نص خطاب الرئيس صدام حسين بمناسبة الذكرى الحادية عشرة ليوم النصر

في الثامن من آب ١٩٨٨ عام ١٩٩٩

 
 
 
شبكة المنصور
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 


أيها الشعب العظيم..
أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة..
يا أبناء امتنا العربية المجيدة..
أيها الأصدقاء..


مثلما الإنسان جزء من عائلته، ووسطه الاجتماعي في تفكيره، وطباعه وعاداته، فان أي مرحلة من مراحل تطور الشعوب تشكل جزءا من تاريخها وطباعها وعاداتها أيضا"، ومع أن للأمم والشعوب نوعا من خصائص عامة مشتركة يمكن إجمالها والاهتداء إليها، فأن لكل منها خصائص أخرى خاصة تختلف، وتأخذ ألوانها وعناوينها ومستوى وعمق تأثيرها في النفس أو الآخرين في ضوء تباين ونوع خصائص كل شعب وأمة، واختلاف أدوارهما، ونوع ومستوى التطور بالقياس إلى خط البداية الإنسانية، أو وصفه ضمن مرحلته، وكلما كان الوصف والمسافة بين أمة وأخرى على هذا واسعا، كانت خطوط الافتراق بينها متباينة بقوة كبيرة، ومتباعدة أيضا"..


ويلعب القادة، ونوع الدور والمهمة، أو المهمات، دورا" حاسما" في بلورة الخصائص الخاصة، ومستوى واتجاه ونوع فعلها وتأثيرها، وعلى أساس هذا الوصف فأن مستوى إنسانية، أو عدائية الشعوب والأمم، ومستوى قبولها لهذا أو ذاك من المحامد أو النقائص، يتأثران بخلفية تلك الخصائص، ونوع ومستوى نماذجها التاريخية في ضوء وصف خصيصتها الخاصة في ميدانها ومناسبتها.. ومن هذا يمكن أن نستعين بتفسيرات ظواهر وحقب تاريخية كثيرة، أو حتى الاتجاهات الأساسية من تاريخ الشعوب والأمم، ومنها شعبنا وأمتنا، وعليه لو عدنا إلى شيء من الماضي مما يتصل بصورة أو بأخرى بمناسبة هذا


الخطاب، وتساءلنا مثلا :


لماذا دمرت بغداد عام 1258 للميلاد؟ ولماذا دمرت بابل عام 539 قبل الميلاد؟ ولم تدمر بصورة نهائية روح الإنسان فيهما وينقطع فيه الأمل والرجاء لينهض من جديد..؟ ولماذا كانت غفوة بغداد طويلة بحدود ثمانية قرون؟ ولماذا صحت بغداد مرة أخرى ولم تنثن أو تلتو، أو تتوقف، أو تساوم؟


لو اجبنا على هذا تفصيليا، مستندين إلى الخصائص الخاصة لشعبنا، ولمن آذى شعبنا من وسط الشعوب الأخرى، لوجدنا الإجابة مقنعة، بالإضافة إلى عواملها الظرفية، ولوجدناها تفسر لنا جوهر ما يسجله المنصفون من معان إيجابية لشعبنا، وما يسجلونه على الذين آذوه في الماضي، ويؤذيه آخرون، كلما حضرت في أنفسهم الخصائص المشتركة مع رعيل الماضي المتصل بتأريخه في شعبهم، أو بمناسبة يوم النصر العظيم، الذي نلقي فيه خطابنا هذا، رغم اختلاف الزمن بين ما مضى وما هو حاضر.


أن بابل وبغداد وآشور ونينوى والحضر وأور لم تعش على الحياد بين حضيض وقمة، لذلك عندما ترى القمة وتتيقن من صدق وأمانة الحداة، مع شروط أخرى معروفة، تغذ السير إليها، وتتربع هناك فوقها، فتصبح الفنار الأعلى بين محيطها، ويصبح إشعاعه مرئيا" من مسافات بعيدة، تتوضأ منه شعوب كثيرة، وتهتدي إذا ما ضلت طريقا"، وأناس آخرون تدفعهم الغيرة، والحسد، والشعور بالعجز، ونقائصهم إلى الهياج المسعور الذي يستحضر غريزة العدوان والتدمير ليقعدوا على الإطلال ويتصوروها القمة الأعلى، أو حيثما تصورت الأنانية القائلة أن إمكانية السير باتجاه عام واحد ومشترك، للمصالح لا تجد طريقها إلى توافق بين قمة ومستوى آخر من الوصف، فيحصل عند ذلك التصادم، ولان الوصول إلى القمة بسلوك طريق العمل والمعاني العالية، هو حالة متكررة في تاريخ العراق وتاريخ الأمة، بل هي الحالة اللائقة بالأمة وبالعراق،وعندما يصلان إلى القمة غالبا ما يمكثان عليها حتى يراهما أو يسمع عنهما القاصي والداني، وانهما بسبب خصائصهما لا يتدحرجان على عجل إلى سفحها بخلاف حالات شعوب أو أمم أخرى، نظرا" لعمق ومستوى الاقتدار والحكمة في عقول وضمائر حداتها، وصدق محبتهم لمعاني ومسلك البناء.. فأن إزاحتهم عن القمة لا تكون إلا بتصادم يداهمهم ويأخذهم على حين غرة، في أي مرحلة من مراحل المكوث فيها عندما تغفل العين، أو تنشغل النفس بما لا ينبغي، أو تخطيء الحسابات، ومن هذا أيضا" يمكن أن نفسر.. لماذا عندما تغمض بغداد عينها تغمض عيون كل العرب؟ ولماذا عندما تفتح عينها مرة أخرى، يقترن السيف بالقلم وتكون الحكمة أساسهما ويكون كل منهما جناحا" على قاعدة المعاني الحضارية العظيمة وتراث أمتنا الخالد، تحلق به عمالقة الصقور لتحمي سماء العراق وأرضه، ولتمضي بغداد في طريقها إلى القمة مسلحة بمعاني البناء والقلم، وحاملة سيف المعاني العالية ليذود، ولتعبر في كل هذا عن عبقرية الأمة والشعب، في ظل رسالة القومية المؤمنة، والإنسانية الخالدة، لذلك قدحت بغداد إشعاع ضوء يعبر عن معانيها، لتنير الطريق، ويبلغ ضياء نورها أرجاء المعمورة في كنف ورعاية الرحمن، فكان السيف سارية القلم، وكان القلم هاديا إلى معاني البناء واليقين حتى صار قاعدته الراسخة، ورايته الخفاقة، حيث أنارت مفاهيمه العظيمة زوايا ظلام كثيرة في الإنسانية، فتكالب من تكالب على بغداد حقداً وحسداً، وسخرت قوى، بعضها متخلف أستخدم كقوة تدميرية، وبعضها أستخدم مخزون خبثه وجشع مصالحه الضيقة، ليصور للمتخلفين صواب منهجهم التدميري، ومثلما حرق المغول والتتر كتب العلم والمعرفة، وقتلوا العلماء في بغداد، وضيعوا على الأمة فرصتها إلى وقت طويل، ظن متخلفون، دفعتهم قوتهم التدميرية، ومع ما ترادف معها من أغراض خبيثة، أنهم قادرون على قتل علماء وعناوين القلم، والحكمة، والسيف، والراية في بغداد الناهضة إلى الأعلى والأفضل، فخاب ظنهم، وساء ما يفعلون.


