنبياء، ورغم ولادته ونشأته هذه، جعل مسؤوليته أوسع من ارض ولادته ونشأته الأولى، فصار يطوف في أجزاء من وطن امتنا، ليبلغ الرسالة التي أكرمه الله بها، إلى حيث ينبغي، في رعاية العام المحيط، صاحب القدرة المطلقة، الله الكريم العزيز.



إن الجديد الأهم ليس فكرة الثورة كبداية تغيير، ولا حتى أهدافها في الوحدة والحرية والاشتراكية، إنما الجديد الأهم فيها هو جديتها، وصدقها، وانبثاقها وسط شعب معروف تاريخيا بعمق جديته، وكيف كان دائماً يتجاوز المألوف، فكرةً وبرامج ومحاولةً، إلى ما هو أرقى، وأعلى، وأعظم، وأعمق، واشمل، حتى أنقذه الله، سبحانه، من إحباط استمرار التوغل العميق، والصعود الأعلى فأعلى، عندما جعل أرضه مهد أنبيائه، واختار ابنه إبراهيم، خليل الله، أبا الأنبياء، رسولاً للإنسانية جمعاء، فنظم سعيه في المحاولة، ودوره في الأعم، الأفضل، الأرقى، الأعمق، على النحو الذي يراه الرحمن الرحيم..



إن ثورتكم جدية، في شعب جّدي، وإنها صادقة، وأمينة على فكرتها الوطنية والقومية والإنسانية، وأنها قد أخضعت لتجربة المطاولة، لا لتختبر جديتها فحسب، وإنما أمانة حادي ركبها، شعب العراق العظيم، والبعث المجيد، وصدقهما بعد إن صارا حالاً واحداً، رافضين كل خنوع، وضعف، واستخذاء، ومساومة على حساب الحق، أو إحلال الشك محل اليقين، أو جعل الخاص بديلاً عن العام، أو التردد مكان الإقدام، أو الوقوف على مبعدة بعد خط البداية من الأهداف العظيمة، أو قبول المساومة على بدائل لا تعز أهلها..



ومع مستوى جدية تضحياتها، التي سببتها مقاومة الطامعين الأجانب، والمتحجرين لها، المعادين للأهداف المشروعة للثورة، ارتقت الثورة في مستوى علو وعمق وشمولية أهدافها، فاقتربت من مبادئ الأعم الاشمل، بعد أن أرضت صاحب الإطلاق العظيم، وطهّرت النفس والعقل من أي تعصب فرضته، أو تفرضه، الممارسة للخصوصية الوطنية والقومية، في مثل هذه الظروف، برؤية وفعل إنسانيين ينزعان ليعم الخير، والسلام، والأمن والمحبة، والعدل، والإنصاف على أساس مبادئ الحق وتراثه الخالد، ليعم الإنسانية جمعاء.



وهكذا أصبحت ثورتكم الوطنية، القومية، الإنسانية، الأمينة، الجادة، الصادقة، ذات قدرة مطاولة، لا يفسر أسبابها ومعانيها، إلا علو وعمق أهدافها، وعلى هذا أصبحت ذات رحاب إنسانية عميقة وفسيحة، فأكرم الله امتنا، مرة أخرى، بعد أن انقضى عهد النبوة والرسالات الإنسانية إلى أنبيائه، بأن جعل من الخاص، بعد أن تصورته تصوراً دقيقاً، منطلقاً إلى الأعم وفكرته الصحيحة، والى أمل عظيم يردفه ويوازيه، وصار برنامجه يمتحن يومياً ليجيب أن تطبيقه ممكن، بعد الاتكال على الله، وبهمة النموذج الكبير، العراقيين النجباء، وبإسناد أبناء امتنا المؤمنة المجيدة، وكل الأصدقاء في الإنسانية..



وهكذا، وضعت الثورة، في ضوء فكرة صحيحة، برنامجاً صحيحاً، تسندها همة يقين لا يتزعزع، وأمكنها السير بثبات، بعد أن رفعت كل خطوة ناجحة فيه يقين العراقيين بإمكانية تحقيق الخطوة التي بعدها، وصولاً الى كامل الأهداف، وبه سبحانه نستعين..



أيها الشعب العظيم..
يا أبناء امتنا العربية المجيدة..



هكذا كان الصراع، وهكذا كان يحصل دوماً، من منطلق هذه المعاني بين الأمة العربية، تحت شتى عناوين النهوض والصيرورة، والدور الأفضل، وبين أعدائها، وكلما كانت الأمة وعنوانها في واجهة الصراع الأمامية، يقظة ومهيأة لمثل هذا الدور، كانت قدرتها كافية لتهزم أعداءها باليقين الأكيد، ومستلزمات فعله الأخرى، بعد الاتكال على الله، وبغض النظر عن أي شئ لا يمكن لأعدائها أن يسلموا بدورها الوطني والإنساني قبل أن يتأكدوا من أهليتها في انتزاعه انتزاعاً، وأنها ترفض الذل والاستخذاء والاستضعاف، بعد أن أعزها الله بقوة يقين الإيمان، وضرورة الدور التاريخي..



وعلى أساس هذه المبادئ، فأن شعبكم العظيم، الطليعي في ركب أمتكم، شعب العراق الأبي، المؤمن، المقتدر، يقاوم اليوم، وقبل اليوم أيضا، محاولات الصهيونية الخائبة، وطاغوت هذا العصر: الإدارات الأمريكية المتعاقبة على التوالي، التي صارت تستخدم الإمكانية الأمريكية التقنية والاقتصادية والعلمية، بصورة مباشرة، نيابة عن الصهيونية وأحقادها، وثاراتها مع العرب، ومع المسلمين، بوجه عام، بل ومع الإنسانية أيضا من خلال إداراتها اليهودية المتصهينة..



وعلى أساس هذه الرؤية للعقيدة، وهذا الدور للفكرة والأمل والمنهج، وهذه الجدية للفعل المؤثر لتطبيق المنهج، يمكن أن تفهم ثورة الشعب، ثورة البعث التي انطلقت في السابع عشر والثلاثين من تموز من عام 1968، لتتحول الى منهج عمل ومسيرة، بعد أن كانت مجرد أمل، ونضال سري، مؤسسين على فكرة..



ولهذا، أيضا، نستذكر معانيها في يوم ميلادها، ونحتفي ونحتفل بها كثورة من طراز خاص جديد، وكإشراقة ضوء بهي، به طرد ويطرد الظلام، بأذن الله، بعد أن تحرر من آمن بها وبمسيرتها من عبودية المستحيل وغير الممكن، وصار حراً في عقله وضميره، ومنهجه، وأهدافه، في هذا العصر، وبعد أن قال شعب العراق، وحزبه القائد بصوت مدو واحد ( تباً للمستحيل ).. ليبنوا، ويبنوا، ويبنوا، ويزرعوا المعاني العالية، والقيم الأرقى بالضمير، إلى جانب العقل، لتتدفق الهمم إلى ميدانها من غير تردد، ولتشرق الشمس من غير أن تغيب عن سارية علم ( الله اكبر )، الذي جسد فكرة العلاقة بين ما هو على الأرض، ورب السموات والأرض، ودور الإنسان العظيم، الحر في أرض الله، مهد أولى الحضارات، وأولى الدعوات إلى التوحيد، والصلة برب العباد، محررة الأمة من ثقل الأوثان، والوسطاء بين الرب الرحيـم، وبين الإنسان الواعي المؤمن، الصادق الأمين، المقتدر، بأذن الله..



