أوراق عربية - مؤتمر القمة العربي المقترح عقده في بغداد ... هل هو لمواجهة الأخطار المحدقة بالأمة العربية ؟ أم لتجسير العوائق التي تعترض المشروع الإيراني في المنطقة ؟

شبكة ذي قار
نزار السامرائي


تتفاوت وجهات النظر بين المتحمسين لعقد القمة العربية القادمة في بغداد، والمتحمسين لمنع عقدها في العاصمة العراقية حد التصادم، من دون أن تلوح في الأفق امكانية للتقريب بين الرؤى المتصادمة، خاصة وأن هناك أطرافا عربية لم تحسم موقفها حتى الآن من هذا الأمر الذي تجاوز موضوع الشكل، إلى المضمون الذي قد يمثله انعقاد القمة العربية المهددة بالفشل إن كان لها أن تعقد، في بلد بات المشروع الإيراني فيه أكثر بروزا ووضوحا ويجد له مدافعين من قلب العملية السياسية التي صمم ديكورها الأمريكيون، لتكتشف واشنطن أن سفينتها قد رست في آخر المطاف على أرصفة بندر خميني، ولتجد ما هو أسوأ من أن تتكلم بغداد بلغة عربية بلكنة فارسية، أو أن تطرح حكومة المالكي المتحمسة لعقد المؤتمر في بغداد، لأسباب لا صلة لها النتائج المرجو الوصول إليها، موقفا سياسيا ليست فيه مصلحة مؤكدة للأمة العربية.


لمؤتمرات القمة العربية تاريخ قديم يجسد على الدوام حالة عدم الاتفاق داخل مؤسسة القمم العربية، على الرغم من أن عقدها كان يترافق مع أجواء عالية من التفاؤل بأنها ستحمل عصا موسى عليه السلام، التي كان يتوكأ عليها ويهش بها غنمه وله فيها مآرب أخرى، وحكاية المآرب الأخرى هي التي تختزل كثيرا وربما معظم التأوهات العربية الحائرة، بين من هو مع، ومن هو ضد ومن هو بين بين، أو من هو خارج كل هذه الصور، فلكل طرف يدعو لعقد القمة مآربه الأخرى سواء على المستوى الشخصي، أو على مستويات أخرى تلتقي عند أمر واحد، ربما يمثل خط التلاشي بين وطن التصق حد الذوبان بشخصية الزعيم، أو ما هو شخصي لزعيم يراد له أن يجسد تاريخ وطن لزمن يطول أو يقصر، ويحسب عمره بعمر حقبة زمنية لا تتجاوز حالة التلاشي بين الزعيم والوطن، فالبحث عن عنوان سياسي لامع للزعيم ليسجل باسمه في تاريخ الأمم والقادة، يعد هدفا مقدسا ومقدما على ما سواه.