أيها الأخوة..


لا نريد في ما قلناه، وما سنوضحه في هذه المناسبة، أو غيرها، وفي هذه الموضوعات أو سواها، أن نستذكر مجرد العوامل المفرقة، ولا نريد نكأ الجراح التي مازالت فاغرة، وإنما اجتهدنا ونجتهد بأن نضع الحقائق بمضمونها الإيماني والاجتماعي والتاريخي الصحيح، ضمن سياقها العلمي، لنعاون على الاهتداء إلى ما هو خير كجزء من مسؤوليتنا الوطنية والقومية على قاعدة إيمانها، بل ومسؤوليتنا وعلاقتنا الإنسانية، سواء مع إيران، أو الأمم الأخرى، منطلقين من رغبة وتصميم دائمين على المساعدة والمبادرة في مد جسور المحبة والسلام، كلما تمكنا من ذلك، أو انفتحت أمامنا فرصها بصورة متوازنة وصحيحة، ولذلك نقول أيضا:


إن الحاكم، أي حاكم، إذا وجد في داخله وداخل شعبه طاقة كامنة يمكنه أن يطلقها، ولا يمتلك، وليس لديه قدرة تصور الأفضل، ومنها مؤهلات البناء وفعل الخير ومعانيه، غالبا" ما يطلقها بمعان مناقضة للخير والمحبة والإنصاف أو البناء، فتجيء طاقة تدميرية في علاقاته بالأمم والشعوب، وبخاصة الشعوب والأمم المجاورة، لذلك فان الانشغال بالبناء والقيم والمعاني العالية، وفي النظرة إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها نظرة متوازنة، مؤشر قوي على استخدام الحاكم والقائد الطاقة الكامنة في فكره ونفسه، وفكر ونفس شعبه وأمته، بالاتجاه الإنساني الحضاري، وعلى محبته للخير بدلا" من الشر، والبناء بدلا" من التدمير والعدوان، ومع الأسف، فإن حكام ايران، وبخاصة من سلف، ومن هم على مسلكهم حتى الآن، لم ينشغلوا في بناء، ولم يزرعوا محبة أو خيرا"، لذلك جاءت شعاراتهم بعد انتهاء عهد الشاه متعالية، عدوانية، توسعية، وان أخذت برقع الدعوة الإسلامية، فوقع العدوان ونشبت الحرب.


ومن ذلك ومن سجلات التاريخ المؤكدة، قد يفسر هو الآخر كيف ولماذا سرق الملك الفارسي العيلامي شوترك ـ ناخونتي المسلة الشهيرة المدون عليها شرائع الملك العراقي ( حمورابي ) وكيف حاول محو اسم حمورابي الذي ذّيل به تلك الشرائع، حسدا" وحقدا" على هذا الملك العظيم، وسعيا" لعلاج مرض العقل والنفس الذي ورثه هذا العيلامي عن آبائه.. وهكذا بعد عملية التدمير التي قام بها ذلك الملك الفارسي داخل العراق، سرق جانبا" من تاريخ وحضارة العراق الثقافية والقانونية، بدلا" من أن يصنع حضارة صاعدة، ذلك لأنه عاجز عن الصعود وفق خواصه، فانحدر إلى الدرك، لان ذلك يلائم خواصه ونزعته … ولماذا وكيف دمر الملك كورش ملك الفرس مدينة بابل بعد حوالي ستة قرون، تلك المدينة التي تعد مركز الحضارة الإنسانية الأول والأكثر إشعاعا" وتأثيرا" في الحضارات الإنسانية آنذاك، وبالتعاون مع جذام أصاب جسم بابل حينذاك : (اليهود) الذين جاء بهم الملك نبوخذ نصر مكبلين في الأسر إلى بابل؟.


لقد هدّم الملك كورش بابل بغريزته التدميرية وبحسده وحقده ليس تعبيرا" عن اقتدار مبصر، وإنما عن عجز أعمى وأحمق، ظانا" أنه يعالج بذلك عقدته المتمثلة في ضعف أو انعدام الوعي، وانعدام أو ضعف قدرة الصعود عن طريقها الإنساني الصحيح، فأورثها غيره، لكن إلى أن يأذن الله، بما ينير القلوب والضمائر وما في الصدور لمن داهمهم الظلام، لو أراد ذلك، سبحانه، وستبقى بغداد، مثلما كانت عصية على الأعداء، محروسة بالعز، والاقتدار الواعي الأمين على المعاني الإنسانية، ولن تفتح أبوابها إلا للشعوب التي تطلب العلاقة الطيبة والصداقة، وللمؤمنين الخيرين، إن شاء الله.


وعلى هذا فأن الشعوب ذات الجذر العميق في دورها الحضاري هي غير الشعوب في دور حضاري متواضع، وان الشعوب التي يلعب في حياتها وتاريخها ومهماتها الجانب الإنساني دورا" كبيرا" أو حاسما" في تبني دعوة خير أو دعوات، وفي حمل رسالة أو رسالات، وفي مستوى ونوع النماذج المتصلة بهذا على طريق الصيرورة الإنسانية الأفضل والمعاني العالية، هي غير الشعوب التي يقتصر تاريخها الأساس على دور متصل بدور محلي أناني محدد وضيق في أغلب الأحيان، والفرق أيضا ذو معنى تأثيري عميق في هذا أو ذاك من الشعوب، بين ما إذا كانت الأرجحية الغالبة في هذا الدور للعوامل والاعتبارات المادية أو مفرداتها الحياتية ضمن مرحلتها فحسب، أو بصفات وعوامل أخرى، وما إذا كانت نماذجها المحفزة أو المذكرة بهذا الدور ليس غير نماذج للتدمير وإيذاء الشعوب والأمم وتجاوز الحق للغرق في الباطل، أمام نماذج أخرى تذكر بالخير والمحبة، والإيثار، والدور الإنساني الكبير.. والعمل من أجل ما هو حق وعدل.