وهكذا أيها الأخوة تحررت السواعد، بعد أن تحررت العقول والضمائر، فانطلقت تبني وتدافع عن البناء، وإن النصر أكيد على أعداء الله والإنسانية، بعد أن صار اليقين أكيدا داخل النفوس، والعقول، والهمم.. وسقطت الأقنعة، وبانت الوجوه الكالحة، الوسخة، وأنيابها وهي تقطر دماً، بعد أن ولغت في دماء الشهداء والأبرياء..



أيها الاخوة العرب..



على أساس هذه المبادئ ومعانيها الأثيرة، ومقتضياتها في النضال والجهاد، أعز الله أمتكم، فأصطفى الأنبياء والرسل منهم على التوالي، فصيرهم ملاكاً للإيمان والفضيلة، ومثلا يقتدى للتغيير نحو الأفضل، وإقامة العـدل، ومحاربة الظلم والظالمين، بعد أن وجدهم مهيئين لذلك، وعلى أساس هذه المبادئ ومعانيها العالية،اختار الله، سبحانه، الأنبياء والرسل في ارض العرب، واختارهم ثواراً أيضا، بأمل إيصال الرسالات الإلهية للعالم، بعد تأمين قاعدة ولادتهم وانطلاقهم : ارض العرب، وأهلها المتميزين، وتهيئتهم، وتنمية قدراتهم لأداء الدور الإنساني، وإبلاغ الرسالة الى حيث أراد الله، وحيث تستطيع العزيمة وفق ظرفها وقدرتها..



نعم، كان الأنبياء والرسل ثواراً، لتغيير الواقع تغييراً نوعياً إلى أمام وأعلى، والى ما هو أفضل. وقد كان أول دروس الله للإنسان، بعد خلقه، أن علّمه دوره في الحياة وواجب تطويرها، وكان أهم دروس هذا الدور قد تلقاه في كنف أنبياء ورسل ثوار، بعد أن منحهم الباري الفكرة، وما يتصل بها من موجبات تطبيقها، وزرع في نفوسهم، وفي ضمائرهم وعقولهم الأمل باليقين المستقر، والإيمان العظيم، بأن الفكرة والأمل قابلان للتطبيق والانتشار الى حيث ينبغي. والى حيث يأذن الله سبحانه وتعالى.



وهكذا، كان أول من تعلم الفكرة وتتلمذ عليها، والتي تتجاوز الملموس والمرئي المتداول من الأمور وعلى أيدي أنبياء، هو الإنسان في الوطن العربي الكبير، وأول من تلقى دروساً في موجبات الثورة، والتغيير، وشروط القيادة المناسبة لوصفها هو الإنسان العربي وفي كنف أنبياء الله ودورهم القيادي، وطبقاً لهذا ارتبط مع دور الإنسان في امتنا ومع دور الإنسان في العراق مع دوره الوطني، والقومي دور آنساني أعم واشمل، وارتبط مع وجوده، وعيشه في الوجود الذي سبقه، واجب والتزام الثائر، الذي وضع على عاتقه واجب التغيير الدائم، والثورة على المألوف الذي تجاوزه الحال والزمان، كتكليف من الله للأنبياء، أو كتكليف مباشر من الأنبياء والرسل على التوالي للإنسان.. أما توقيت، ونوع، ومدى، وعناوين، وطرق الثورة فهي اجتهادية يمكن استنتاج الأساسي منها بالاجتهاد المتصل بالحياة، ونوعها وظرفها ومراحلها. وعليه فأن أحجام العربي عن أداء دوره في التغيير نحو الأفضل، وإجراء الحركة اللازمة في مواجهة الجمود، وإجلاء الصدأ عن الحياة والقلوب والعقول، عندما تشيخ وتعمى، واستبدال ما هو بال، بما هو جديد.. أقول أن أحجام العربي عن دوره هذا، وعن الثورة على واقعه، ليس إثماً، وفقاً لقياسات التكليف الإلهي وقانون الحياة، واغماطاً لحق نفسه فحسـب، وإنما هو إثم أيضا، إذا أحجم العربي عن تأدية دوره الإنساني بالمثل المقتدى وإشعاع الفكر، وكل ما يزرع الأمل الواعد في الإنسانية.



وعلى أساس هذه المعاني، أيها الأخوة، يا أبناء شعبنا العظيم، وامتنا العربية المجيدة، والناس في رحاب الإنسانية.. انبثق البعث العظيم، وقاد ثورة تموز عام 1968، التي نحتفي بمعانيها اليوم، لتستبدل الثورة ما كان قائماً آنذاك بما هو خير، ولتمضي في الطريق، صعوداً من غير أن تتوقف، أو يساوم الثوار والمجاهدون فيها على الصعود المستمر، والمطاولة من غير نفاد صبر، لإقامة مجتمع العدل حيث ينبغي، وتوحيد العرب على إرادة واحدة، وفعل قادر بالدفع المقتدر، أو بالحركة المقتدرة الساحبة إلى أمام، وان يجعل من أمة العرب مثلا مشعاً يقتدي به في رحاب الإنسانية، لأنها الأمة الوحيدة المجربة بأنها قادرة على أن تلعب هذا الدور بأمانة وإخلاص، وليس أي دور تسلطي أو اضطهادي أو استغلالي، عندما يغدو دورها متميزاً إقليميا وعالمياً، فيما أخفقت أمم أخرى عن هذا الدور، عندما تجاوزت قدراتها أو إمكاناتها محض الإحاطة النسبية الأعلى بمفردات الحياة المادية داخل أقاليمها.



ثم أن فضل الأمة العربية على الإنسانية في إيصال فكرة وواجبات التوحيد إلى حيث وصل، وما انبثق عنه من الديانات السماوية، يجعلها صاحبة سبق في هذه المعاني، ويجعل خطواتها مضمونة بهذا الاتجاه، أكثر من غيرها.



هكذا هي ثورتكم إذن، أيها الأخوة والأصدقاء، فكرةً، وأملاً، وبرامج عمل، وجهاداً، ونضالاً.. كانت هكذا وهي فكرة على خط البداية في العمل السري، وظلت هكذا في ضمير الثوار البعثيين عند بداية التغيير، وبقيت على هذا الوصف الأصيل، ولم تستبدل الأصيل بردئ، والخير بشر، ولم تهبط بالمعاني العالية إلى درك، ولم تساوم على الصعود لاستكمال التغيير والتطوير نحو الأفضل، بعد الاتكال على الله.. ذلك لأنها ابنة البعث العظيم، الذي تأسس لتنبعث به الأمة على معانيها العظيمة، من جديد، فتؤدي دورها القومي المؤمن، والإنساني الشامل الأصيل.



والله اكبر..

أيها الاخوة العرب..



مع أنني اعرف حساسية بعض الحكام العرب، في أوساط أمتنا، من قول الحقيقة، أو سماع رأي آخر، إزاء القضايا المصيرية، وذات التأثير القومي الذي يتعدى المكان المحدود، إلى الوطن العربي الكبير، ويتعدى مجرد انه شأن ناس بعينهم إلى الأمة العربية المجيدة، ويتجاوز مجـرد حاضر قصير، مسرعاً إلى حاضر ممتد إلى زمن طويل، والى مستقبل قد يتعذر معرفة كل مدى تأثيره عليه.. أقول مع أنني اعرف حساسية البعض إزاء قول الحقيقة المرة تجاه فلسطين، ولأننا عرب ارتكزنا ونرتكز على المعاني العالية التي تحدثنا عنها في هذا الخطاب، وفي غيره، ولان شعب العراق اثبت في كل ظروف، ومراحل الزمن بأنه قد تحمل ويتحمل عبئاً وشرفاً خاصين متناسبين مع عقيدة أهله، ودوره التاريخي في استنهاض الأمة، وهو شرف عظيم له، فلا بد أن نقول الحقيقة، ونعمل على أساسها، بغض النظر عن النتائج، وسنحاول أن نحتمي من صدى نعيق الغربان، أو هفوة أن نطعن في الظهر بالتعميم بدلاً من التخصيص، ولكي يكتسي الأمر طابع الموضوعية، ودوافعه المبدئية، سنبتعد أيضا عن ذكر العناوين وأصحابها، كما هو شأن معالجاتنا للقضايا القومية بوجه عام.