قصة القمم العربية رافقتها مفارقات محزنة بقدر ما شهدت من تناقضات موروثة أو مستحدثة تفجرت في أروقتها، وعصفت بها رغبات جامحة في الذهاب بعيدا عن مجرد البحث عن حلول لأزمات الأمة، وبدأ الفصل الأول للقمم العربية، بدعوة الملك فاروق ملك مصر، الذي خلعته ثورة يوليو عام 1952 بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، للدول العربية السبع الأعضاء في جامعة الدول العربية في أكتوبر عام 1945 أي بعد بضعة شهور من تأسيس الجامعة، للمشاركة في مؤتمر لقمة يعقد على ظهر يخته الملكي في البحر الأحمر، واختيار اليخت لعقد المؤتمر فيه من استعراض لوجاهة التقاليد الملكية العريقة في مصر، بمقابل تخلف معّمِر من تركة قرون طويلة من ضياع مفهوم الدولة العربية أدى إلى انعدام تقاليد الدولة في معظم الدول العربية المستقلة حديثا، دعوة الملك فاروق كان فيها ذلك الاحساس الجارف من عظمة المَلِك والمُلْك، أكثر مما فيها تشخيص مبكر للأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر سواء بالنسبة لمصر أو للأمة العربية، ولكن الأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق حينها، ومن منطلق عدم الرغبة في ردم الفجوة بين مصر والعراق، وربما لعقدة شخصية ترتبط بسنوات دراسته في مصر، وربما هي نزعة متأصلة عنده لمنع أي تقارب بين العراق وجيرانه في بلاد الشام والجزيرة العربية رفض المشاركة في القمة، وهو ما يمكن أن يعد تأسيا بتقاليد سياسية اقتبس بعض مفرداتها من اتفاقية سايكس بيكو، على العموم عُقدت القمة العربية في يناير 1946، على الرغم من أن الرئيس اللبناني وقتذاك طلب تأجيلها، ولكن نتائجها لم تترك لنفسها حيزا في أرشيف ذاكرة الجامعة العربية، بحيث أنها لم تحسب في تاريخ القمم العربية، غير أن المراقب يستطيع أن يؤشر على قمة الملك فاروق، وهي الأولى والأخيرة التي حضرها الملك المشغول بغير هموم الوطن والأمة، وكذلك معظم القمم اللاحقة، أنها لم تأت تعبيرا عن شعور بقيمة العمل المؤسسي العربي، الذي كان يجب أن تنهض به مؤسسة الجامعة العربية نفسها، فكل الدعوات لعقد القمم كانت تخرج من رؤساء دول حاصرتهم ظروف طارئة، وأرادوا الحصول على قارب للنجاة يرمى لهم من السفينة العربية، وقليل منها كان لمواجهة خطر يدهم الجميع، وفي كل الأحوال لم تتغير النتائج كثيرا بين الحالين، حتى تم إقرار قمة عربية دورية، ولكن بعد أن مر على عمر جامعة الدول الربيع أكثر من نصف قرن، وبلغت أشدها، ولكنها ظلت مستوية على الأرض لاتبارحها، مهما تعالت نداءات الاستغاثة.


يبدو أن لبنان حينما طلب تأجيل قمة الملك فاروق كان يطمح بعقدها فوق أراضيه، لهذا استغل الرئيس اللبناني كميل شمعون بعد عشر سنوات من قمة مصر، ما حصل من نتائج في العدوان الثلاثي ( بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) والذي تعرضت له مصر بعد تأميم قناة السويس، فرصة ليطرح نفسه مدافعا عن أرض عربية تم احتلالها بالقوة المسلحة، فدعا إلى عقد القمة الثانية في بلاده، ولكن الانسحاب الذي تم عام 1957، لم يحصل استجابة لمقررات قمة الرئيس شمعون، وإنما لتوازنات دولية فرضتها ظروف ما بعد الحرب على مصر وصعود حركة القومية العربية بزعامة الرئيس عبد الناصر، وأضيفت تلكما القمتين كرقم إلى القمم المهملة.


ولكن مؤتمر القمة العربي الذي عقد في القاهرة في يناير 1964، بناء على دعوة وجهها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لمواجهة خطة إسرائيل بتحويل مجرى نهر الأردن، يمكن أن ينظر إليه على أنه مؤتمر القمة العربي الأول، لأنه اعتمد على جدول أعمال شامل أعدته الحكومة المصرية، ولم يكن للجامعة العربية أي دور فيه، تضمن جدول الأعمال هامشا واسعا من القضايا التي كان بإمكانها فيما لو نفذت في حينها، مع توفير مستلزماتها العسكرية، لأصبح ممكنا افتراض رسم استراتيجة عمل عربي مشترك، يأخذ منها كل حسب حاجته، ويعطِ كل حسب قدرته، على وفق ما ترسم النظرية الماركسية الخيالية في هذا المقطع من أدبياتها الساذجة، ولكن سياسة المحاور التي وزعت الأمة ذات اليمين وذات الشمال، جعلت من استمرار الموقف الموحد أمرا تكتنفه صعوبات كبرى .