ومن العوامل المؤثرة في نوع واتجاهات الحكام والشعوب بوجه عام أيضا، هو هل يكفيهم ما في داخل بلدانهم ويكفهم عن غيرهم، ويشغلهم عن العداوة والعدوان، أم هل ينقصهم ذلك، وبخاصة عندما لا يهتدون إلى طريق زيادة الإمكانات، ومفردات الحياة عن طريق آخر والعوامل والأسباب الإنسانية الصحيحة لمعنى خلق الله للإنسان، وهكذا وجدنا أن الهضبات الجرداء الأجنبية المجاورة غالبا" ما يتدحرج منها من يقع في السهل الرسوبي الخصيب بعضهم يأتيه مسلحا" شريرا" عدوانيا"، وبعضهم يأتيه طلبا" للعيش بعد ضائقة، فيما يصعد إشعاع سهل الرافدين، كعمود ضوء عظيم وبهي، لينير الطريق لمن هم من حوله، ومن هم في العمق البعيد كلما صعدت فيه القدرة إلى مستواها.. وكما أن لكل إنسان طاقة ومشاعر وتفكيرا"، فأن للأمم طاقة ومشاعر وتفكيرا"، وتعتمد النتائج ونوعها ومستواها على الاتجاه الذي توجه فيه الطاقة والمشاعر والتفكير، وهنا يلعب القادة دورهم ومسؤوليتهم الحاسمة في تقرير النتائج، في ضوء اختيار الأهداف والطريق، فأن أطلقوا الإمكانات وخصائصها باتجاه التدمير والشر يحصدون ما يتصل بهما، ذلك لان هذا هو طريق الهبوط إلى الحضيض، وقد يبدو هو الأسهل، أو الأوحد، لتستخدم غريزة التدمير والشر عندما يقصر العقل عن ميدانه الفسيح، ومسوغات المبادئ العظيمة، ونواهي ناموس المعاني العالية، بل أن العجز عن التصور الأعلى يجعل الطاقة تنحدر إلى حيث ترتطم بحضيضها، ومن بين أخطر الأمور أن يتوهم أصحاب هذا التصور ومسلكه، انهم ينتصرون حتى عندما يتحطمون عن طريق تسارع انحدار طاقتهم إلى حضيضها، ذلك لأنهم عاجزون عن تصور مسالك الصعود فيتجهون إلى الانحدار، كما أسلفنا، وان وجهوها باتجاه الخير وسبله يحصدون ما يتصل بهما أيضا.. وعلى أساس هذه المعاني ومستوى حضور النماذج ذات الصلة في الصفين، أو الصفوف المتقابلة، يمكن للجموع المختلفة أن تسير في اتجاه واحد، أو أن تتناقض فتصطدم، وعلى أساس المعاني التي تحدثنا عنها في خطاب السابع عشر من تموز الماضي أيضا، يمكن أن يفسر جانب من الصراع الذي أحتدم في القادسية المجيدة، بعد سلسلة العدوان التي أطلق فيها المسؤولون الإيرانيون المعنيون شره ونهم الطاقة الكامنة من المشاعر التي أطلقتها وحررتها من قمقمها الثورة على شاه إيران، في الشعوب الإيرانية التي لم تخض حربا" منذ زمن طويل آنذاك، وواجهت هذه الشعوب كل أنواع المذلة والعنت والجوع في ظل ذلك النظام، فصارت تبحث عن طريق إضافي لتؤكد ذاتها، فدفعها المسؤولون الإيرانيون المعنيون الجدد، أو أطلقوها في الاتجاه المدمر وغير الصحيح، مجردة من المعاني الإنسانية والروحية في أبسط وصفها، وان اتخذت غطاء مهلهلا وشكليا ولفظيا" فحسب، من الجانب الروحي، كما أسلفنا، بعد أن جعلت معانيه وروحه أهدافا" تصوب عليها طاقتها وأسلحتها التدميريتين.. فصدها العراق العظيم بصدره العامر بالإيمان، والنظرة إلى الحياة والعمل والمسؤولية بصورة متوازنة، فكان الذي كان، وصار الانتصار أكيدا" داخل النفس وخارجها عند العراقيين، عند خط البداية مثلما هو في نتيجتها النهائية، وكمحصلة طبيعية لهذا النوع من الصراع.


ومن أجل أن نزيد بعوامل إضافية تأكيد هذا الوصف كل على ما يستحقه على طرفي الصراع، نأخذ أمثلة محدودة من بين كم هائل وركام كبير، ومن ذلك أن العراق أطلق سراح كل أسرى إيران، بعد زمن من توقف القتال، عدا واحدا" منهم أطلق سراحه أخيرا"، وفق ما ورد في خطابنا في العام الماضي بنفس المناسبة، وقد أطلقنا سراحهم مهتدين بالمبادئ التي نؤمن بها، مستندة إلى عمقها العظيم، معاني الدين الإسلامي الحنيف، ومبادئ ثورة تموز المجيدة.. وكان أسرى إيران، طيلة وجودهم في أقفاص الأسر، على اتصال بالصليب الأحمر الدولي، ويتمتعون بحقوق الأسير، وفق سياقها الصحيح، فيما تحتفظ إيران حتى الآن بآلاف الأسرى العراقيين، وبعضهم ترفض حتى أن تسجله لدى الصليب الأحمر، ونال وينال أسرانا الأبطال شتى صنوف التعذيب والضغط، بل والقتل داخل أقفاص الأسري في أحيان كثيرة، لا لشيء إلا لأنهم يحترمون آدميتهم وإنسانيتهم ووطنيتهم ومباديء أمتهم، فلا يخونون، ولا يسيئون لوطنهم وشعبهم، ولا يذكرون رموزهم ومبادئهم بسوء، وان تصرف ايران هذا ليس له مثيل، ولأنه ليس له مثيل، لذلك ليس أمامنا إلا أن نبحث في جانب من التاريخ لنهتدي إلى أسبابه ووصفه لنقول أن وصف هذا التصرف لا يصدر إلا عمن ينطبق عليه الوصف المقابل بالضد لوصف شعب العراق ونظامه ومعانيه وقيادته ومعانيها , ولان كلا العنوانين العراق من جهة وايران من جهة أخرى قد بان وصفه، وفعله، ومنهجه، ومسلكه، بعد هذا الزمن من الحكم والصراع.. فأن بإمكان القريب والبعيد، ومنهم شعوب ايران، أن يرتب لكل من الحالين وصفه، وما هو لصالحه، أو عليه.