ليس تهرباً من شيء وإنما أملاً في إمكانية التفاعل على قياسات الحد الأدنى لما هو صحيح.



إن فلسطين، موضوعنا القومي والإنساني الذي لا يغيب عنا، فقد يجد البعض إلحاحاً منا في هذا، إذا أغفل صلة هذا الموضوع، بكل ما يتعلق بأمتنا من قضايا مصيرية، وإذا اغفل التمعن في ما أشرنا إليه وأعلناه، في هذا الخطاب وفي غيره، كجزء حي من جوهر ما نؤمن به إزاء دور العراق في الحياة العربية والإنسانية، ودور امتنا إزاء نفسها والإنسانية. أما إذا تمعن بموقف يقبل تبادل وجهات النظر من غير أن يكون مشحوناً مسبقاً بموقف مضاد، فأنه سيفهم أن ما نقوله عن فلسطين ليس نظرة مجتزأة، ولا عاطفية، ولا هي جانباً من شعارات عفا عليها الدهر، ولا هي خاسرة على المستوى القومي والإنساني، إلا أنها قد تكون فكرة مغايرة لما يحمل البعض من أفكار، وهي أمل لا يخبو مع (المغيب ) ويظهر فقط عند ( طلوع الشمس )، وإنما يأخذ إشعاعه وإعلانه المستمرين من مشروعية قاعدته، وما يتصل بها من حق وعدل.



إن فلسطين، أيها الأخوة، أرض عربية، وهي وطن الفلسطينيين، كجزء من الوطن العربي الكبير، وأمتنا العربية المجيدة، وعليها أولى القبلتين، وثالث التسلسل الأعلى في الأماكن المقدسة، فهل يصح أن يفّرط بكل هذه المعاني، إنسان عربي، أو يقول بالعروبة، أو ينسب إلى نفسه صفة العروبة، والإيمان ؟ وهل يمكن لمن يقبل ويسلّم باحتلالها من الصهاينة، وببقاء القدس محتلة، أو أسيرة بيد الصهيونية، أن يدعي بأنه مؤمن.. ويتيقن من أن صلاته مقبولة عند الله ؟



إننا في العراق المجاهد الكبير لا نقبل هذا، مستندين الى المعاني التي قلناها، ونقول بصوت لا يقصد منه أذى لأحد، وإنما أداء الواجب تجاه الله والنفس، والأمة، والإنسانية: إن فلسطين عربية، وأن الصهيونية ينبغي أن ترحل عنها، وإن من أراد من اليهود أن يتعايش مع أهلها، فإن لأبناء الوطن الواحد حقاً، وإن على المهاجرين إليه حقوقاً والتزامات ينبغي أن يقبلوا بها، أما إذا تعذر عليهم ذلك، فيعود كل إلى دياره، ولا شيء آخر.



أيها الأخوة العرب..
أيها المسلمون..
أيها المؤمنون من ديانات أخرى.



قد يقال أن هذه الأفكار غير واقعية، ولكنها الحقيقة التاريخية كما هي، وحقيقة ما يقول ويؤمن به أبناء أمتنا العربية والإسلامية وربما آخرين من غيرهم، حتى وان لم يعملوا عليها، ولأنها الحقيقة التاريخية بعينها، وغيرها حالة زائفة، أو محض تزييف في القول، ومسخ للحقيقة والتاريخ، فلا بد أن نقولها ونعمل عليها مثلما هي.. أما كيف نعمل عليها فلهذا شأن آخر.



ولكن في كل الأحوال، علينا ونحن نعمل عليها أن لا نتناقض في عملنا مع الأساس والمال. فلأننا نحب السلام العادل لكل أمم الأرض، لابد أن نتمسك بالسلام العادل لامتنا، تجاه قضاياها وأعدائها، ونرفض الاستسلام وصيغ المهانة والذل.. والنظرة إليها من أعلى.



ولأن هذه هي الحقيقة، فإذا أغفلها كائن من كان اليوم، وإذا غلبت عليها غشاوة التضليل وأبعدها عن الضوء شبح الخوف، ولم يتمكن ضعف من يضعف أن يرفعها عالياً لتكون مرئية، سيظهر في أي وقت وزمان، مثلما ظهر من قبل، ومثلما نتحدث ونقف اليوم ومعنا كثر من أبناء امتنا على أساس هذه المعاني والحقائق، سيظهر من يقول الحقيقة كما هي، ويعمل ويناضل ويجاهد من أجل تثبيتها، وإنجاز أهدافها كما يجب.



لذلك، فأننا نرى أن أي معالجة لا تنصب على هذا الجوهر ستكون معالجة جزئية، إن لم نقل مشوهة ومناقضة للحقيقة، وتخبث النفوس وتدفعها الى الهياج المدمر، اكثر مما تطمئنها لتستكن � وفي كل الأحوال ستغدو أي دعوة لما يسمى بالسلام محض فرصة للصهاينة، ليس لكسب زمن إضافي يحتلون فيه ( باقي ) فلسطين فحسب، وإنما لدفع العرب للاختلاف، ليس بين الحكام أنفسهم، وإنما الأخطر بين الحكام والشعب.. وعندما يقوم الاختلاف بين كل الحكام العرب، وكل شعب الأمة العربية المجيدة، ونقصد هنا الغالبية العظمى منه، فعند ذلك يغدو الاختلاف خطيراً، ولا يحل إلا بالثورة، لذلك نرى أن الأفضل أن يقبل الحكام العرب وجهات نظر أخرى لحكام أو قادة عرب إزاء وجهات نظرهم، وسلوكاً آخر يغاير سلوكهم إزاء القضايا المصيرية التي يختلف عليها، وأن تكون صدورهم رحبة، وأن تتسع عقولهم للرأي الآخر من إخوانهم الحكام أو القادة العرب، في الأقل، إذا عجزوا عن إقناع غالبية العرب، ومنهم أبناء امتنا العربية في أقطارهم، بفكرتهم ومواقفهم إزاء القضايا القومية والوطنية المصيرية ومنها أو في مقدمتها قضية فلسطين. وبذلك، وفي موقفهم هذا، يكونون قد قدّموا فدية بالتلاؤم بدلاً من الثورة التي سيشغلها سعير عدم الاهتمام برأي الأمة والتناقض المطلق بين موقف وموقف آخر.



وهكذا ترون أننا عندما نتحدث عن الثورة وضرورتها التاريخية، إنما نتحدث عنها كوسيلة للتغيير نحو الأفضل، ولا ندعو إليها بموقف غوغائي اعتباطي، ولا نقصد بها هذا أو ذاك من الحكام العرب ابتداء، ولا تنطوي دعوتنا في كل الأحوال على قصد شخصي، وإنما ندعو لها من غير مسميات ومن غير قصد سيئ مسبق، ولا لغرض شخصي ذاتي وإنما كوسيلة موضوعية، عندما تعجز الوسائل الأخرى، وكالتزام مبدئي، أو ( كّي ) لا بد منه، وكوسيلة للتغيير عندما تعجز الوسائل الأخرى، كما قلنا.