لماذا يعيد العرب انتاج خلافاتهم في قممهم ؟


منذ قيام الجامعة العربية وحتى اليوم، زالت من خارطة الجغرافية السياسية، نظم وجاءت أخرى على أنقاضها، وظن المراقبون أن مسار العلاقات العربية العربية، سيشهد تطورات ايجابية بسبب إزالة العراقيل التي كانت تعترضها، ولكن الحساسيات القائمة لم تلغِ أثرَها التغيراتُ التي طرأت على طبيعة النظم الرسمية العربية القائمة، حتى بات ملحا إعطاء جواب شاف على سؤال محدد، هل كان مكتوبا على العرب أن تمزقهم التناقضات السياسة؟ وأحيانا من دون أسباب وجيهة، وهل بات مكتوبا على العراق مثلا أن تتأزم علاقاته مع مصر أو الشام مهما تعددت التحولات السياسية في هذه البلدان؟ وهل كتب على العراق أن تتأزم علاقاته مع المملكة العربية السعودية مهما كانت توجهات من يحكم في بغداد؟ ما عدا استثناءات أقصر من فصل الربيع في العراق وفي جزيرة العرب؟ وهل هناك موروث تراكمي في بطون الماضي، من حساسيات أو تصورات بصراع حقيقي أو مفتعل، بين المتخاصمين على سلب الدور السياسي أو الدور القيادي لبلدان لم تكن مستوفية لشروط القيادة، كانت هذه التراكمات، هي محرك للعقل الباطن بصورة جمعية في النظام الرسمي العربي؟ وما يصح على العراق ينسحب على العلاقات العربية الاخرى.


هناك من الحكام العرب من يظن أن القمم العربية التي يحرصون على استضافتها مشروع استثمار سياسي بالغ الأهمية، يرمي من ورائه إلى انتزاع اعتراف ضمني بدور قيادي له في بلده، أو لبلده تحت قيادته على المستوى الإقليمي، حتى إذا انتزعه عن طريق إحراج ضيوف القمة، إما بكرم الضيافة الذي لا دور فيه للمال الخاص للمضيفين، أو عن طريق الاستعانة بضغوط خارجية تسلط على الحاضرين، من أجل الخروج من أزمة سياسية على الصعيد الداخلي قائمة فعلا أو بطور النشوء، استعانة بتلاوين (قوس وقزح العربي) الذي يضم كل المدارس السياسية والدينية والفكرية، وألوان الطيف الشمسي، وإما لحل مشاكل خارجية لبلده داخل مؤسسة القمة العربية كان هو أصلا المتسبب بنشوئها.


قمة بغداد المقترحة، قمة أزمة وليست قمة حل


القمة العربية المقترح عقدها في العراق، تثير شجونا كثيرة لدى المراقب المحايد، تطرح على هيئة أسئلة عن مدى صلاحية العراق في ظروف تحالفاته الراهنة مع إيران، وانحيازه إلى جانبها ضد محيطه العربي وخاصة في منطقة الخليج العربي، أن يكون خيمة تلتقي عندها الزعامات العربية؟ بل ما هي الشروط الواجب توفرها في البلد الذي بإمكانه استضافة القمة العربية؟ وهل يصلح العراق في ظل حكومته الحالية التي تفننت في تعكير علاقات العراق العربية كما لم ينجح أحد من قبل، في استضافة القمة التي سيعترض من يحضرها من القادة العرب إلى أجواء كراهية لا تخطؤها عين الفراسة العربية، وسط أجواء بوليسية غير مسبوقة، فهل يتمكن من حبس نفسه وراء جدران المنطقة الاسمنتية، أن يوفر الحماية الذاتية والأمن المطلوب توفره لمن يريد أن يفكر بصوت عال وحرية مفتوحة النوافذ من القادة العرب؟ وماذا لو أن قذيفة واحدة سقطت عن طريق الخطأ المقصود على القاعة التي يجتمع فيها اثنان وعشرون زعيما عربيا، وهل يجدي بعدها الإعتذار عما وقع؟ أم أن أناسا احترفوا القتل، يحضّرون لمجزرة انتقام من قادة وقفوا ضد أحلام الامبراطورية الإيرانية الجديدة إلا من رحم ربي.


لا بد أولا ألا يكون البلد الذي يحتضن القمة العربية، طرفا بالنزاعات العربية وليس طرفا في سياسة المحاور التي شطرت الأمة وجعلتها شيعا وأحزابا، من هنا يمكن أن نجد التفسير الواقعي لأسباب استضافة المملكة المغربية لكثير من القمم العربية، لا سيما وأن معظم أسباب الانقسام في الصف العربي، كانت مشرقية مثل الشمس التي لا تشرق إلا من الشرق، مع استثناءات محدودة تتصل بالعلاقات المغربية الجزائرية، بسبب قضية الصحراء المغربية والتي يبدو أنها ستبقى ظاهرة تسمم علاقات دول المغرب العربي لأمد بعيد حتى مع احتمال تبدل ما في النظم السياسية القائمة هناك، أو تغير سياساتها.