والمثل الثاني، هو أن العراق قد أودع طائرات مدنية وحربية لدى إيران، بعضها قبل أن تبدأ المنازلة الثلاثينية في أم المعارك، وبعضها أثناء المنازلة، على أساس تصور خاطئ من جانبنا بأن المعنيين في إيران يمكن أن يشتركوا في ميزة ما هو مشترك في الإنسانية، وينحوا منحى الخير، وعلى أساس أن ايران لم تعد عدوا للعراق، بعد أن غلبنا الله على صف الشر في 8/8/1988، وتوقف القتال باتفاق الطرفين، وعلى أساس ما أوحى به استذكارنا لشعارات المسؤولين في ايران على عهد من مضى، وبعضه مستمر، ومن بين ذلك استذكرنا شعاراتهم عن أمريكا يومذاك التي كانوا يسمونها بالشيطان الأكبر، متصورين نحن، خطأ، إمكانية تشبث المسؤولين فيها بالحد الأدنى من تلك الشعارات، لأننا لم نكن نتصور آنذاك، أن كائنا من كان، وبخاصة أولئك الذين يقولون بالإسلام دينا لهم، يمكن أن يقولوا بخلاف ما يضمرون وان يتخلوا عن شعاراتهم بين ليلة وضحاها، ويعملوا ما هو عكسها ونقيضها تماما"، خاصة وان المنازلة كانت بين العراق، مودعا" في كنف الرحمن من جهة، وبين ما كانوا يسمونه الشيطان الأكبر، أمريكا، وحليفها، والصهيونية وحلفائهما الآخرين، أو المصطفين مع هذا الصف من جهة أخرى.


وان هذين المثلين، أيها الاخوة، هما من بين أمثلة كثيرة أخرى، تملأ مجلدات على الطرف المقابل للعراق، وتكشف جانبا" من أخلاق طرفي الصراع المباشرين، وان نتائج الصراع، لا يمكن تفسيرها بغير العودة إلى هذا الذي قلناه، ونقوله في خطاب اليوم، والعودة إلى عمق خطاب تموز، الذي ألقيناه في الشهر الماضي، بمناسبة عيد الثورة المجيدة، وغير ذلك من الحقائق التي نضحت من مسيرتين متجاورتين، وتجربتين لا تفصل بينهما جغرافيا غير الحدود.. نعم لقد دفع المسؤولون الإيرانيون وأججوا لدى شعوب إيران كل عوامل الكبت والطاقة التي لم تستخدم باتجاهها الصحيح مع العرب بوجه عام فاصطدموا بالسد العظيم المنيع للامة وحصنها الحصين على الجهة الشرقية، العراق العظيم.


ورغم كل الدعوات المتكررة، قبل وبعد المنازلة، للتروي والابتعاد عن بواعث ومواطن الشر، ورغم كل دعوات السلام التي أطلقها العراق من أعلى المستويات، وشتى المستويات الأخرى، استمرت شعارات وطبول ومدافع العدوان والحرب، وشعارات الأطماع الخائبة، حتى اندحرت وخابت شعارات الغزو ونيته المبيتة والمخططة في ساحات القتال، فأنتصر الحق على الباطل، وكان انتصارا للمعاني العالية للإنسانية جمعاء، ومن ضمنها من كان يؤمن بعكس طريق العدوان من شعوب إيران.


وهكذا أيها الاخوة كان السيف والقلم.. أو الذراع وحكمة العقل: صنوان متوازنان في فعل متوازن في تاريخ العراق والأمة وتراثهما الخالد، وكانا متوازنين في هذا الصراع أيضا، ولذلك لم نشمت، ولم نغدر عندما توقف القتال، لان الحكمة عندنا لا تستخدم السيف بديلا" عن القلم، ولا الذراع محل الحجة والإقناع والتفاعل، ولا تعيش على أرض بلا سماء، أو تداري العجز بالتعلق لفظيا" بمعاني السماء من غير إيمان حقيقي ومن غير أرض راسخة، ولا تتردد في استخدام السيف عندما يغدو السبيل الذي لا بد منه لتثبيت حجة، وعندما يعجز طريق العقل عن إقناع من هو على باطل بأن لا يهم بارتكاب جريمة عدوان ببطلان موقفه.


والله أكبر.


وعلى أساس هذا، وعلى أساس معانيه، نستذكر يوم النصر العظيم، يوم نصرنا الله نصره العزيز المقتدر في 8/8/1988 في القادسية الثانية المجيدة، ومنه، ومن مقدماته، وما رافقته من ولادة، يمكن أيضاً إلى جانب ما قلناه، إدراك سبب حصار العراق منذ اكثر من تسع سنوات، وسبب قيام من تقع دولهم على حدود العراق، ومنهم إيران، بمهمة الحصار الميداني، بما يطمع ويشجع ويردف العدوانيين الأمريكان والصهيونية في الاستمرار بقتل شعب العراق بكل الوسائل.. وسبب حجب شعوب إيران عن زيارة العتبات المقدسة بينما كانوا يحرضون على زيارتها عن طريق اقتحام العراق بالسلاح، بما كان يوحي يوم ذاك بأن العراق وبخلاف الواقع وكأنه يمنع على الشعوب الإيرانية زيارة العتبات المقدسة بما يغطي شعارات التوسع والعدوانية، ويكشف أيضا سبب مشاركة إيران المخابرات الأمريكية والصهيونية وأعوانهما في احتلال مدينة السليمانية في شمال العراق، بعد وقوع العدوان الثلاثيني على العراق، بالإضافة إلى حالات عدوانية أخرى معروفة من بينها استخدام الطائرات الإيرانية بغارات عدوانية على أهداف في عمق العراق واستخدام الصواريخ أيضا لنفس الغرض، بل أن هذه النماذج من العدوان والعدوانية تعين على تصور روح العدوانية التي وقعت على العراق عام 1980؟


ومن هذا يكون الجواب واضحا" على: أليس في كشف الزيف والدجل، وفضحهما وإظهار الحق والحقيقة خدمة جليلة للإنسانية، وليس للعراق أو الأمة العربية فحسب؟ ومن ذلك أيضا" يتضح اكثر فأكثر كيف ولماذا يستحق يوم النصر العظيم : 8/8/1988 منا ومن شعب العراق والأمة، ومن جميع الشعوب المحبة للخير والسلام، أن نستذكره بخير، ونحتفي ونحتفل به على مدار الأيام والأعوام كنتيجة إنسانية رائعة رغم كل ما حصل.