وهكذا ترون، أيها الأخوة، أن ما يسميه بعض الذين ساقتهم سياط جلادي الإعلام والدبلوماسية الصهيونية والغربية بالدكتاتورية في العراق، إنما هذه الدكتاتورية التي يسمونها، ووفق الوصف المنصف لأهلها، الى احترام الحوار والرأي الآخر. وبذلك، وعن طريق الحوار المتكافئ والحر، والنية الحسنة، يمكن الاهتداء إلى ما هو أفضل في كيفية تصرف الإعلام، أو الدبلوماسية، أو حتى الجيوش، عندما يقتضي الأمر ذلك، وإن قبول أكثر من رأي في الوطن العربي تجاه القضايا المصيرية أو الأساسية من غير عنت ومن غير أن يدفع الاختلاف الى التدمير أو التآمر مع الأجنبي أو التدمير وفق قصد سئ، إن التشاور وقبول الرأي الآخر، يقوي العرب، بل ويفيد حتى أصحاب الرأي الأقرب في الشكل، وليس الجوهر، إلى ما يسمى بالحلول السلمية المطروحة من هذا أو ذاك من المعنيين تحت عناوينها. وبروحية هذا الموقف يمكن التلويح للصهاينة وحلفائهم بما يسمى بالمتطرفين أو الصقور لمواجهة الصلف والتكبر المهين والمرفوض من كل ذي عقل وإرادة. وعند ذلك ستجدون أيها العرب المعنيين بأن الاختلاف في وجهات النظر المفيد، وقبول كل منا بنقل الآخر طبقاً لرأي فأن ذلك مفيد.



أيها الأخوة الحكام العرب:



إن هرولة البعض وراء ما يسمى بالحلول السلمية، وهي محض استسلامية، جعلت الصهاينة في مركز الصهيونية في فلسطين أو في أماكن إسنادها الأخرى يستهينون بالعرب، بل وينظرون إليهم بازدراء في حقيقة ما في أنفسهم، بغض النظر عن قولهم وما يدعون. وان كثرة التنازلات جعلت الأمة العربية لا تثق بالمشرفين على شأن هذا الطريق الخاسر.



واعلموا، أيها الأخوة العرب، بان ثقة الجمهور ضرورية لأي حاكم وأي قائد، سواء في الحرب أو في السلم، بل هي أدعى في التفاوض مع طرف آخر مما هي في ظروف أخرى، فإذا ما فقدها المفاوض قد يقدم على تنازلات لا يستوجبها ميزان القوى عدا عن مناقضتها للمبادئ. وقد يحجم عن أي مرونة تحت تأثير حساسية الرفض الشعبي وانعدام الثقة بمن تصدر عنوان تمثيله فيها. لذلك، ليس من الحكمة أن يخسر ثقة الشعب والأمة كائن من كان من أبنائها، إلا الخائن الخسيس، ولا أسف عند ذلك عليه، رغم ما تتركه الخيانة من حزن على أمة اعتادت الإخلاص لله ولكتبه ورسله، ولعبت دوراً قيادياً في نقل الإخلاص والمحبة والسلام والعدل والإنصاف إلى الإنسانية جمعاء.. هكذا، وعلى هذه الأسس، نقّيم تصريحات المتهالكين على أعتاب الصهيونية، والأملين خيراً في ما يسمى رئيس وزراء الكيان الصهيوني الجديد وحلفائه الغربيين.. ففي الوقت الذي يدمر فيه لبنان بادعاء أنها بقرارات من رئيس وزراء سابق، لم يتجرأ العرب المعنيون على هذا رئيس الوزراء السابق ليلعنوه إلا بعد إعطاء الإشارة من (البيت الأسود الأمريكي) بذلك.. وهكذا يكال المديح أو الإطراء لرئيس وزراء صهيوني جديد بأمل أن يتمكن صاحب الإطراء من أن يلعب بورقة جديدة على حصان جديد، ولا يدري أن تبادل الأدوار والوجوه والمسميات هو محض حال تحتاجه الصهيونية لكسب الزمن، وإدخال التائهين في متاهات جديدة، ووضعهم دوماً في اتجاه معاكس لاتجاهات الرأي والإرادة في أمتهم، بما يجعل الصهيونية بالنتيجة قادرة على الاستفادة من حالة الإحباط أو الثورة التي يسببها عدم ثقة الشعب بحاكمه.



والله من وراء القصد.
وبه سبحانه، نستعين..
والثورة على الظالمين.
والله اكبر..
وعاشت فلسطين حرة عربية..
والله اكبر..
ولتسقط الصهيونية.


أيها العرب...


قلنا في خطاب سابق أن شعار ( نفط العرب للعرب ) كان أحد شعارات البعثيين، وكنا نرفعه ونناضل من أجله، وقد سقط على طريق نضال البعث في العراق شهداء من اجل هذا الشعار وفي أماكن أخرى من الوطن العربي أيضاً، مذ كنا طلاباً في الإعدادات والمدارس الثانوية، ودارت الأيام، وأصبحنا الآن، كما هو وصفنا في موقع المسؤولية، وما يمكن أن نطلع عليه من معلومات، وما يهيئه ارتفاعها على دست السلطة من إشراف على ما حولها، ندرك مدى أحقية حزبنا المجاهد، عندما نبّه في نضاله السري المبكر على أهمية أن يكون نفط العرب للعرب.. والآن، وقد صار واضحاً انه للأجنبي، مثلما كان في الخمسينات، وليس للعرب.. فكيف يجوز ذلك ؟



كان نفط العرب مستحوذا عليه من الشركات الأجنبية التابعة للدول الاستعمارية والإمبريالية، استخراجاً، وتعاملاً صناعياً، ونقلاً وتصديراً، كميةً وسعراً، ولم يكن سعره آنذاك معروفا، لأنه ليس ثم من يبيعه أو يشتريه من بين المحايدين، فقد كان العالم المتقدم صناعياً منقسما إلى معسكرين، هما المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي.. وإذا وجد محايد بينهما، فهو حالة ليس لها وزن في تقرير السياسة الدولية، ولا تعرف ألاعيبها، عدا الاستثناء الذي تنامى في إمكانياته المحدودة في مرحلة الستينات والسبعينات، تحت لافتة بلدان عدم الانحياز، لذلك فقد كان العالم إما يتزود باحتياجاته النفطية من الدول الرأسمالية، ويتمتع بقدر من التسهيلات حين يقتضي حاله تحت باب (المساعدات )، أو يتزود وفق تسهيلات مماثلة عندما يكون تحت لواء المعسكر الاشتراكي، أو أقرب إليه سياسياً تحت لافتة (الكوميكون)، وأن هذا (الكوميكون) هو تجمع اقتصادي يضم هذا النوع من أصحاب العلاقة.



وقد عرفت لأول مرة قيمة النفط الحقيقية ومدى حاجة السوق إليه، ودوره في حسابات ستراتيجيات الدول، وسعيها إلى النفوذ الخارجي، أو السياسة الاستعمارية الامبريالية، عندما أمم العراق نفطه في عام 1972 ونجح التأميم بعد تسعة اشهر من الحصار، الذي حاولت أن تفرضه عليه شركات الامتياز بدعم من دولها آنذاك، عدا فرنسا، التي لم تشترك في هذا الحصار، وقبلت بترتيبات خاصة أجريت لها بمبادرة من العراق، على عهد رئيس الجمهورية الديغولي بومبيدو.. وعند ذاك، أصبحت الدول الامبريالية في وضع حرج، وصارت ملزمة بإعادة النظر في علاقـات الامتياز، التي كانت لها في دول العالم الثالث، على نطاق واسع، خشية اندفاع رياح التأميم من العراق، الذي نجح التأميم فيه، بهمة صموده، وانفتاح العالم أمامه ليشتري نفطه على أساس تنافسي ومغريات فارق السعر، الذي منحه لآخرين، لإنجاح التأميم، ونظراً لسياسة التوازن التي كانت عليها الحال، بين الكتلتين اللتين نوهنا عنهما.