على كل حال، يبدو أن احمد بن حلي كلف نفسه كثيرا، حينما زار العراق للبحث إما في ترتيبات القمة العربية في بغداد أو لدراسة إمكانية عقدها هناك، فالأمر لم يحسم بعد بسبب اختلاف وجهات النظر، على مكان ظل طرفا في تعميق النزاعات على طول الوطن العربي وعرضه، مما دفع بالبحرين من اللحظة الأولى للإعلان عن رفضها عقد القمة في بغداد، وموقف البحرين الذي يحظى بتعاطف شعبي عراقي مؤكد، لم يقل بعدم المشاركة في القمة فقط، وإنما كان الموقف كموقف الإسلام من الخمر والميسر، وهو اجتنابه وليس مجرد التحريم، وهذا من دون شك سيدعو دول مجلس التعاون الخليجي إلى التعاضد مع البحرين، ليس لأن دول الخليج لم تتضرر من سياسات إيران، وإنما لأن البحرين هي خط الدفاع الأول وهي وحدها التي يراد إجراء عملية جراحية لفصلها عن محيطها العربي، دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت أكثر طرف عربي، تضرر من دور الجسر الذي أصبحه العراق بعد الاحتلال الأمريكي للمشروع الإيراني للقفز إلى المنطقة والعالم، وخاصة تكدس كتلة النوايا التي تستهدف البحرين، كقطر عربي لم يخفِ المسؤولون الإيرانيون أطماعهم فيه، وأرشيف المنطقة مزدحم بها، ويشكل ما كان شريعتمداري مستشار الولي الفقيه، قد أعلنه من اعتبار البحرين احدى المحافظات الإيرانية، أخطر رسالة كراهية نحو دول الخليج العربي بل والأمة العربية كلها وكان يجب على الجامعة العربية أن تعطي هذا الموضوع ما يستحق من أهمية، ولم تتوقف النوايا الإيرانية عند هذا الحد، بل تم تحريك أدوات محلية لتكون نصل الخنجر في هذه الادعاءات الفارغة والساقطة تاريخيا.


وبدلا من أن تفّعل حكومة بغداد ولو من باب ذر الرماد في العيون، انتماءها لجامعة الدول العربية، كما جاء في دستور عام 2005 والمسلوق على عجل، وتعلن عن تعاطف مع الشعب البحريني في تصديه لنوايا تصدير الثورة الإسلامية إلى بلده بقوة الضغط الخارجي، أو عبر الحركات المحلية المرتبطة بالولي الفقيه، لاحظ المراقبون أن الطبقة الحاكمة في العراق منذ الاحتلال الأمريكي الإيراني، اعلنت اصطفافها المعيب مع أدوات إيران المحلية في البحرين والتي تتناغم مع أطماع لا تريد مغادرة العقول المريضة التي تحكم في طهران، هذا الاصطفاف الذي وجد له عونا وظهيرا من بعض الأسماء التي تظاهرت بأنها جزء من تيارات ذات انتماء قومي وحركات لم تغادر ثوابت الانتماء للأمة، ولم تهادن في يوم من الأيام، من ساعد على التداخل في الخنادق بين خطين متوازيين لم يكن ممكنا جمعهما على سطح واحد، ولكنها في لحظة المفاضلة بين الموروث التلقيني الأول، والوعي المكتسب لاحقا، اختارت الارتداد إلى ما ترسب في الأعماق المظلمة، ولم تتمكن من الفرز بين الصورة والتصور.