بلى والله، انه يوم إنساني خالد وكل ما لا يتصل به أو يعاكسه حالة خائبة مرجومة.
انه يوم عظيم أراده الله برهانا وعنوانا وراية.
والله اكبر..
وعاش العراق..
وعاشت أمتنا العربية المجيدة، مثلا إنسانيا" مشعا" بالمحبة والخير والنماذج العالية والاقتدار العظيم..
وعاشت صداقة شعبنا وامتنا مع الشعوب المجاورة، وشعوب العالم اجمع..
وتبا" لعدوانية المعتدين..
وليخسأ الخاسئون..
أيها الاخوة..
إن الأمم والشعوب بنات تاريخها الخاص والعام.


ورغم حالة الوصل القائمة، بصورة أو بأخرى، بين خط البداية، وآخر صورة، أو أي صورة من صور تطور الشعوب والأمم، فان كل حلقة من حلقات التاريخ، نوعا" ووضعا"، لا تكون صورة طبق الأصل للصور، أو حتى الصورة، التي تسبقها في الصيرورة، ليس لان مراحل الزمن هي مراحل تطور، أو هكذا ينبغي أن تكون فحسب، وإنما لان جانبا" أساسا" في صور التأريخ، ضمن حلقاته الصاعدة أو الهابطة، إنما تمثل صورة الحلقات القيادية فيه، بشكل أو بآخر أيضا، لذلك بإمكاننا أن نقول أن أعمدة التاريخ هي عامة وخاصة، أما العامة فهي ما تمثله من وصف وفعل وخواص وتأثير الحالة الجمعية المتكونة تاريخيا" كخاصية عامة للشعب والأمة، وهي أيضا وصف وفعل وخواص وتأثير الحالة الخاصة لمن يقودون الشعب والأمة، ضمن مرحلتهما، وكلما كان الاقتناع عميقا" والتفاعل جديا" وعميقا"، وعلى نطاق واسع بين من يقودون الشعب والأمة، وبين الشعب والأمة، اقترب العام : الشعب والأمة، إلى الخاص : القائد والقادة، وتصير عندئذ الفروقات بين الخاص والعام فروقات مرحلتها النسبية فحسب، أي فروقات التطور التاريخي بين مرحلة وأخرى مع ما يصاحبها من ذيول عادات منقولة، وعند ذلك تغدو المرحلة كأنها، بصورة أو بأخرى، هي خواص القائد أو القادة، مضافا" إليها المنقول وما أريد له أن يكون موصولا مع خواص وعادات المراحل التاريخية السابقة.


ومن هذا يتبين لنا كيف ولماذا يحوّل قائد يقود قادة آخرين، أمة أو شعبا" في المعاني والواقع إلى حالة صعود عظيمة إلى أعلى وأمام عندما يتطابق القائد أو القادة مع شعوبهم على طريق معانيها الإنسانية العالية، ويحول حاكم وحكام آخرون أمة وشعبا" إلى حالة متراجعة، ضمنيا" عن فرصتها ودورها بعد أن يفترقوا عن شعبهم وأمتهم، ويغدوا غير قادرين على تفعيل قدرتهما بمستوى ما ينبغي وما يجب، لضعف تأثير الحاكم، أو انحراف دفعه للأمور، أو استقطابه لهم إلى مسارها الصحيح، ومن ذلك نفهم لماذا، وكيف حصل ما حصل بين دولتين إسلاميتين في ما تعلنان، أو في ما يؤمن به من آمن، وموضوعتان ضمن وصف الدول الإسلامية: وهما العراق وإيران!؟


إن الوصف الديني أيها الاخوة الذي أدخل على الأمم والشعوب، سواء كانت تلك الشعوب إسلامية العقيدة، أو الانتساب إليها، أو تحت وصف وعناوين ديانات أخرى، لا يلغي تاريخ الأمة قبل وبعد الانتماء أو الانتساب، ولا يلغي تأثير تاريخها العام حيثما تعارض أو تناقض مع العقيدة الجديدة، ولكن العقيدة الجديدة، في ضوء سعة انتشارها ومستوى الالتزام بها، وعمق تأثيرها، تدخل معاني جديدة في تاريخ الأمم، ويمكن أن تدخل مراحل تاريخية كاملة مطبوعة بطابع المبادئ الجديدة، أو جوهر تلك المبادئ، حسب مستوى إيمان القائد أو القادة في تلك الأمم بالعقيدة الجديدة، وليس الشعوب فحسب، ومدى استعدادهم لاعتبار أساسياتها أساس تفكيرهم وفعلهم وأخلاقهم.


لذلك إذا لم يتحقق شرط الانتماء الصميم للحالة الجمعية للشعب والأمة، مع انتماء خاصة الأمة والشعب، وبصورة أخص حاكمه وحكامه، للديانة الجديدة، ويضعوا أنفسهم، تصورا وفعلا، وفق ميزانها، ويتخلقوا بأخلاقها، يكون تاريخ الأمة، من حيث محصلته النهائية، منقطعا" عن التواصل والوصل التفاعلي بين القديم والجديد، ويغدو الدين الجديد حالة شكلية عامة، كلافتة موضوعة للدعاية، وليس للالتزام والتفاعل الصميم، ويعتمد الوصف هنا على مدى تطابق أو افتراق الحالة الجمعية للامة عن الحالة الخاصة للحاكم أو الحكام في هذا.


أيها الاخوة..