أما الآن، وبعد أن تراجع توازن القوى في العالم، بين الكبار، أصحاب النفوذ والمصلحة الممتدة خارج حدودهم، أو أصحاب النفوذ الامبريالي والاستعماري، فقد عاد سعر البترول في ضبابية مفرطة، وعاودت أمريكا، ومن يشترك معها في الأطماع الامبريالية، من دول الغرب، سياستها في السيطرة على النفط من المنبع حتى تحميله وبيعه في الأسواق العالمية، وهي التي تحدد سعره من خلال التحكم بميزان العرض، وإشباع الطلب من المخزون الذي توفره، بأسعار بخسة، مثلما سبق وبينّا ذلك في مناسبة سابقة، بل والانكى من ذلك، أن أمريكا لم تعد تكتفي بكل هذا الاستعمار والسيطرة القبيحتين، على النفط، حتى أصبح فاقد القيمـة السياسية، وأي قيمة ستراتيجية مؤثرة، تقوي موقف مالكيه، وإنما أصبحت تفرض على مالكي النفط، وخاصة في الخليج العربي، شراء ما تعتبره ضرورياً لهم من سلع وخدمات، سواء كانت مدنية أو عسكرية، وبكمياته، وأنواعه، وأسعاره، وجداول الدفع. وبمساعدة أساطيلها، وقوى الاحتلال التي احتلت بها منابع النفط في دول الخليج العربي.. صارت أمريكا لا تتحكم بكل هذا فحسب، بل سلبت حكام النفط بوجه عام أي سيطرة، أو نفوذ، أو حرية قرار على النفط، الذي بات مجرد سلعة عادية يحدد الأمريكان سعرها ووزنها التأثيري داخل بلاد العرب، وبلدان العالم الثالث، بوصف، وخارجها بوصف آخر، وأصبح الحكام العرب المعنيون، بل وحتى غير العرب، مجرد حراس ليليين، يقومون بواجب الحراسة أحياناً، أو ردفاء مقعدين، وأصحاب خبرة لحراس جاءوا بهم من خارج الحدود والإقليم..



إن هذا الوضع المأساوي بحاجة إلى تشاور جدي بين دول النفط، كلما توفرت إرادة ونية التشاور، حتى لو ابتدأت على نطاق ضيق، وليس على نطاق كل عناوين (الأوبك)، التي دخلتها ألاعيب الأجنبي، لأن هذا النطاق الضيق وحدة، قد يكون هو الصالح لهذا التشاور دائماً، بما ينقذ أصحاب الإرادة الرافضة لهذا الحال، من الوقوع تحت أنياب الأجنبي القاطعة، إن لم يكن بالإمكان إنقاذ آخرين، بعد أن خارت قواهم وإرادتهم، تحت ثقل غفلتهم، أو غفوتهم، أو أضغانهم وأحقادهم..



إنها مسؤولية الجميع، لمن يريد أن يتحرر، أو يحافظ على حريته..



وإن الشعب في بلدانه يمكن أن يلعب دوراً كبيراً وتاريخيا في تحريك الحكام، أو إسنادهم، أو وضعهم في مأزق، إذا تعذر دفعهم إلى أمام مع التيار الصاعد..



أيها الأخوة العرب..



إن واحداً من الأهداف الستراتيجية لثورة تموز، مع الوحدة العربية والحرية للإنسان فكراً وبناءً، نفسياً وعقلياً، نظرياً وعملياً، هو الاشتراكية.. ولأن جوهر فاعلية الاشتراكية وتأثيرها الإنساني والعملي، إنما ينصب في مفهوم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وإرساء أسس توازن المجتمع، وتحصينه من الاختلال، إلى جانب بنائه وتنمية طاقاته، ومصادر ونوع ثروته، فأن الاشتراكية في نظرنا، وفي برامجنا الوطنية والقومية، لا تكون مطبقة فعلاً في جانبها هذا، وكما ينبغي، وبصورة ترضي مبادئ البعث العظيم، إلا عندما تكون العلاقات العربية قائمة فعلاً على مفاهيمها أيضا، وليس العلاقات بين أبناء الشعب الواحد، ضمن حدوده الوطنية المحلية فحسب.. لذلك فأن الخير الذي يصيب العراق مثلاً، ينبغي، بحكم كوننا أمة واحدة، أن يصيب أبناء امتنا العربية، بصورة أو بأخرى، الى جانب العراقيين، وهكذا هو الأمر مع المصريين، والسوريين، واليمنيين، والخليجيين، ودول المغرب العربي.. وإلا فأن مفهوم الأمة الواحدة يبقى ناقصاً، ولا يحرك معاني التضامن المصيري بين أبناء الأمة، كصف واحد في الموقف قولاً وفعلاً واتجاهاً، وقد طرحنا مشاريع وأفكارا شتى في مناسبات سابقة، وبخاصة قبل الحصار، وقدمنا أوراق تعاون ومشاريع كثيرة، الى مؤتمرات القمة العربية، بالإضافة إلى مبادرات معروفة في العلاقات الثنائية، يعرفها كثير من الدول العربية الشقيقة، وممثليها الأحياء الذين يرزقون..



وفي هذه المناسبة، وجدنا أن ننبه الى جانب مما نراه مفيداً لامتنا، ليمنحها قدرة وعوناً إضافيين، بعد الاتكال على القادر العظيم.. وقد يقول قائل، وخاصة من أصحاب التميز الخاص في الثروة الطبيعية، إن الدعوة الى اقتسام الثروة بين الأقطار العربية، مع أننا دول شتى، ليس بينها رابطة علاقة دستورية، تبيح مثل هذا التصرف، وتستجلب حماس مالكيها الأساس، وتمنحهم مستوى من الاستعداد للتضحية، مقابل عناصر القوة، ونوع الفرصة التي يمنحهم إياها نوع من الوحدة، تحت علاقة دستورية، بين قطر عربي وآخر، أو بين أطرافه، إذا كانوا تحت خيمة تضم اكثر من قطر عربي واحد.. إنما ينطوي على خطل في الحسابات الواقعية، عدا انه سيبقى مجرد شعارات..