عراقيون ضد عقد القمة في بغداد


سبات طويل عاشته جامعة الدول العربية، وغاب دورها المؤسسي المنصوص عليه في ميثاقها، نتيجة لحلول دور عدد محدود من قادة الدول الأعضاء بدلا عنها وفرض وجهات نظرهم عليها، ومحاولة أطراف أخرى من النظام الرسمي العربي توظيف مهمات الجامعة لصالحها على حساب الدول الأعضاء، حتى بدا وكأن هناك طبقية في عضوية الجامعة أو درجات فيها، وهذا الواقع هو الذي دفع بالعراق في عقد السبعينات إلى تقديم مقترح لتفعيل منظومة العمل المؤسسي للجامعة، بمعزل عن إرادات الدول الأعضاء مهما كبر حجمها أو صغر، لذلك تقدم الدكتور سعدون حمادي أثناء توليه لمنصب وزير الخارجية العراقية، بخطة عمل شاملة لتطوير أنشطة الجامعة وإعادة النظر بميثاقها، ولكن سياسة المحاور التي خيمت طويلا فوق البلدان العربية، أجهضت المشروع قبل أن يعرض على اجتماعات خاصة لهذا الغرض، وكانت هذه الظاهرة المَرَضية التي ميزت العمل العربي، سببا في إحباط الكثير من الأفكار البناءة والخطط الطموحة للارتقاء بالعمل المشترك، إلى حالة متمدنة ومتحضرة تأخذ من كل بلد أفضل ما عنده لتصب في النهاية في خدمة الأهداف التي تشكلت جامعة الدول العربية من أجلها.


ربما كان تحول مؤتمرات القمة العربية من حالة المبادرات التي تخرج من بلد يمر بأزمة سياسية أو اقتصادية، إلى جدول دوري منظم في العواصم العربية حسب حروف الهجاء، واحدا من العلامات الإيجابية القليلة في تاريخ الجامعة، ومرت معظم المؤتمرات بظروف سلسة، إلا عند اعتذار البلد عن استضافتها لأسباب مالية لا يستطيع النهوض بأعبائها أو لأية أسباب أخرى، وأخيرا جاء الدور على العراق لاستضافة المؤتمر، لكن ظروف العراق الواقع تحت الاحتلال الأمريكي الرسمي والاحتلال الإيراني الفعلي، جعلت من عقده في بغداد أمرا في غاية الصعوبة أو الاستحالة، وخاصة أن الحكومة تم تنصيبها من قبل المحتلين أنفسهم، فهل يمكن أن يذهب الخيال في رأس عاقل، أن يفترض إمكانية عقد قمة عربية في بغداد المحتلة وأحد بنود جدول الأعمال يدرس كيفية حماية البلدان العربية من الأخطار الخارجية؟ هل يتوفر الهواء النقي للزعماء العرب لطرح وجهات نظرهم، ومن يحمي قاعة الاجتماع؟ هل تصلح عربات الاحتلال التي يتسرب هدير محركاتها ليطغى على أصوات المتحدثين لتنفيذ هذه المهمة؟ وفي قاعة كتبت على أحد جدرانها عبارة ( التدخين مضر بالصحة وملوث للبيئة ) ، ولكن دخان اليات الاحتلال لا يجيد قراءة هذه اللوحة لأنها مكتوبة باللغة العربية، نعم أنها تلوث البيئة بعد أن أجهزت على البيئة السياسية والعسكرية والاقتصادية والعمرانية للعراق.


رفض عقد القمة العربية في بغداد مطلب للعراقيين الذين يقفون ضد الاحتلالين الأمريكي والإيراني، وتحملوا من ويلاتهما الشيء الكثير، ولهذا فإنهم يدعمون بقوة مواقف دول مجلس التعاون الخليجي الرافضة لعقدها في بغداد التي أخذت تتحدث بلغة بعيدة عن لغة أهلها، وقد يكون رفض العراقيين لعقد القمة العربية في بلدهم أكبر من أي رفض عربي آخر، لأنهم لا يريدون لعاصمة بلدهم أن تسجل باسمها سابقة تعيد إلى الذاكرة تجربة ابن العلقمي بالممارسة، أو في بيان يحمل اسم بغداد ولا يحمل شيئا من قيمها وروحها القومية الأصيلة.


وقطعا ستكون إيران حاضرة في المؤتمر حتى بفرض أنها لن تحضر رسميا، على الرغم من أن هناك من يظن أن الدعوة ستوجه للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للحضور كضيف شرف أو بصفة مراقب للقمة ليراقب سلوك الزعماء العرب، فماذا يمكن أن يحصل لو تم هذا السيناريو؟ هل يستطيع المؤتمر رفع توصية بإعادة الجزر العربية الثلاث أبو موسى وطمب الكبرى وطمب الصغرى إلى الإمارات العربية كما حصل في المؤتمرات السابقة؟ وماذا سيقرر المؤتمر بشأن عروبة البحرين والتي تتعرض لفتنة مستوردة على أيدي وكلاء محليين باعوا أنفسهم لكهنة معبد النار في طهران؟ وضرورة التصدي لمخططات إيران لقضمها من حاضنتها العربية؟ لاسيما وأن قادة الحركات الإرهابية التي أعلنت دعمها للمشروع الإيراني، يقفون مثل الحجّاب والبوابين على مداخل قاعة المؤتمر، مثل أحمد الجلبي وإبراهيم الجعفري ومقتدى الصدر، وأسماء كانت في عالمها السفلي وأرادت الخروج منه بالترويج للبضاعة الإيرانية في العراق والخليج العربي.