كانت إيران ضمن حالة الدولة الإسلامية التي قادها العرب بوجه عام، وكانوا لها قادة أو حكاما" ومرشدين إلى حين، حتى إذا تكون حكام، أو قادة محليون في ايران، من الشعوب الإيرانية نفسها أو كردفاء لغيرهم، فانهم غالبا" ما كانوا لا يضمرون خيرا" لمصدر القرار في الدولة الإسلامية، ويشيعون على مستوى الشعوب الإيرانية انهم يعاملون بأقل من استحقاقهم، وغالبا" ما يقيسون وينظرون إلى الاستحقاق على أساس ما كانت عليه إيران تحت قيادة الفرس وأكاسرتهم، عندما احتلوا أجزاء من دول وأراض مجاورة لهم، سواء إلى الشرق أو إلى الغرب منهم، وليس على أساس الاندماج في الدولة الجديدة، تحت لواء إيمانها ومبادئها، وتحت قيادتها، وفقا" لمبدأ الإسلام الواضح في الحكم والتصرف ( وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وإنما غالبا ما يجتزئونه، أو يجمدونه، أو يحاولون إعطاءه تفسيرا" لا ينسجم مع السنة النبوية المطهرة، أو ما تجمع عليه الأمة الإسلامية، بل انهم، في بعض الأحيان، يعطون معنى ضيقا لمعنى (وأولي الأمر منكم)، فيقتصرونه على الحاكم المحلي للإقليم في تلك اللحظة، بدلا من الخليفة، أو أمير المؤمنين، بما يسهل مهمة حاكم الإقليم المحلي في إيران على مشاكسة أمير المؤمنين أو الخليفة، أو التمرد عليهما.. واخذ هذا الحال مستواه الآخر في إيران في ضوء إلغاء حلقات أساسية من تاريخ الدولة الإسلامية، والقسم الأكبر من رموزها، والاقتصار على حلقات مشرقة بعينها، ولكنها مجتزأة عن قاعدتها وسياق تواصلها وعمقها، وقد تم وضعها في إطار من التضاد، الذي لا يقبل التلاؤم والتفاعل مع كل الحلقات المشرقة العظيمة الأخرى، وبذلك، أعطى المعنيون فرصة، في كل هذه المعاني والحال، ليتواصل تاريخ الأكاسرة في إيران من غير انقطاع، ومن غير أن يعتدوا بتاريخ الدولة الإسلامية في هذا، وبذلك انقطعوا عن عمق هذا التاريخ وفقه الدولة، الذي لا يمكن تصور ما هو افضل منه آنذاك إلا بمراعاة التطور في يومنا هذا، لأنه قد نضج وتطور آنذاك من خلال دولة الإسلام، وشجعوا في إيران، منذ وقت طويل، نمو فقه خاص، ليس على أساس الاجتهاد الذي هو حق، بل وواجب أيضا"، لمعالجة حالة وظروف وإفرازات التطور ضمن مراحله المتعاقبة، وإنما على أساس ولادة جديدة مقطوعة عن عمقها والنسب، بعد أن انقطعت الصلة منذ ما يقرب من ثمانمائة عام عن اصل الولادة وتطورها اللاحق، وعن كل فقه الدولة الإسلامية وتشريعاتها في مرحلة الخلفاء الراشدين، وتاريخ ورموز الدولة والجهاد وراياتها، ليفسحوا المجال، وفق تصور مسبق للتاريخ الإيراني، ليتواصل من غير انقطاع، ولفقه جديد مقطوع الصلة عن عمق فقه الدولة الإسلامية ورموزه، بما في ذلك أبناء وأحفاد سيدنا علي ( رضي الله عنه ) فحورب، أو أستبعد عن مسار الصلة، ناس على أساس مواقفهم الأخرى، أو حتى على أساس أسمائهم، وعلى سبيل المثال استبعد من تأريخ صلة الأبناء والأحفاد من أبناء سيدنا علي وسيدنا الحسين رضي الله عنهما كل من أسمه أبو بكر أو عمر أو عثمان، عدا انتقاءات، وفق غرض أو أغراض خاصة، من فقه سيدنا علي، عليه السلام، وغالبا" ما يستشهد بها، وتحشر عن قصد في إطار، وهدف أو أهداف بعينها، أو في الأقل، وفق صيغة أريد لها وكأنما لتبدو متعارضة وليس منسجمة مع فقه الدولة الإسلامية وتاريخها.


وفي كل الأحوال، ومهما كانت الحلقات مشرقة ضمن مسيرتها الكلية ونبعها الأصيل، فغالبا" ما تضعف جذوتها عندما تنفصل عن اصلها، ويضعف تأثيرها مثلما تضعف رائحة العطر الزكي تدريجيا عندما ينفصل عن قارورته، أو تضعف جذوة الجمرة المتوهجة عندما تنفصل عن مجمرتها.


أن هذا الوصف الذي قدمناه عن تصرف المعنيين في إيران إزاء التاريخ الإسلامي، هو الذي شجع شاه ايران على الاحتفاء والاحتفال بمضي ألفين وخمسمئة عام متصلة على قيام الدولة الفارسية، متجاوزا" تاريخ ايران ضمن دولة الإسلام، بغض النظر عن موقف شعوب إيران، أو حتى موقف قسم من الخاصة منهم وسط الشعب الإيراني آنذاك، وهو نفس الوصف الذي جعل حاكم إيران، عندما غابت، أو غيبت، المبادئ العظيمة للإسلام الحنيف، يسعى لتدمير بغداد في عام 1980 للميلاد ليحتل العراق، مثلما دمر كورش بابل بالتعاون مع اليهود عام 539 قبل الميلاد.


ومن هذا الذي قلناه، يفسر لماذا لا يدرس طلاب إيران تاريخ الدولة الإسلامية، بل ولماذا لا تدّرس حتى المدارس الدينية هناك، تاريخ الدولة الإسلامية وفقهها عندما كانت ايران جزءا منها، وبالتالي كيف ولماذا اعتدت إيران على العراق، وقامت الحرب، وبقيت مستعرة ثماني سنوات..!؟ ومن هذه المعاني نجد التفسير لسبب وقوع العدوان بقيادة من قادوا إيران ضد العراق، وسبب استمرار الحرب ثماني سنوات، وعدم نجاح كل الجهود، بما في ذلك جهود منظمة المؤتمر الإسلامي ولجنتها التي شكلت لإيقاف الحرب وإحلال السلام بين العراق وإيران آنذاك، وعدم توقفها إلا بما أراده الله في ساحة القتال، فجعل الغلبة للمؤمنين، أصحاب التاريخ الموصول على قاعدة إيمانه العظيم، ونماذجه ورموزه الطاهرة ككل من غير اجتزاء، على من أراد أن يكون تاريخ إيران مقطوعا" عن معاني التواصل مع ذلك التاريخ، وابعد عوامل ومعاني المحبة، لتحل محلها البغضاء، بعد أن حشرها وفق صورة ما أراد وأبعدها عن نهر مبادئ الإسلام العظيم، لتمضي من غير أن تتطهر بماء مبادئه القويمة.