أن هذا ليس هو المطروح في أفكارنا الآن، فنحن جزء حي من الواقع، ونعرف حقيقته ومعطياته، ونعرف ما هو ممكن أو غير ممكن، ولكننا نرى أن واقع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية العربية، وارتباطات الأقطار العربية مع بعضها، وفقاً له، واقع متخلف حتى عن أهداف نسبية يمكن صياغتها لتكون متقدمة على الحال الحاضر، وفي واقع ظرفنا العربي الراهن، إلا أن الانتباه ينبغي أن يكون جدياً إلى وصف الممكن وغير الممكن، لان الممكن وغير الممكن نسبي، وان حضور الإرادة والوعي، إلى جانب النية الصادقة، أو غيابهما، يلعب دوراً حاسماً في هذا الوصف وتطبيقاته، فما هو غير ممكن من وجهة نظر قائله، قد يكون ممكنا من وجهة نظر أخرى، وكل على أساس إرادته، ووعيه، ونيته المسبقة.. فقد جربنا في العراق، حتى في ظروف الحصار، إمكانية التعاون الاقتصادي على أساس ما سمي بمذكرة التفاهم، مع أقطار عربية شتى، ووجدنا أن هذا ممكن، وقد نشط هذا التعاون أسواقا اقتصادية، وأنعش مستوى من العلاقات والتفكير الاجتماعي، ربما لم يكن على هذا الوصف في وقت سابق. وبذلك، وعن طريق إعطاء أسبقية بالفعل وليس بمجرد القول للعلاقات العربية � العربية بهذا الشأن، تنتعش أسواق عربية وعلاقات، ويتطور إنتاجها كماً ونوعاً، ويكون وزن التأثير لكل سوق عربية على أساس امكاناتها، ومن أهم إمكانات كل قطر عربي، بل أساس إمكاناته، هو شعبه.. وبذلك سنرى بعد حين، أن الأعلى تطوراً يساهم في رفع مستوى الأقل تطوراً، في كل شيء، وصاحب الكتلة البشرية الأكبر، يساهم ليكون إنتاجه اكبر، عندما يضمن أسواق سلعه وخدماته، وعند ذلك يكون الجميع قد استفاد، والكل يتعاون تعاوناً صميماً ضمن خيمة الأمة الواحدة، وتترابط مع اتساع وتشابك علاقاته الاقتصادية، علاقاته الاجتماعية والثقافية أيضا، فيصير نسيجها واقية جدية لرؤوس الخيرين من عاديات الدهر، وتكون هذه الخيمة، مع تعدد أنواع الحماية فيها، واتساع مساحتها، ملجأ جدياً لأمة العرب، تقيهم من الحر والقر، ومن غير هذا تغدو التنمية والتطور، في كثير من الأحيان، وفي ميادين وأقطار شتى، محض كلام، قد يسميه آخرون محض هراء، في ظل استحواذ الكبار على أسواق العالم من المواد الأولية، نزولاً الى سلع الحلاقة وخدماتها. وصارت الرأسمالية، التي كانت تدعو إلى (دعه يعمل، دعه يمر ) كنوع من الدعاية المقابلة للشيوعية، تدعو إلى غير هذا، بعد أن ضاق صدرها بأبسط الأشياء، وصارت الإدارات الأمريكية، التي تكثر اللغو عن الحرية، تخنق حرية انسياب البضائع والسلع والخدمات والأشخاص الى ميادينها، وراحت تحاول أن تملي على الآخرين ما يمكن أن يبيعوه، وقبل ذلك أن يصنعوه، وماذا عليهم أن يشتروا من البضائع والسلع، وكم، وكيف.. وماذا عليهم إيداعه من فوائض أموالهم، وأين، وكيف !!..



إن وضعاً كهذا يجعل التنمية والتطور الاقتصادي مجرد أمنية بعيدة المنال في وطننا العربي الكبير للكثيرين، إن لم نقل لهم جميعاً، وحتى في بلدان العالم الثالث، والى حين، ويجعل الكتل السكانية الكبيرة عبئاً على أصحابها، وعائقاً أساسيا من عوائق التطور والتنمية، وبالتالي الاستقرار.. بدلاً من أن يكون الثقل السكاني، عاملاً حاسماً فيها، عندما ينفتح التعاون في ما قلناه بين العرب، وعلى أساس معنى الأمة الواحدة، والسوق الواحدة، والإرادة الواحدة.. فضلاً عن استخدام القوى المضادة لحالة الكثافة السكانية الضئيلة على رقعة أرضها المعزولة عن عمق أمتها وقدرتها العظيمة تحت شبح الخوف والتخويف كحالة مخربة في جدار وعمق وروح أمتها.



أن هذا الذي ندعو إليه أيها الاخوة هو الحد الأدنى مما ينبغي للعلاقة داخل الأمة الواحدة، وان قصده ينصب على نتائجه المستقبلية اكثر من نتائجه ضمن زمن قصير، وليس للحصار أي دور في أفكاره، وإنما مبادئ الأمة العربية، وبعثها العظيم، ومسؤوليتنا القومية والإنسانية تجاه أبناء امتنا، ودور امتنا، وواجبها الإنساني تجاه الإنسانية جمعاء.. فما لم تكن الأمة بخير يصعب على أي من أقطارها أن يكون وحده بخير، وما لم تكن الأمة بخير يصعب عليها أن تكون قدوة خيرة للآخرين، ويتعذر على الآخرين قبول قيامها بدور مؤثر في وسطهم، أو قبولها مثلاً يقتدى لحياة أفضل..



لقد اثبت العراق أنه قادر على أن يكون وكأنه أمة لوحده، عندما يستحضر روح ومعاني الأمة العربية المجيدة، ومسؤولية حمل رسالتها، لبعث دورها على المستويين القومي والإنساني. لذلك ليس العراق العزيز هو هاجسنا الأساس في هذه الأفكار، وإنما امتنا كلها، ومنها عراق الطليعة والجهاد..



والله اكبر..
وتباً للمستحيل..
وعاش المجاهدون.


أيها الأخوة العرب..


في مناسبات متعددة، وتحت عناوين شتى، بعضها رسمي وبعضها شعبي، وجهت إلينا نصائح من بعض الأشقاء العرب حول فكرتنا عن الجماهير العربية، ونظرتنا إليها، وعلاقتنا بها، فقالوا لنا على وجه التحديد : إنكم تعلقون أملا أكثر مما ينبغي على الجماهير العربية، وأنكم، أي نحن، تقيمون وزنا للجماهير وتحسبون لها ثقلاً أكثر مما ينبغي، وان هذا يستدعي من جانبكم، أي من جانبنا في العراق، إعادة نظر، لأن الجماهير العربية وغيرها غائبة أو مغيبة عن اتخاذ موقف مؤثر في مواجهة الأحداث والتطورات والمواقف في الوطن العربي وغيره، أو أنها مستلبة الإرادة ولا تقوى على أن تحدث تغييراً.. الخ..



هذا ما أراد أن ينصحنا به بعض الأشقاء العرب، كما أسلفنا القول.



وعلى هذا أردت أن أجيبهم، احتراماً منا لرأيهم من جهة، وإعطاء تقويم صحيح لحالة الجماهير العربية، حالاً وموقفاً وتأثيراً، وتصحيح جزء من الخطأ الذي انطوى عليه جانب من نصائح أولئك الأشقاء من جهة أخرى.



أن الخطأ الأساس الذي انطوت عليه نصائح أولئك الأشقاء هو أنهم ظنوا أن دعواتنا للجماهير العربية لأن تعي دورها، وتدرك قدراتها، لتعرف تأثيرها، مكاناً وزماناً واتجاهاً، إنما انطلقت على استعجال من جانبنا للجماهير الى موقف، واغلب الظن إن تفكير أولئك الأشقاء قد ذهب بهم إلى أننا نستعجل الجماهير ليرفعوا الحصار، وأننا نظنهم قادرين على إيقاف عدوان المعتدين علينا.. وبذلك فأن دعوتنا تلك، وعلى أساس هذه العناوين، وكونها مستعجلة، قد تكون في وصفها وعلاقتنا بها محض حالة ظرفية.



إن رؤيتنا، أيها الأخوة، لدور الشعب وجماهيره الثورية، وستراتيجيتها الشاملة وبعيدة المدى، إنما هي نابعة من عقيدتنا، وان عقيدتنا تنظر للشعب كغاية في كل نضالنا وكفاحنا وجهادنا وبنائنا، وكوسيلة تاريخية ملازمة لكل ما نصبو إليه من معان عليا في خط مسيرة الثورة الظافرة وأهدافها، وليس محض وسيلة لا على التعيين، أو وسيلة مؤقتة فحسب.