على العموم فاتت الفرصة على بغداد أن تحتضن قمة عربية منذ أن فقدت دورها القومي وكسياج عال بوجه الأطماع الإيرانية، ولم تتوقف عن ذلك بل تحولت إلى رأس جسر على الضفة الغربية للخليج العربي، تسهيلا لنورماندي إيراني جديد، ثم أن عقد القمة في بغداد سيعني منح الشرعية للاحتلال وما ترتب عليها من تداعيات سياسية واقتصادية وعسكرية وخاصة تدمير قوة العراق العسكرية، والتمهيد لإلغاء دوره الإقليمي في منطقة الخليج العربي في مواجهة الأطماع الإيرانية، وفي الشرق الأوسط لمواجهة إسرائيل، والدولي الضامن للتوازنات الإقليمية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.


حينما يعلن وزير خارجية البحرين عن رفض عقد القمة في بغداد، فإنه يتكلم باسم معظم العراقيين الذين يعون جيدا أن قمة تعقد في منطقة تقاطع خطوط النشاطات الاستخبارية والعملياتية لكثير من الأطراف الإقليمية والدولية، لا يمكن أن تمتلك حرية القرار السياسي المطلوب كشرط أساسي لأي حوار هادف وبنّاء بين تيارات ووجهات نظر مختلفة.

 

 



الاربعاء٢٢ ربيع الاول ١٤٣٣ هـ   ۞۞۞  الموافق ١٥ / شبــاط / ٢٠١٢م


اكثر المواضع مشاهدة

الرفيق ابو الشهيد - مقتطفات من رسائل الرفيق الامين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي ( الحلقة ١ )
صلاح المختار - مؤتمر انطلاقة النهوض القومي العربي
هارون محمد - ( النفط مقابل البناء ) .. برنامج بعثي لإنقاذ العراق
د. سامي سعدون - فلسطيــن والقــــدس .. فــــي مـــواقـــــف
نبض العروبة المجاهدة للثّقافة والإعلام - كلمة نبض العروبة المجاهدة للثّقافة والإعلام للمؤتمر الشّعبيّ العربيّ
حزب البعث العربي الاشتراكي ( الاصل ) - ​مقابلة مهمة مع الرفيق نائب امين سر البعث في السودان
المؤتمر الشعبي العربي - البيان الختامي للمؤتمر الشعبي العربي - الدورة الاولى - تونس ( للمدة من ٨ - ١١ كانون الاول ( ديسمبر ) ٢٠١٧ )
المحامي حسن بيان - القدس المحتلة وخطر تغيير مركزها القانوني
صباح ديبس - الحلقة الأولى من (( خبـــر ،، رأي و مــــوقـــــف ))
بنــــت العـــــراق - شيخ العـــار والخيانة مهنــــــد هلال البلاســـــم المياح / صور مرفقة
أحمد شهاب - وصية الشهيد عواد حمد البندر السعدون .. ربوا أولادكم على حب الوطن وفدائه بالغالي والنفيس ولا قرت أعين الجبناء
عصام عبد اللطيف الراوي - اعزي نفسي وعائلته الكريمة وكل ابناء القوات المسلحة الشرفاء الوطنين لوفاة الفريق الركن اياد خليل زكي
الوليد خالد - المؤتمر الشعبي العربي ،، بارقة الأمل في طريق التحرر
صباح ديبس - هذا مازرعه وحصده لنا مشروع ري ( الديمقراطية والحرية وانهاء الدكتاتورية ) !؟
بلال الهاشمي - لماذا يفضل الفرس ذرية الحسين على ذرية الحسن ( عليهما السلام ) ؟!
أحدث المواضيع المنشورة