وعلى هذا أيضا"، يمكن تفسير لماذا وكيف تتحالف الإدارات الأمريكية، التي تدعي الانتماء إلى مبادئ السيد المسيح، عليه السلام، مع الصهيونية البغيضة المعتدية على ارض وحقوق العرب والفلسطينيين، وتدعمهم ليقتلوا النساء والشيوخ والأطفال والشعب في فلسطين مهد السيد المسيح ( عليه السلام) وأجزاء عربية أخرى أيضا، ولماذا وكيف تتحالف الإدارات الأمريكية مع من تحالفت معه لتقتل، وتجوّع شعب العراق وتدمر مرتكزاته الحضارية، بل وحتى آثاره الحضارية !؟


وعلى هذا يمكن القول كيف أن كل مرحلة زمنية من مراحل بغداد بعد التدهور والجمود الذي حلّ بها، بل وكل امتنا العربية والإسلامية، بوجه عام، مع استثناءات نسبية معروفة، تبدو كأنها تجمدت لتكون ذات التي سبقتها في كل شؤون الحياة، ولكل ميادينها، بما في ذلك العلاقات الاجتماعية آنذاك، لان التطور على مدى ما يقرب من ثمانية قرون قد توقف، بل وتراجع، من جهة أخرى، تراجعا" مستمرا"، لان الأجنبي العثماني، كان في حقيقته، ورغم ادعائه بأنه يحكم باسم الإسلام، يدير الحكم وفق نظرة ضيقة، تتصل بتراث وهواجس وتمنيات أمته وشعبه فحسب، وأهمل الأمة العربية كمعان وحاملي سيف وراية، وكادر قيادي عظيم للإيمان وراياته وللبناء والمعاني العالية الأخرى، وكمرجع أصيل لتفسير مبادئ الإسلام وما يتصل بها، وإسداء النصائح باختيار الطريق أو الطرق المناسبة، وأهمل تاريخ الدولة الإسلامية ونماذجها العظيمة، وإذا أراد أن يشير إلى جانب من تراثها، كان يتعامل تعاملا" مجتزأ وانتقائيا" وشكليا" أيضا" مع ذلك التراث، وعلى أساس هوى الحاكم بهذا الوصف، وليس المسؤول المؤمن ذي الأفق الواسع والبحر الزاخر من عمق الانتماء المصيري، وعمق التراث والمبادئ العظيمة، ولذلك لم يتفاعل الشعب والأمة مع الحاكم العثماني، وبقي معزولا" عن الشعب في رأيه وموقفه وقراره، وبقي موقف الشعب ورأيه وما يتمنى أن يكون بعيدا" عن الفعل، ومجرد تمنيات نظرية فحسب، وقد حدث كل هذا بعد أن انعدمت أو ابتعدت خواص الحاكم عن التفاعل مع الشعب، بل وانقطع التاريخ أو تجمد في احسن وصف له، وكأن آخر حلقة فيه قبل سقوط الحكم العثماني تنطبق في احسن وصف لها على آخر حلقة سبقت بيوم واحد حكم العثمانيين لبغداد، وبالتالي لكل الدول الإسلامية بوجه عام..


ومن هذا أيضا"، ومن مستوى نوع المعاني العالية التي تختزنها بغداد، والقدرة التي يمكنها، بشروط معروفة، أن تكون مبصرة، نفسر كيف لم تكن الشمس تطلع على أهل بغداد وغيرهم، على عهد الدولة التي حكمها العثمانيون باسم الإسلام، عندما غابت عين بغداد، وكيف يشرق الضياء على جبين كثر من أبناء المجتمع الإسلامي، وكل أبناء العروبة، أصحاب السيف والقلم والراية والمبادئ العظيمة، عندما يشرق النور من عيون بغداد التاريخ والمجد.


أيها الاخوة..


إننا عندما نحتفي ونحتفل بيوم النصر العظيم في 8/8/1988، فليس لأننا نقصد تأكيد قيمة، ومعاني البطولة المتصلة بجذرها الأصيل، وقاعدة إيمانها عميقة الجذور، والمعاني لامة كانت على الدوام مجاهدا"، وحامل راية مؤمنا للرحمن الرحيم، وأمينا" على قيمة وفاعلية المبادئ المتصلة بكل هذا، ومسؤولية الدور القيادي في معاني التطور كعنصر حاسم في الصراع عند وقوعه فحسب، وإنما أردنا أن نؤكد أن معاني مبادئ البناء، ودور الإنسان القيادي، المؤمن في تطوير الحياة، وما يؤمن به من إعلاء شأن المحبة على الكره، وإعلاء هدف وأهداف وطرق ومعاني البناء على التخلف، وروح التدمير، والسعي لربط الحاضر بجذوره الإيمانية الأصيلة، وماضيه العريق، يحقق نصرين على الوصف المضاد، والعناوين المضادة، نصرا" داخل النفس، مستوحى من شعور المرء بأنه جزء حي من كل، وليس حالة منبوذة عنه، وبما يرضي النفس إزاء واجبه تجاه المعبود، الذي لا يعبد غيره، ونصرا" على الأعداء بعد أن يحجب المستحيل عنهم منيتهم، وليس نصرا واحدا فقط، إذا ما تحقق بأي وصف من بين الوصفين فحسب، أما انه يدخل وحشة الشعور بالوحدانية في الطريق الذي لا يشترك فيه غيره، أو وحشة القنوط، الذي مهما بلغ فيه الشعور بالرضا داخل النفس، فانه في حالة كهذه يبقى الشعور بالهزيمة أمام العدو، يلهب الظهور بسياط الغلبة، وربما الضمائر والعقول، بندبات وكدمات قصف مدافع المنتصر.


وأردنا أن نقول للعالم اجمع، ومنها شعوب إيران، أن النصر الذي تحقق للعراقيين إنما هو نصر إنساني عظيم، ذلك لأنه نصر للتقدم على التخلف، ونصر للإيمان والحقيقة على التزييف ونصر للبناء على التدمير، وانه لو لم يتحقق، وتحقق شيء آخر بفعل ضربة شيطان رجيم، لا سمح الله، لانتصرت المادية التي يروج لها الغرب، بقيادة أمريكا، في منطقة الشرق الأوسط، وربما في أماكن أخرى، أمام حالة التدمير المرعبة التي تسببها الحالة المتخلفة القابعة حول صورتها المهترئة، التي لبست لبوس الدين، وجانبا" من مظاهره، ولاندحر الإيمان، بعد أن تجفوه نفوس وعقول الناس إلى حين، جراء ما يصيبهم تحت شعارات الدين، ولكسبت الصهيونية وأمريكا المعركة من خلال لجوء الناس إلى حماهما، تعلقا" بأمل زائف للسلام والاستقرار، اللذين يمكن أن يوفراهما للشعوب، أمام غول التخلف والتدمير وطبول الحرب الطائفية.. ولبقيت شعوب إيران أسيرة حالة تغشها إلى وقت طويل، بعد أن تبدد طاقتها، وتصيبها بالإحباط المرير بالنتيجة، بعد أن تطمسها في جرائم العدوانية والتدمير، بل أن النصر قد أنقذ شعوب إيران من كل ذلك، وشعوب العالم اجمع، من أن تسود المادية الغربية، بما يدعها تعلي نظرتها وطريقها في الحياة على حساب مبادئ الروح المتوازنة، والجوانب الحياتية والاعتبارية الصحيحة، والى زمن طويل.


وهكذا يحق، بل هو واجب أيضا على الشعوب والأمم، وليس شعب العراق فحسب، أن تقول: عاش يوم 8/8/1988، كيوم نصر للشعوب كلها، وللحق على الباطل، وللمعاني العالية على قعر مهاوي الحضيض والدرك الأسفل.


وعاش حاملو رايته ومبادئه، وسيفه..
والله اكبر.


أيها الشعب العظيم..


أننا نعرف أننا ربما أثقلنا عليكم في الأسلوب في هذا الخطاب، حيث عرفتم مما استمعتم إليه منا في مثل هذه المناسبة، أو قرأتموه عنا، إننا نسعى قدر ما نستطيع لان نجعل كلامنا ابسط في أسلوبه، سواء من كان منكم في مقتبل العمر أو من بين الشيوخ وكبار السن، ولكن الأسلوب المبسط أيها الأحبة ليس هو القادر دوما" على التعبير عن معنى ما نريد قوله، إذا ما نحا القول منحى فكريا"، وانطلق ليكون وفق وصفه هذا، ثم أن مشكلتنا في ذلك ليست داخل شعب العراق وإنما مع الآخرين تعرفونهم، ومشكلتنا هناك مع أناس يدعون بأنهم في عدوانيتهم إنما يعبرون عن فكرة، لذلك، لا بد أن نتناول الأساس الخاطئ لفكرتهم بأساس صحيح لما نعتقده، ونؤمن به، ونراه صوابا" حتى على مستوى القياسات الإنسانية العامة المشتركة مع الناس، حيثما انطلقوا وتصرفوا على أساس منصف وموضوعي، وعذرنا في هذا، وفي غيره، أيها النشامى والماجدات، وأيها الأحبة من صبية وصبايا، أننا في العراق قد صرنا نتفاهم بالإشارة والعيون قبل الكلام، أو كرديف له، بل وبتلاقي ضمائرنا في سماء محبتنا العظيمة، حيثما تسمو لينعقد العهد العظيم الدائم في بناء بلدنا، وإعلاء شأن الإنسان المؤمن فيه، والدفاع عن الوطن الغالي، والمبادئ العظيمة


لامتنا المجيدة، لذلك أرجو أن تفهموا منا هذا وأنتم أهل الفهم، وجمجمة العرب، وان الكلام المبسط، أيها الاخوة، في هذا الأمر قد ينحو المنحى الذي يشج الجباه، ويفطر قلوب خصومكم، في الوقت الذي ليس هذا غايتنا، بعد أن عرفوا إنكم قادرون، باسم الله، على أن تشجوا الجباه، وتمزقوا القيود في ساحاتها، وإنما أن نعالج النفوس والقلوب المريضة، ونفتح العيون بالحسنى على الحقائق كما هي، حيثما قام الحدس بحده الأدنى على إمكانية ذلك، وهو واجبنا القومي والإنساني، وبه سبحانه نستعين، ومن قاعدة حكمة اكثر من ثمانية آلاف عام من الحضارة وتراث امتنا الخالد ننطلق (اذهبا إلى فرعون وقلا له قولا لينا) صدق الله العظيم.. مع المحافظة على جوهر مواقف الشعب المجاهد، وقيادته المؤمنة بالله وبالوطن والأمة والشعب.


والله أكبر..
المجد وعليين لشهداء القادسية المجيدة..
وحياة العز والمعاني العالية لجرحانا والأحياء الذين يرزقون..


(ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا")..
صدق الله العظيم

وتحية إلى أسرانا في أقفاص الأسر في إيران، واعتزازا" كبيرا" بمواقفهم الوطنية هناك..
وتحية إلى المؤمنين الصادقين حيثما كانوا..
وعاشت امتنا المجيدة..
وعاش العراق .. عاش العراق ..

وعاشت فلسطين حرة عربية .. وعاش شعب فلسطين ومجاهدو الموقف الكبير ..
والمجد لعوائل العراق التي كان لها وسام شرف في فقد أبنائها، أبنائنا الغيارى، في سوح الشرف والجهاد، والتي صبرت واحتملت الأذى بقلوب مفعمة بالإيمان والمعاني العالية..
وعاشت الصداقة مع الشعوب..
وكان الله في عون كل الأسر الإيرانية التي فجعت بمصيبة ما أصابها في الحرب، ومازالت متمسكة، وتضمر نية الخير والمحبة للعلاقة مع العراق لأنها تدرك وتفهم مغزى الصراع وأسبابه ومسببيه.

والله اكبر .. الله أكبر..

وليخسأ الخاسئون

 
 
 

يرجى الاشارة

إلى شبكة المنصور عند إعادة النشر او الاقتباس

كيفية طباعة المقال

الاثنين / ١١ مـحـرم ١٤٣١ هـ

***

 الموافق  ٢٨ / كانون الاول / ٢٠٠٩ م

الرئيسية | بيانات البعث | بيانات المقاومة | مقالات مختارة | تقارير إخبارية | دليل كتاب شبكة المنصور