إن صلتنا بالجمهور غير ذلك الذي يصنفه بعض الأشقاء تماماً، فنتيجة لمستلزمات النضال المشروع الذي ندعو إليه الجماهير العربية، ومنها وعيها لدورها التاريخي إزاء المعركة التي نخوضها ضد الظالمين، لا نلغي من الطريق والهمة أن تدافع الجماهير بقدر أو بآخر، وفق صورة أو أخرى، عن الثورة ومسارها الصحيح، التي هي طبقا لما قلناه في خطابنا هذا، وفي مناسبات أخرى، ثورتهم أيضا، وان التضحيات التي قدمتها على طريق مسيرها ليس من اجل العراق فحسب، وإنما من أجل أمتنا العربية المجيدة، طالما كانت ثورة قومية للأمة، مثلما هي للعراق، ومثلما هي للإنسانية بوجه عام، وقد برهنت قولاً وفعلاً على أن وصفها هذا وصف حقيقي، وليس ادعاءً، وقد اختبر بالدم الغالي في أكثر الظروف تعقيداً.



وما دامت الثورة أمينة على مبادئ الأمة، ومكللة بالتضحيات من اجلها، فأن واجب أبناء الأمة، سواء وسط جماهيرها أو وسط عناوين أخرى، أن يدافعوا عن الثورة أيضا، كل حسب قدراته وإمكاناته وظرفه.



أننا ننظر إلى الجماهير العربية ودورها، وأية جماهير أخرى، نظرة تاريخية شمولية لا مؤقتة، ولا مجتزأة أو ظرفية، ومبدئية لا مصلحية، ومستمرة لا متقطعة، وثابتة لا مزاجية، وهي هي، سواء عندما تكون الجماهير العربية بمستوى دورها في هذه القضية أو تلك، أو عندما تكون بمستوى آخر، ويكون فعلها وتأثيرها اقل من مستوى قدراتها الحقيقية، بل أننا نزداد تشبثا بدورنا ومسؤوليتنا القومية والأخلاقية تجاه امتنا وجمهورها عندما تكون بحالة ضعف.. ونفرح وننتشي أيضا عندما ترتقي بوعيها وممارستها إلى مستوى أعلى، إلا أن التزامنا المبدئي والأخلاقي إزاءها لا يتغير، وأملنا فيها لا ينكفئ عن مداره.



إن أمتنا أيها الأخوة ليست أمة الحضارات والدور الإنساني المعروفين فحسب، وإنما هي أمة الأنبياء والرسل مثلما اصطفاهم الله فيها، فقد اصطفاها كمهد وعمق تأريخي لهم ولدورهم ومسرح عملهم وجهادهم، لذلك فأن أي وصف سلبي قد توصف به، أو ينسب إليها، لا تكون الأمة مسؤولة عنه، كتكوين تأريخي، وكقوة تاريخية قابلة لتؤدي دورها عندما تستنهض، وإنما آخرون قد يكونون من ضمن مسميات مفردات الأمة، ولكنهم ليسوا من ضمن نسيجها التاريخي الحي، الذي ينطبق عليه الدور الذي ينسبه لنفسه..



وعلى من يصف الأمة وصفاً سلبياً، صحفياً كان أو كاتباً أو أديبا قبل أن يلعن الجمهور أو يذكره ويذكر أمته بسوء أو بما هو سلبي عنهما، أن يسأل نفسه ماذا قدم هو كعنوان متقدم فيها ؟ وإذا كان جوابه انه خاف على رزقه، أو نفسه، أو مكانه وعنوانه، ولم يستطع أن يقدم أكثر، فان المسؤولية تقع عليه، وليس على الشعب أو الأمة، إذ أن أصحاب العناوين البّينة هم الذين يتحملون ثقل ومسؤولية أي خلل أو ضعف يصيب الأمة أو الشعب أو الجمع، وليس الجمع أو الشعب أو الأمة.. فهل يصح، على سبيل المثال، لتقريب الصورة مجازاً، أن ينهزم الضباط في معركة، ويلوموا الجنود عن الهزيمة، رغم أن الضباط قد تمتعوا بصفة القيادة والأوامر، ومارسوها على الجنود، وتمتعوا وتفاخروا بالرتب وامتيازاتها في كل الظروف التي سبقت الهزيمة !؟ إن من يتمتع بامتيازات العنوان الاعتبارية وغير الاعتبارية تقع عليه مسؤولية أعلى إزاء أي ضعف في الصفوف، قبل أن تقع المسؤولية على الحالة الجمعية من تلك الصفوف، وهكذا ينطبق الأمر على أصحاب الفكرة المقابلة لفكرتنا، سواء كانوا من وسط الحكام أو الكتاب أو الصحفيين أو الأدباء أو أساتذة الجامعات وغيرهم.



إننا نتعامل مع امتنا وشعبنا كقدرة تاريخية، وتكوين تأريخي، وإننا نتعامل معهما على أساس ما يمكن عندما تحضر العوامل الأخرى، ليكون دورهم وفعلهم عظيمين، وليس على أساس وصف بارد لحالة في لحظة الوصف، من غير وصف للدور الذي يثوره ويحركه مع بيان مستلزمات ذلك ودورنا الصميمي فيه..



إننا نتعامل مع شعبنا وامتنا على أساس وصف دقيق آنساني، ثوري ومبدئي لمسوؤليتنا تجاهه، وعلى أساس العمل المشترك والتأثير، والتأثير التبادلي، وليس على أساس الانغلاق والعزلة والتخلي، وإننا ونحن فيهما جزء حي منهما، لنقوم معاً بدورنا وواجبنا الوطني والقومي تجاه امتنا وشعبنا، بل وتجاه الإنسانية، ولا نفترض أن شعبنا أو امتنا مقاولان بالقطعة يأخذان عنا واجب تنفيذ شأن محدد، وما علينا إلا انتظار أن يسلمونا مفتاح المشروع المنجز، وإنما نبني معاً، ونتحمل مخاطر البناء مثلما نشترك في السعادة والمسرة على خط واحد، عندما يكتمل البناء الى حدوده النسبية، وندافع معاً عن البناء عندما يتعرض إلى خطر.



إننا أهل دار واحدة معاً، وطالما نحمل صفة القيادة فيها، علينا مسؤولية المبادرة والتبصير والتوعية، ومستوى أعلى من الصبر الجميل وطاقة الاحتمال، لنكون مثلاً يستحق الاحترام والتقدير، وندرك معاني المبادئ التي نحملها، وصدقنا تجاهها، ويقيننا بأننا ننتصر بهم وبقيادة كل العناوين البارزة في امتنا، سواء كانت تلك العناوين والمسميات بين حكام أو قادة مخلصين، أو بين صفوف الواعين المثقفين المضحين المجاهدين الصابرين في صفوف الشعب والأمة، نساءً ورجالاً، وسواءً كانوا بين العسكريين أو المدنيين، قضاة وأساتذة جامعات وفنانين وصحفيين وكتاباً ومهندسين كباراً، أو بين عناوين أخرى، وسيكون شباب الأمة وشاباتها الزخم العارم المبصر في كل هذا.. ونحن نزرع نخلاً وبرتقالاً وسندياناً، لا شوفانا وشعيراً، وعليه فأن صبرنا لا حدود له، بأذن الله، إلا ما كتبه الله لنا، عليه توكلنا، واليه ننيب، سبحانه.



أيها الأخوة المتسائلون : لقد كان هذا هو التزامنا وتفكيرنا، ورؤيتنا للأمور عند خط البداية، إلا أن تجربة أكثر من ثلاثين عاماً، مليئة بمعاني البناء، والهمة لمقارعة الظلم والظالمين، والطغيان والطغاة، ونحن نقود شعب العراق العظيم ضمن قيادة البعث الجماعية المسؤولة، علمتنا دروسا علمية وعملية واجتماعية عن الشعب ودوره، وحيوية الأمة كقاعدة وعمق عملي وروحي واعتباري.. أساسه ما نتفاعل به وما نشترك به مع أمتنا وشعبنا من معاني إنسانية على قاعدة واحدة وباتجاه واحد.



إننا نعرف مثلكم تماماً أن الأمة والشعب قد يغفلان، وقد يتقاعسان عن دور أو أدوار ما، ولكنهما لا يمكن أن يغفلا أو يتقاعسا، أو يهزما لكل الزمن وعلى طول الخط، بل ولا يمكن أن يغفلا ويتقاعسا، ويكسلا، وينهزما إذا كانت لهما قيادة حقيقية مناسبة، عقلاً وضميراً وفكراً وسيفاً، وشروطاً أخرى لمهماتها، وأنهما لا ينهزمان ولا يصابان بالغفلة إلا عندما تنهزم عناوين القيادة فيهما، أو يكسلا، أو يخونا.. لذلك لا يكون الشعب والأمة مسؤولين عن أي تقصير، حتى عندما يتراجعان عن دور يفترض أن يتقدما منه إلى أمام، وإنما تكون مفاصل القيادات هي المسؤولة، ولم نر أو نسمع عن قيادات كان دورها مستكملاً في شروطه المبدئية والأخلاقية والعملية عند حدود معقولة، وقد انهزم الشعب، أو تقاعس أو تكاسل عنها، وتركها وحدها تشمر عن ساعدها في البناء، وما يستوجب من همة.. ولم نر أو نسمع عن قائد كان قد استكمل شروط الحد الأدنى للقيادة وأحسن التصرف وجرد سيفه من غمده، من غير أن نسمع أن صليل السيوف لمن كانوا يقفون عن يمينه، وشماله، وأمامه، وخلفه، قد صكت آذان من هم في المكان، بعد أن عافت أغمادها لتنال من طامع أو طاغية أو محتل أو ظالم.
 


ولكن لا لوم على شعب أو أمة، إذا تقاعس عن دوره في البناء، عندما يرى أن من يقوده أو يقودونه لا يدعون الى بناء إلا عندما ينقص عن حده ما في جيوبهم الخاصة، أو حساباتهم في البنوك، ليعاد إملاؤها تحت عناوين البناء وأغطيته، وما شعار البناء والدعوة إليه عند ذلك ألا خدعة.



ولا لوم على الشعب والأمة، والجماهير والجيوش، عندما يرون أن من يسمّون بالعناوين القيادية لاهون عنهـم في شؤون لا تعني الجماهير، وأنهم يخونونهم مع الأجنبي، في الوقت الذي لا تكون دعواهم ضد الأجنبي ذي الغرض والفعل السيئ، غير غطاء خديعة.
 


إن الجماهير مثل أي كائن حي، لا تعمل إلا بغذاء، وغذاؤها الأساس، لكي تسند الحاكم أو القائد، هو إحساسها الذي لا يخطئ عندما يكون القائد، أو الحاكم قد نذر حياته ونفسه لها، ومن أجل عزها ومجدها ورفاهها، فالجماهير عند ذلك تغفر وتتساهل إزاء الهفوات والأخطاء التي لا تنطوي على التخلي أو الخيانة أو القصد السيئ المسبق.. وان واحداً من أهم الواجبات التاريخية للأمة والشعب، إما أن يسندا ويعززا من يتصدر عناوين قيادتهما، ويوقراه أو أن يقولا قولتهما المدوية بالحق لينبّها عن انحراف، أو ارتكاب غير مألوف، وان لم يتراجع ذي الشأن، ليس أمامها غير ( الكي )، الثورة التي تستبدل ما هو ردئ بما هو خير، لكي لا توأد آمال الجماهير، وتتعطل حركتها التاريخية إلى أمام.. وأعلي وأرقى.



إننا عندما نخاطب الجماهير، وبالذات الجماهير العربية، ليس لأننا اعتبرناها البديل العملي منذ الآن لأي حاكم عربي يقوم بواجبه القومي، حتى لو كان فعل الواجب القومي غير مستكمل كما ينبغي، وانما هي رديف أي حالة وطنية وعمقها العظيم مع العناوين الأخرى، بما في ذلك حالات بعض الحكام العرب وفق وصفهم الذي أشرنا إليه.. إلا أن الحاكم، أي حاكم، هو في طريقه ليغيب، أما الشعب والأمة فهما قوتان تاريخيتان لا يمكن أن يغيبا حتى لو أصابهما خسوف أو كسوف، فأن الشمس فيهما تطلع من مشرقها، وسيكتمل بدر القمر في يومه المقرر.. والذين لا يغيبون، مثلهم مثل الأمة والشعب، هم وحدهم أصحاب الأعمال والمواقف الجليلة التي تمثل صميمية ضمير الأمة وعقلها الحي، ومن بين الذين يغيبون عن مدار الرؤية واللمس المحسوس لهم من جانب الجماهير حتى لو كانوا أحياء يرزقون، هم أصحاب العناوين الذين يأخذون في غفلة من الزمن عناوين مسؤولية متميزة، ولا يعرفون أو يقدرون معناها، ولا هم أمناء عليها، وعلى شرفها..



أنهم بهذا الوصف، مجرد جثث هامدة، وهم أحياء. والله أكبر.



أيها العراقيون الشجعان.. يا قرة عين قيادتكم.. ويا علّة الأعداء، وصحة العراق العظيم، ومنزع سهامه إلى عيون أعداء الله والإنسانية..



أيتها الماجدة البهية..



يا نخوتنا مع المعاني العالية، عندما يدلهّم الخطب، وعندما نكرم نفيساً وغالياً، وعندما تحشد النفس الأبية معانيها الكبيرة..



يا أريج العراق، وعطر خنادقه المقاتلة.. السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته..



لقد كان حضوركم بهياً معمعاني النموذج والقدوة التي تمثلون في كل فصول الخطاب، مما تحدثنا عنه إلى العرب، لأنكم معهم أبناء أمة واحدة، ولأنكم أصبحتم تعرفون عن طريق الإشارة وقراءة ما في العيون ما ينبغي ويجب، وما هو مقبول أو مرفوض، بعد هذا الزمن الطويل من العلاقة والموقف..



ولأننا لا نؤجل عملاً أو قولاً ذا أهمية بانتظار أن نقوله أن نفعله في المناسبات فحسب، وإنما لكل شيء وحال ميقاته ليقال أو يعمل بأذن الله.. فلم نجد ما يستوجب، ولا نريد أن نثقل عليكم في خطاب طويل، نكرر فيه ما قلناه وما عملنا به، أو ما ننوي العمل به، بعد الاتكال على الله، خلال عام مضى، وعام جديد يطل علينا جميعاً، وعلى امتنا بالخير والسرور.. لذلك اكتفي هنا بأن أحييكم، واحيي الثوار، واحيي صمودكم العظيم، وإبداعكم العالي في صنع مثل في حياة يدخل، لأول مرة، وفق سياقها المعروف، تأريخ وفعل العرب في عصرهم هذا.



ولأننا متوكلون، فان ثقتنا كبيرة بقدرة الباري على أن يعّز نصركم بما هو مبين ومشهود من غير ضلال، وموصول، إن شاء الله، من غير انقطاع..



أسأل الباري أن يزيدكم عزاً، ومجداً، وصحةً، وعافية، وان يديم عليكم نعمة الإيمان والصبر، وان يفرحكم بكل ما يسر النفس ويريحها.



وعاشت أمتنا العربية المجيدة..
وعاش العراق..
عاش العراق..
وعاشت فلسطين حرة عربية..
والله اكبر..
الله اكبر..
وليخسأ الخاسئون

 
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الاثنين / ١١ مـحـرم ١٤٣١ هـ

***

 الموافق  ٢٨ / كانون الاول / ٢٠٠٩ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور